فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 593

* قال حفص بن غياث: لو رأيت أني أسر بما أنا فيه لهلكت.

* عن أحمد بن سليمان القطيعي قال: ضقت إضاقة فمضيت إلى إبراهيم الحربي لأبثه ما أنا فيه, فقال لي: لا يضيق صدرك فإن الله من وراء المعونة, وإني ضقت مرة حتى انتهى أمري في الإضاقة إلى أن عدم عيالي قوتهم, فقالت لي الزوجة: هب أني وإياك نصبر, فكيف نصنع بهاتين الصبيتين؟ فهات شيئًا من كتبك حتى نبيعه أو نرهنه فضننت بذاك, وقلت: اقترضي لهما شيئًا, وانظريني بقية اليوم والليلة, وكان لي بيت في دهليز داري فيه كتبي, فكنت أجلس فيه للنسخ وللنظر, فلما كان في تلك الليلة إذا داق يدق الباب, فقلت: من هذا؟ فقال: رجل من الجيران, فقلت: أدخل. فقال: أطفئي السراج حتى أدخل, فكبيت على السراج شيئًا, وقلت: أدخل, فدخل وترك إلى جانبي شيئًا, وانصرف فكشفت عن السراج, ونظرت فإذا منديل له قيمة, وفيه أنواع من الطعام وكاغد فيه خمسمائة درهم, فدعوت الزوجة وقلت: انبهي الصبيان حتى يأكلوا, ولما كان من الغد قضينا دينًا كان علينا من تلك الدراهم, وكان وقت مجيء الحاج من خراسان, فجلست على بابي من غد تلك الليلة وإذا جمال يقود جملين عليهما حملان ورقًا, وهو يسأل عن منزل إبراهيم الحربي فانتهى إليَّ, فقلت: أنا إبراهيم الحربي, فحط الحملين وقال: هذان الحملان أنفذهما لك رجل من أهل خراسان, فقلت: من هو؟ فقال: قد استحلفني أن لا أقول من هو.

* عن أبي حسان الزيادي قال: ضقت ضيقة بلغت فيها إلى الغاية حتى ألح علي القصاب والبقال والخباز وسائر المعاملين, ولم تبق لي حيلة فإني ليومًا على تلك الحال, وأنا مفكر في الحيلة إذ دخل عليَّ الغلام فقال: حاجي خراساني بالباب يستأذن, فقلت له: ائذن له, فدخل الخراساني فسلم وقال: ألست أبا حسان؟ قلت: نعم, فما حاجتك؟ قال: أنا رجل غريب وأريد الحج ومعي عشرة آلاف درهم, واحتجت إلى أن تكون قبلك إلى أن أقضي حجي وأرجع, فقلت: هاتها فأحضرها, وخرج بعد أن وزنها وختمها, فلما خرج فككت الخاتم على المكان, ثم أحضرت المعاملين فقضيت كل من كان له علي دين, واتسعت وأنفقت وقلت: أضمن هذا المال للخراساني إلى أن يجيء يكون قد أتى الله بفرج من عنده, فكنت يومي ذلك في سعة, وأنا لا أشك في خروج الخراساني, فلما أصبحت من غد ذلك اليوم دخل إليَّ الغلام فقال: الخراساني الحاجي بالباب يستأذن, فقلت: ائذن له, فدخل فقال: إني كنت عازمًا على ما أعلمتك, ثم ورد عليَّ الخبر بوفاة والدي, وقد عزمت على الرجوع إلى بلدي, فتأمر لي بالمال الذي أعطيتك أمس, فورد علي أمر لم يرد علي مثله قط, وتحيرت فلم أدر بما أجيبه, وفكرت فقلت: ماذا أقول للرجل؟ ثم قلت له: نعم عافاك الله منزلي هذا ليس بالحريز, ولما أخذت مالك وجهت به إلى من هو قبله, فتعود في غد لتأخذه, فانصرف, وبقيت متحيرًا لا أدري ما أعمل إن جحدته قدمني, واستحلفني, وكانت الفضيحة في الدنيا والآخرة, والهتك, وإن دافعته صاح وهتكني, وغلظ الأمر علي جدًا, وأدركني الليل, وفكرت في بكور الخراساني إليَّ فلم يأخذني النوم, ولا قدرت على الغمض, فقمت إلى الغلام, فقلت: اسرج البغلة, فقال: يا مولاي هذه العتمة بعد, وما مضى من الليل شيء فإلى أين تمضي؟ فرجعت إلى فراشي, فإذا النوم ممتنع, فلم أزل أقوم إلى الغلام, وهو يردني حتى فعلت ذلك ثلاث مرات, وأنا لا يأخذني القرار وطلع الفجر, وأسرج البغلة وركبت, وأنا لا أدري أين أتوجه, وطرحت عنان البغلة, وأقبلت أفكر وهي تسير حتى بلغت الجسر, فعدلت إليه فتركتها فعبرت, ثم قلت: إلى أين أعبر؟ وإلى أين أمضي؟ ولكن إن رجعت وجدت الخراساني على بابي أدعها تمضي حيث شاءت ومضت البغلة, فلما عبرت الجسر أخذت بي يمنة ناحية دار المأمون فتركتها إلى أن قاربت باب المأمون, والدنيا بعد مظلمة, فإذا فارس قد تلقاني فنظر في وجهي, ثم سار وتركني, ثم رجع إلي فقال: ألست بأبي حسان الزيادي؟ قلت: بلى. قال: أجب الأمير الحسن بن سهل, فقلت في نفسي: وما يريد الحسن بن سهل مني؟ فسرت معه حتى صرنا إلى بابه واستأذن لي عليه, فدخلت فقال: أبا حسان ما خبرك؟ وكيف حالك؟ ولِمَ انقطعت عنا؟ فقلت: لأسباب, وذهبت لأعتذر, فقال: دع هذا عنك, أنت في لوثة, أو في أمر فما هو؟ فإني رأيتك البارحة في النوم في تخليط كثير فابتدأت فشرحت له قصتي من أولها إلى أن لقيني صاحبه, ودخلت عليه فقال: لا يغمك الله يا أبا حسان قد فرج الله عنك هذه بدرة للخراساني في مكان بدرته, وبدرة أخرى لك تتسع بها, وإذا نفذت أعلمنا, فرجعت من مكاني, فقضيت الخراساني, واتسعت, وفرج الله وله الحمد.

* أودع أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشمي عشرة آلاف دينار ليتيم فضاقت يده وامتدت إليها فأنفقتها، فما بلغ الغلام مبلغ الرجال، أمر السلطان بفك الحجر عنه، وتسليم ماله إليه، وتقدم إلي بن أبي موسى بحمل المال ليُسلم إلى الغلام، قال بن أبي موسى: فلما تقدم إلي بذلك، ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، وتحيرت في أمري، لا أعلم من أي وجه أغرم المال، فبكرت من داري، وركبت بغلتي، وقصدت الكرخ لا أعلم أين أتوجه، فانتهت بي البغلة إلى درب السلولي، ووقفت بي على باب مسجد دعلج بن أحمد، فثنيت رجلي ودخلت المسجد وصليت خلفه صلاة الفجر، فما سلم انفتل إلىَّ، فرحب بي وقام وقمت معه، ودخل إلى داره، فلما جلسنا جاءته الجارية بمائدة لطيفة وعليها هريسة، فقال: يأكل الشريف فأكلت وأنا لا أحصل أمري، فلما رأى تقصيري، قال: أراك منقبضًا فما الخبر؟ فقصصت عليه القصة، وإني أنفقت المال. فقال: كُلْ، فإن حاجتك تُقضى ثم احضر حلواء فأكلنا، فلما رفع الطعام وغسلنا أيدينا، قال: يا جارية افتحي ذلك الباب فإذا خزانة مملوءة زبلا مجلدة، فاخرج إلي بعضها وفتحها إلى أن أخرج النقد الذي كانت الدنانير منه، واستدعى الغلام والتخت والطيار فوزن عشرة آلاف دينار وبدرها وقال: يأخذ الشريف هذه، فقلت: يثبتها الشيخ عليَّ، فقال: افعل، وقمت وقد كاد عقلي يطير فرحًا، فركبت بغلتي وتركت الكيس على القربوس وغطيته بطيلساني، وعدت إلى داري وانحدرت إلى دار السلطان بقلب قوي وجنان ثابت، فقلت: ما أظن إلا أنه قد استشعر في أنى قد أكلت مال اليتيم واستلذذت به والمال قد أخرجته، فأحضر قاضي القضاة والشهود والنقباء وولات العهود وأحضر الغلام وفك حجره وسلم المال إليه، وعظم الشكر لي، والثناء علي، فلما عدت إلى منزلي استدعاني أحد الأمراء من أولاد الخلافة وكان عظيم الحال فقال: قد رغبت في معاملتك وتضمينك أملاكي، ببادوريا ونهر الملك فضمنت ذلك بما تقرر بيني وبينه من المال وجاءت السنة ووفيته، وحصل في يدي من الربح ما له قدر كبير، وكان ضماني لهذه الضياع ثلاث سنين، فلما مضت حسبت حسابي، وقد تحصل في يدي ثلاثون ألف دينار، فعزلت عوض العشرة الآلاف دينار التي أخذتها من دعلج، وحملتها إليه، وصليت معه الغداة فلما انفتل من صلاته ورآني نهض معي إلى داره، وقدم المائدة والهريسة فأكلت بجأش ثابت وقلب طيب، فلما قضينا الأكل، قال لي: خبرك وحالك؟ فقلت له: بفضل الله وبفضلك قد أفدت بما فعلته معي ثلاثين ألف دينار، وهذه عشرة آلاف عوض الدنانير التي أخذتها منك، فقال: يا سبحان الله والله ما خرجت الدنانير عن يدي فنويت آخذ عوضها حل بها الصبيان، فقلت له: أيها الشيخ أيش أصل هذا المال حتى تهب لي عشرة آلاف دينار؟ فقال: نشأت وحفظت القرآن وسمعت الحديث وكنت أتزز فوافاني رجل من تجار البحر فقال لي: أنت دعلج بن أحمد فقلت: نعم، فقال: قد رغبت في تسليم مالي إليك لتتجر به فما سهل الله من فائدة كانت بيننا، وما كان جائحة كانت في أصل مالي وسلم إلى بارنامجات بألف ألف درهم، وقال: أبسط يدك ولا تعلم موضعا ينفق فيه هذا المتاع إلا حملته إليه، واستنبت فيه الكفاة ولم يزل يتردد إلى سنة بعد سنة يحمل إلى مثل هذا، والبضاعة تنمى فلما كان في آخر سنة اجتمعنا فيها قال لي: أنا كثير الأسفار في البحر فإن قضى الله علي بما قضاه على خلقه، فهذا المال لك على أن تتصدق منه وتبني المساجد وتفعل الخير فأنا أفعل مثل هذا، وقد ثمر الله المال في يدي فأسألك أن تطوي هذا الحديث أيام حياتي.

* عن جحظة قال: قال لي خالد الكاتب: أضقت حتى عدمت القوت أيامًا, فلما كان في بعض الأيام بين المغرب وعشاء الآخرة, فإذ بابي يدق فقلت: من هذا؟ فقال: من إذا خرجت إليه رأيته, فخرجت فرأيت رجلًا راكبًا على حمار عليه طيلسان أسود, وعلى رأسه قلنسوة طويلة, ومعه خادم فقال لي: أنت الذي تقول:

أقول للسقم عد إلى بدني…حبًا لشيء يكون من سببك

قال: قلت: نعم. قال: أحب أن تنزل لي عنه فقلت: وهل ينزل الرجل عن ولده؟ فتبسم ثم قال: يا غلام أعطه ما معك, فأومأ إلي بصرة في ديباجة سوداء مختومة, فقلت: إني لا أقبل عطاء من لا أعرفه, فمن أنت؟ فقال: أنا إبراهيم بن المهدي.

* عن علي بن الجهم قال: أصبحت ذات يوم وأنا في غاية الخلة والضيقة ما أهتدي إلى دينار ولا درهم, ولا أملك إلا دابة عجفاء وخادمًا خلقًا, فطلبت الخادم, فلم أجده, ثم جاء فقلت: أين كنت؟ فقال: كنت في احتيال شيء لك, وعلف لدابتك, فوالله ما قدرت عليه, فقلت: اسرج لي دابتي, فأسرجها وركبت, فلما صرت في سوق يحيى, فإذا أنا بموكب عظيم, وإذا الفضل بن يحيى بن خالد, فلما بصر قال: سر فسرنا قليل وحجر بيني وبينه غلام يحمل طبقًا على باب يصيح بجارية فوقف الفضل طويلًا, ثم قال: سر, ثم قال: أتدري ما وقوفي؟ قلت: إن رأيت أن تعلمني. قال: كانت لأختي جارية, وكنت أحبها حبًا شديدًا, وأستحي من أختي أن أطلبها منها, ففطنت أختي لذلك فلما كان في هذا اليوم لبستها وزينتها, وبعثت بها إليَّ, فما كان في عمري يوم هو أطيب عندي من يومي هذا, فلما كان في هذا الوقت جاءني رسول أمير المؤمنين فأزعجني, وقطع على لذتي, فلما صرت إلى هذا المكان دعى الغلام صاحب الطبق باسم تلك الجارية, فارتحت لندائه, ووقفت فقلت: أصابك ما أصب أخا بني عامر حيث يقول:

وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى…فهيج أحزان الفؤاد وما يدري

دعا باسم ليلى غيرها فكأنما…أطار بليلى طائرًا كان في صدري

فقال: اكتب لي هذين البيتين, فعدلت أطلب ورقة أكتب له البيتين فيها فلم أجد, فرهنت خاتمي عند بقال, وأخذت ورقة فكتبتها فيها, وأدركته بها فقال لي: ارجع إلى منزلك, فرجعت ونزلت فقال لي الخادم: أعطني خاتمك أرهنه على قوتك اليوم, فقلت: قد رهنته, فما أمسيت حتى بعث إلي بثلاثين ألف درهم جائزة, وعشرة آلاف درهم سلفًا لشهرين من رزق أجراه لي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت