فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 593

* عن أبي جعفر الكبريتي صاحب صالح بن عبد الكريم قال: قيل لصالح بن عبد الكريم: إن قوما يجدون قلوبهم في القصائد ولا يجدونها في القرآن؟ قال فقال صالح: إن القرآن عزيز، ويريد القرآن عقلا عزيزا، وهؤلاء عقولهم فيها ضعف فاحتملوهم.

* عن عائشة قالت: ابن الفريعة تسبونه منذ الليلة. قلن: يا أم المؤمنين أليس هو الذي يقول:

هجوت محمدًا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء

فان أبى ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء

والله إني لأرجو أن يدخله الله الجنة. قال عبد الكريم: زاد فيه إبراهيم بن بشار أليس هو الذي يقول:

هجوت محمدًا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء

أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء

* عن أبي عمر الأزدي قال: كنت أساير أبا بكر محمد بن داود بن علي ببغداد فإذا جارية تغني بشيء من شعره وهو:

أشكو عليل فؤاد أنت متلفه شكوى عليل إلى ألف يعلله

سقمي تزيد مع الأيام كثرته وأنت في عظم ما ألقى تقلله

الله حرم قتلي في الهوى سفها وأنت يا قاتلي ظلما تحلله

فقال محمد بن داود: كيف السبيل إلى استرجاع هذا؟ فقال القاضي أبو عمر: هيهات سارت به الركبان.

* عن أبان بن عبد الحميد الشاعر قال: أنه كان يصلي ولوح موضع بين يديه, فإذا صلى أخذ اللوح, فملأه من الشعر الذي صنعه, ثم يعود إلى صلاته.

* أحب يحيى بن خالد أن يحفظ كتاب كليلة ودمنة, فاشتد عليه ذلك, فقال له أبان بن عبد الحميد: أنا أعمله شعرًا ليخف على الوزير حفظه, فنقله إلى قصيدة عملها مزدوجة عدد أبياتها أربعة عشر ألف بيت في ثلاثة أشهر, فأعطاه يحيى بن خالد عشرة آلاف دينار, وأعطاه الفضل خمسة آلاف دينار, وقال له جعفر بن يحيى: ألا ترضى أن أكون راويتك لها؟! ولم يعطه شيئًا. قال: فتصدق بثلث المال الذي أخذه.

* عن علي بن الجهم قال: كان الشعراء يجتمعون كل جمعة في القبة المعروفة بهم من جامع المدينة, فيتناشدون الشعر, ويعرض كل واحد منهم على أصحابه ما أحدث من القول بعد مفارقتهم في الجمعة التي قبلها, فبينا أنا في جمعة من تلك الجمع, ودعبل, وأبو الشيص, وابن أبي فنن, والناس يستمعون إنشاد بعضنا بعضًا أبصرت شابًا في أخريات الناس جالسًا في زي الأعراب, وهيئتهم فلما قطعنا الإنشاد قال لنا: قد سمعت إنشادكم منذ اليوم فاسمعوا إنشادي. قلنا: هات فأنشدنا:

فحواك دل على نجواك يا مذل ... حتام لا يتقضى قولك الخطل

فإن أسمج من يشكو إليه هوى ... من كان أحسن شيء عنده العذل

ما أقبلت أوجه اللذات سافرة ... مذ أدبرت باللوى أيامنا الأول

إن شئت أن لا ترى صبر القطين بها [1] ... فانظر على أي حال أصبح الطلل

كأنما جاد مغناه فغيره ... دموعنا يوم بانوا، وهي تنهمل

ولو ترانا وإياهم وموقفنا ... في موقف البين لاستهلالنا زجل

من حرقة أطلقتها فرقة أسرت ... قلبا، ومن عذل في نحره عذل

وقد طوى الشوق في أحشائنا بقر ... عين طوتهن في أحشائها الكلل

ثم مر فيها حتى انتهى إلى قوله في مدح المعتصم:

تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل

قال: فعقد أبو الشيص عند هذا البيت خنصره, ثم مر فيها إلى آخرها. فقلنا: زدنا فأنشدنا:

دمن ألم بها فقال سلام ... كم حل عقدة صبره الإلمام

ثم أنشدها إلى آخرها، وهو يمدح فيها المأمون، واستزدناه فأنشدنا قصيدته التي أولها:

قدك اتئد أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي

حتى انتهى إلى آخرها, فقلنا له: لمن هذا الشعر؟ فقال: لمن أنشدكموه. قلنا: ومن تكون؟ قال: أنا أبو تمام حبيب بن أوس الطائي, فقال له أبو الشيص: تزعم أن هذا الشعر لك وتقول:

تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل

قال نعم: لأني سهرت في مدح ملك, ولم أسهر في مدح سوقة, فعرفناه حتى صار معنا في موضعنا, ولم نزل نتهاداه بيننا, وجعلناه كأحدنا, واشتد اعجابنا به لدماثته, وظرفه, وكرمه, وحسن طبعه, وجودة شعره وكان ذلك اليوم أول يوم عرفناه فيه, ثم ترقت حاله حتى كان من أمره ما كان.

* عن خالد الكتاب قال: قال لي علي بن الجهم: هب لي بيتك:

ليت ما أصبح من رقة خديك بقلبك

قال: فقلت له: أرأيت أحدًا يهب ولده!.

* عن أبي الهيثم خالد بن يزيد الكاتب قال: لما بويع إبراهيم بن المهدي بالخلافة طلبني, وقد كان يعرفني وكنت متصلًا ببعض أسبابه, فأدخلت عليه فقال: يا خالد أنشدني من شعرك. فقلت: يا أمير المؤمنين ليس شعري من الشعر الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن من الشعر حكمًا» وإنما أمزح, وأهزل, وليس مما ينشده أمير المؤمنين. فقال لي: لا تقل هذا يا خالد فإن جد الأدب وهزله جد أنشدني فأنشدته:

عش فحبيك سريعا قاتلي ... والضنى إن لم تصلني واصلي

ظفر الشوق بقلب كمد ... فيك والسقم بجسم ناحل

فهما بين اكتئاب وبلى ... تركاني كالقضيب الذابل

وبكى العاذل لي من رحمة ... فبكائي لبكاء العاذل

فاستملح ذلك ووصلني.

* عن روح بن عبادة قال: كنا عند شعبة, فضجر من الحديث, فرمى بطرفه, فرأى أبا زيد سعيد بن أوس في أخريات الناس, فقال: يا أبا زيد استعجمت دارمي ما تكلمنا, والدار لو كلمتنا ذات أخبار. إلي يا أبا زيد فجاءه, فجعلا يتناشدان الأشعار, فقال بعض أصحاب الحديث لشعبة: يا أبا بسطام نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك حديث رسول الله فتدعنا, وتقبل على الأشعار؟ قال: فرأيت شعبة قد غضب غضبًا شديدًا, ثم قال: يا هؤلاء أنا أعلم بالأصلح لي أنا والله الذي لا إله إلا هو في هذا أسلم مني في ذاك.

* عن الجواني الهاشمي قال: كان سلم الخاسر غلام بشار قال: فقال لي بشار: يا أبا مخلد ما فعلت بغلام قط إلا بسلم, وإنما أردت أن أقصر من درابته, فإنه قد شعر جدًا, فلهذا فعلت, وكان سلم قد كسب مالًا منه مائة ألف درهم وألف درهم بقوله في قصيدته التي يمدح المهدي:

حضر الرحيل وشدت الأحداج ... وحدا بهن مشمر مزعاج

ويقول فيها:

شربت بمكة في ذرى بطحائها ... ماء النبوة ليس فيه مزاج

وكان المهدي أعطى بن أبي حفصة مائة ألف درهم بقصيدته: طرقتك زائرة فحي خيالها

فأراد أن ينقص سلمًا من هذه الجائزة فحلف سلم أن لا يأخذ إلا مائة ألف درهم وألف درهم, وقال: تطرح القصيدتان إلى أهل العلم حتى يخبروا بتقدم قصيدتي, فأنفذ له المهدي مائة ألف درهم وألف درهم فكان من أصل ماله.

* قال أحمد المؤدب: أخبرني جماعة من أهل الأدب: أن بشارًا غضب على سلم الخاسر, وكان من تلامذته ورواته, فاستشفع عليه بجماعة من إخوانه فأتوه, فقالوا: جئناك في حاجة, فقال: يعني كل حاجة لكم مقضية إلا سلمًا. قالوا: ما جئناك إلا في سلم, ولا بد من أن ترضى عنه. قال: فأين هو؟ قالوا: ها هو ذا, فقام سلم يقبل رأسه ويديه, وقال: يا أبا معاذ خريجك, وأديبك. فقال بشار: فمن الذي يقول:

من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج

قال: أنت يا أبا معاذ جعلني الله فداك. قال: فمن الذي يقول:

من راقب الناس مات هما ... وفاز باللذة الجسور

قال: خريجك يقول ذلك. قال: فتأخذ معاني التي قد عنيت بها, وتعبت فيها وفي استنباطها فتكسوها ألفاظًا أخف من ألفاظي حتى يروى ما تقول, ويذهب شعري! لا أرضى عنك أبدًا. فما زال يتضرع إليه, ويشفع له القوم حتى رضي عنه.

* عن شعبة قال: لولا الشعر لجئتكم بالشعبي.

* كان المأمون يتعصب للأوائل من الشعراء ويقول: انقضى الشعر مع ملك بني أمية, وكان عمي الفضل بن سهل يقول له: الأوائل حجة, وأصول, وهؤلاء أحسن تفريعًا، إلى أن أنشده يومًا عبد الله بن أيوب التيمى شعرًا مدحه فيه, فلما بلغ قوله:

ترى ظاهر المأمون أحسن ظاهرا ... وأحسن منه ما أسر وأضمرا

يناجي له نفسا تريع بهمة ... إلى كل معروف وقلبا مطهرا

ويخشع إكبارا له كل ناظر ... ويأبي لخوف الله أن يتكبرا

طويل نجاد السيف مضطمر الحشا ... طواه طراد الخيل حتى تحسرا

رفل إذا ما السلم رفل ذيله ... وإن شمرت يوما له الحرب شمرا

فقال للفضل: ما بعد هذا مدح. وما أشبه فروع الإحسان بأصوله.

* عن محمد بن يحيى الصولي قال: سمعت عبد الله بن المعتز يومًا يشكو الزمان ثم قال: إنا والله كما قال ابن مفرغ اليحصبي:

طرب الفؤاد وعادني أحزاني ... وذكرت غفلة باطلي وزماني

عالجت أياما أشبن ذوائبي ... ورميت دهرا عارما ورماني

وذكر يومًا إخوانه فقال: أنا فيهم كما قال أبو تمام:

ذو الود مني وذو القربى بمنزلة ... وإخوتي أسوة عندي وإخواني

عصابة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني

أرواحنا في مكان واحد وغدت ... أبداننا بشام أو خراسان

ورب نائي المغاني روحة أبدا ... لصيق روحي ودان ليس بالداني

* عن الشوفي قال: كان أبي وشيوخنا بالشام يقولون: من حفظ للطائيين أربعين قصيدة, ولم يقل الشعر فهو حمار في مسلاخ إنسان. فقلت: الشعر, وسني دون العشرين, وبدأت بعمل مقصورتي يعني التي أولها:

لولا التناهي لم أطع نهي النهى ... أي مدى يطلب من جاز المدى

* عن الشعبي قال: ما أدري شيئًا أقل من الشعر, ولو شئت لأنشدتكم شهرًا لا أعيد.

* قيل لبعض العرب: لِمَ صارت المراثي أرق أشعاركم؟ قال: لأنا نبكي بها على الأباء والأبناء من قلوب قرحة.

* عن عبد الله بن المعتز قال: لو لم يكن للبحتري من الشعر غير قصيدته السينية في وصف إيوان كسرى - فليس للعرب سينية مثلها-, وقصيدته في وصف البركة، لكان أشعر الناس في زمانه.

* عن أبي بكر بن عياش قال: لما خرج علي بن أبي طالب إلى صفين, مرّ بخراب المدائن, فتمثل رجل من أصحابه فقال:

جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد

وإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد

فقال علي عليه السلام: لا تقل هكذا, ولكن قل كما قال الله عز وجل:) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ. كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ( [الدخان:25، 28] إن هؤلاء القوم كانوا وارثين فأصبحوا موروثين, وإن هؤلاء القوم استحلوا الحرم, فحلت بهم النقم, فلا تستحلوا الحرم, فتحل بكم النقم.

* عن أبي العباس محمد بن عبد الرحمن الفقيه قال: كتب أهل بغداد إلى محمد بن إسماعيل:

المسلمون بخير ما بقيت لهم ... وليس بعدك خير حين تفتقد

* عن حماد بن إسحاق قال: كان أبي عند الفضل بن يحيى, وعنده مسلم بن الوليد الأنصاري, ومنصور النمري ينشدانه فقال: احكم بينهما. فقلت: الحكم عيب عليَّ, والأمير أولى من حكم, وقد سمع شعرهما. قال: أقسمت عليك لما فعلت. قلت: هما صديقان شاعران, وقل من حكم بين الشعراء, فسلم منهم, ولكن إن أحب الأمير, وصفت له شعرهما. قال: فصفه. قلت: أما منصور النمري. فغريب البنا, قريب المعنى, سهل كلامه, صعب مرامه, سليم المتون, كثير العيون. وأما مسلم: فمزج كلام البدويين بكلام الحضريين, وضمنه المعاني اللطيفة, والألفاظ الظريفة, فله جزالة البدويين, ورقة الحضريين. قال: أبيت أن تحكم, فحكمت: منصور أشعرهما.

* عن محمد البيذق, وكان أحسن الناس إنشادًا, وكان إنشاده أحسن من الغناء قال: دعاني هارون الرشيد في عشي يوم, وبين يديه طبق, وهو يأكل مما فيه, ومعه الفضل بن الربيع. فقال الفضل: يا محمد أنشد أمير المؤمنين ما يستحسن من مديحه, فأنشدته للنمري, فلما بلغت إلى هذا الموضع:

أي امرئ بات من هارون في سخط ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع

إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع

إذا رفعت امرأ فالله رافعه ... ومن وضعت من الأقوام متضع

نفسي فداؤك والأبطال معلمة ... يوم الوغا والمنايا بينهم قرع

قال: فأمر فرفع الطعام, وصاح وقال: هذا والله أطيب من أكل الطعام, ومن كل شيء, وأجاز النمري بجائزة سنية. قال محمد البيذق: فأتيت النمري فعرفته أني كنت سبب الجائزة, فلم يعطني شيئًا, وشخص إلى رأس عين, فاحفظني, وغاظني, ثم دعاني الرشيد يومًا آخر فقال: أنشدني يا محمد فأنشدته:

شاء من الناس راتع هامل ... يعللون النفوس بالباطل

فلما بلغت إلى قوله:

ألا مساعير يغضبون لها ... بسلة البيض والقنا الذابل

قال: أراه يحرض عليَّ ابعثوا إليه من يجيئني برأسه, فكلمه الفضل بن الربيع, فلم يغن كلامه شيئًا, فوجه الرسول إليه, فوافاه اليوم الذي مات فيه, وقد دفن فأراد نبشه, وصلبه فكلم في ذلك فأمسك عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت