* عن عيسى بن علي بن عيسى الوزير قال لنفسه:
رب ميت قد صار بالعلم حيًا…ومبقي قد حاز جهلًا وغيا
فاقتنوا العلم كي تنالوا خلودًا…لا تعدوا الحياة في الجهل شيا
* عن أبي عبد الرحمن مؤذن المأمون قال:
الناس في صور التمثال أكفاء…أبوهم آدم والأم حواء
فإن يكن منهم في أصله شرف…يفاخرون به فالطين والماء
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم…على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه…والجاهلون لأهل العلم أعداء
* عن أبي هفان قال: كان العتابي جالسًا ذات يوم ينظر في كتاب فمر به بعض جيرانه, فقال: أي شيء ينفع العلم والأدب من لا مال له فقال العتابي:
يا قاتل الله أقوامًا إذا ثقفوا…ذا اللب ينظر في الأداب والحكم
قالوا وليس بهم إلا نفاسته…أنافع ذا من الإقتار والعدم
وليس يدرون أن الحظ ما حرموا…لحاهم الله من علم ومن فهم
* عن مبارك بن سعيد قال: رأيت عاصم بن أبي النجود يجيء إلى سفيان يستفتيه, ويقول: يا سفيان أتيتنا صغيرًا, وأتيناك كبيرًا.
* عن أبي الربيع النخاس قال: تلقيت هارون أمير المؤمنين فسألني عن علية الهاشميين, ثم قال لي: ما فعل سيد الناس؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين, ومن سيد الناس عندك؟ - هكذا في الرواية والصواب: ومن سيد الناس غيرك؟ - قال: سيد الناس: سفيان بن عيينة.
* عن أبي إسحاق الحربي قال: كان هشيم رجلًا كان أبوه صاحب صحبنا يقال له: بشير، فطلب ابنه هشيم الحديث فاشتهاه, وكان أبوه يمنعه, فكتب الحديث حتى جالس أبا شيبة القاضي فكان يناظر أبا شيبة في الفقه, فمرض هشيم فقال أبو شيبة: ما فعل ذلك الفتى الذي كان يجيء إلينا؟ قالوا: عليل. قال: فقال: قوموا بنا حتى نعوده, فقام أهل المجلس جميعًا يعودونه حتى جاؤوا إلى منزل بشير, فدخلوا إلى هشيم, فجاء رجل إلى بشير ويده في الصحناة, فقال: الحق ابنك قد جاء القاضي إليه يعوده, فجاء بشير, والقاضي في داره, فلما خرج قال لابنه: يا بنى قد كنت أمنعك من طلب الحديث, فأما اليوم فلا, صار القاضي يجيء إلى بابي, متى أملت أنا هذا؟!
* كان المأمون قد وكل الفراء يلقن ابنيه النحو, فلما كان يومًا أراد الفراء أن ينهض إلى بعض حوائجه فابتدرا إلى نعل الفراء يقدمانه له فتنازعا أيهما يقدمه, ثم اصطلحا أن يقدم كل واحد منها فردا فقدمها, وكان المأمون له على كل شيء صاحب, فرفع ذلك إليه في الخبر فوجه إلى الفراء فاستدعاه, فلما دخل عليه قال له: من أعز الناس؟ قال: ما أعرف عز من أمير المؤمنين. قال: بلى, من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى رضى قال: كل واحد أن يقدم له فردا. قال: يا أمير المؤمنين لقد أردت منعهما عن ذلك, ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها, أو أكسر نفوسهما عن شريفة حرصا عليها, وقد يروى عن ابن عباس أنه أمسك للحسن والحسين ركابيهما حين خرجا من عنده, فقال له بعض من حضر: أتمسك لهذين الحدثين ركابيهما, وأنت أسن منهما؟ قال له: اسكت يا جاهل, لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل. قال له المأمون: لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لومًا وعتبًا, والزمتك ذنبًا, وما وضع ما فعلاه من شرفهما بل رفع من قدرهما, وبين عن جوهرهما, وقد ثبتت لي مخيلة الفراسة بفعلهما فليس يكبر الرجل, وإن كان كبيرًا عن ثلاث عن تواضعه لسلطانه ووالده ومعلمه العلم, وقد عوضتهما عما فعلاه عشرين ألف دينار, ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهما.
* عن الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال: لما قرأت كتاب الرسالة على الشافعي قال لي: من أي العرب أنت؟ فقلت: ما أنا بعربي, وما أنا إلا من قرية يقال لها الزعفرانية. قال لي: فأنت سيد هذه القرية.
* عن سفيان ابن عيينة قال: رأيت الأعمش لبس فروًا مقلوبًا وقباء يسيل خيوطه على رجليه, ثم قال: أرأيتم لولا أني تعلمت العلم من كان يأتيني, لو كنت بقالًا كان يقذرني الناس أن يشتروا مني.
* قال عيسى بن يونس: ما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش مع فقره وحاجته.
* قال الشرقي بن قطامي: دخلت على المنصور فقال: يا شرقي علام يؤتى المرء؟ فقلت: أصلح الله الخليفة على معروف قد سلف, ومثله مؤتنف, أو قديم شرف, أو علم مطرف.
* قال الصيمري: كان عند عبد الصمد جزء عن النجاد فأخذت من أبي بكر بن البقال نسخة, ومضيت أنا وأبو يعلى بن المأمون إليه, فسلمنا عليه, وسألناه أن يحضرنا في المسجد لنسمع الجزء منه, وسبقناه إلى المسجد فدخل وسلم وصلى ركعتين, ثم جاء فجلس بين أيدينا فقلت له: إنما حضرنا لنسمع منك فإن رأيت أن ترتفع إلى صدر المجلس, فقال: هذا ابن عم رسول الله, و أشار إلى ابن المأمون, وأنت رجل من أهل العلم, وما كنت لارتفع عليكما في المجلس.
* قال أبي عبيد: كنا مع محمد بن الحسن، إذا أقبل الرشيد فقام إليه الناس كلهم إلا محمد بن الحسن فإنه لم يقم، وكان الحسن بن زياد ثقيل القلب [ممتلئ البطن] على محمد بن الحسن، فقام محمد بن الحسن, فجزع أصحابه له فأدخل فأمهل, ثم خرج طيب النفس مسرورًا فقال قال لي: مالك لم تقم مع الناس؟ قلت: كرهت أن أخرج عن الطبقة التي جعلتني فيها، إنك أهلتني للعلم فكرهت أن أخرج منه إلى طبقة الخدمة التى هي خارجة منه، وإن ابن عمك - صلى الله عليه وسلم -. قال: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» وإنه إنما أراد بذلك العلماء، فمن قام بحق الخدمة وإعزاز المهلك فهو هيبة للعدو، ومن قعد اتبع السنة التي عنكم أخذت فهو زين لكم. قال: صدقت يا محمد, ثم قال: إن عمر بن الخطاب صالح بني تغلب على أن لا ينصروا أبنائهم، وقد نصروا أبنائهم وحلت بذلك دماؤهم فما ترى؟ قال: قلت: إن عمر أمرهم بذلك, وقد نصروا أبنائهم بعد عمر، واحتمل ذلك عثمان, وابن عمك, وكان من العلم مالا خفاء به عليك، وجرت بذلك السنن، فهذا صلح من الخلفاء بعده ولا شيء يلحقك في ذلك، وقد كشفت لك العلم ورأيك أعلا. قال: لكنا نجريه على ما أجروه إن شاء الله، إن الله أمر نبيه بالمشورة فكان يشاور في أمره، ثم يأتيه جبريل [عليه السلام] بتوفيق الله، ولكن عليك بالدعاء لمن ولاه الله أمرك ومر أصحابك بذلك، وقد أمرت لك بشيء تفرقه على أصحابك، فخرج له مال كثير ففرقه.
* عن أبي صالح بن محمد البغدادي قال: كان ببغداد شاعران أحدهما صاحب حديث, والآخر معتزلي, فاجتاز بي المعتزلي يومًا فقال لي: يا بنى كم تكتب؟ يذهب بصرك, ويحدودب ظهرك, وتزدار قبرك, ثم أخذ كتابي, وكتب عليه:
إن القراءة والتفقه…والتشاغل بالعلوم
أصل المذلة والإضاقة…والمهانة والهموم
قال: ثم ذهب وجاء الآخر, فقرأ هذين البيتين, فقال: كذب عدو نفسه بل يرتفع ذكرك, وينتشر علمك, ويبقى اسمك مع اسم رسول الله إلى يوم القيامة, ثم كتب هذين البيتين:
إن التشاغل بالدفاتر…والكتابة والدراسة
أصل التقية والتزهد…والرياسة والسياسة