* سئل أحمد بن عطاء عن الدنيا ما هي؟ فقال: همة دنية.
* عن شعيب بن حرب قال: من أراد الدنيا فليتهيأ للذل.
* عن الحسن البصري قال: ما أعطى الله أحدًا شيئًا من الدنيا إلا اختبارًا, ولا منعه إلا اختبارًا.
* عن ابن السماك قال: كتب رجل من مياسير أهل بغداد إلي يسألني أن أصف له الدنيا, فكتبت إليه: أما بعد فالله حفها بالشهوات, ثم ملأها بالآفات, ومزج حلالها بالمؤونات, ومزج حرامها بالتبعات, فحلالها حساب, وحرامها عذاب.
* عن أبي حازم قال: الدنيا شيئان شيء لي وشيء لغيري, فأما الذي لي فلو طلبته بحيلة السماوات والأرض لم أنله قبل أجله, وأما الذي لغيري فلم أرجه فيما مضى, ولن أرجوه فيما بقي, يمنع رزقي من غيري كما يمنع رزق غيري مني, ففي أي هذين أفني عمري.
* قال الأصمعي: أحسن الدنيا ثلاثة: نهر الأبلة، وغوطة دمشق، ومنتزه سمرقند, و قال: حشوش الدنيا ثلاثة: عمان، وأردبيل، وهيت.
* عن أبي الدرداء وكان من العلماء الحكماء الذين يشفون الداء قال: يا أهل دمشق اسمعوا قول أخ لكم ناصح، مالي أراكم تجمعون فلا تأكلون كثيرًا، وتبنون فلا تسكنون, وتأملون فلا تدركون, إن من كان قبلكم جمعوا كثيرًا, وبنوا شديدًا, وأملوا بعيدًا, فأصبح ما جمعوا بورًا, وما أملوه غرورًا, وأصبحت مساكنهم قبورًا.
* عن الحسن بن ربيع قال: عاتبت بشر بن الحارث في مقامه ببغداد, فقال: إني لأمشي فيها, وكأني أمشي في النار.
* بعث هارون أمير المؤمنين إلى محمد بن السماك في آخر شعبان فأحضره فقال له يحيى بن خالد: أتدري لم بعث إليك أمير المؤمنين؟ قال: لا أدري, قال له يحيى بن خالد: بعث لما بلغه عنك من حسن دعائك للخاصة والعامة, فقال له ابن السماك: أما ما بلغ أمير المؤمنين عني من ذلك, فبستر الله الذي ستره عليَّ, ولولا ستره لم يبق لن ثناء ولا التقاء على مودة, فالستر هو الذي أجلسني بين يديك يا أمير المؤمنين إني والله ما رأيت وجهًا أحسن من وجهك فلا تحرق وجهك بالنار. قال: فبكى هارون بكاء شديدًا, ثم دعا بماء, فاستسقى, فأتي بقدح فيه ماء, فقال: يا أمير المؤمنين أكلمك بكلمة قبل أن تشرب هذا الماء, قال: قل ما أحببت قال: يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها أكنت تفتديها بالدنيا, وما فيها حتى تصل إليك؟ فقال: نعم. قال: فاشرب ريًا بارك الله فيك, فلما فرغ من شربه, قال له: يا أمير المؤمنين أرأيت لو منعت إخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا وما فيها أكنت تفتدي ذلك بالدنيا, وما فيها؟ قال: نعم, قال: يا أمير المؤمنين فما تصنع بشيء شربة ماء خير منه؟! قال: فبكى هارون واشتد بكاؤه, قال: فقال يحيى بن خالد: يا بن السماك قد آذيت أمير المؤمنين فقال له: وأنت يا يحيى فلا يغرنك رفاهية العيش ولينه.
* وقف رجل صوفي على إبراهيم بن أدهم فقال: يا أبا إسحاق لِمَ حُجبت القلوب عن الله عز وجل؟ قال: لأنها أحبت ما أبغض الله: أحبت الدنيا, ومالت إلى دار الغرور, واللهو, واللعب, وترك العمل لدار فيها حياة الأبد في نعيم لا يزول, ولا ينفذ، خالد مخلد في ملك سرمد, لا نفاد له, ولا انقطاع.
* قال الحسن بن جهور: مررت مع علي بن أبي هاشم الكوفي بالخلد والقرار فنظر إلى تلك الآثار فوقف متأملا وقال:
بنوا وقالوا لا نموت *** وللخراب بني المبني
ما عاقل فيما رأيت *** إلى الحياة بمطمئن
* عن عتبة بن غزوان السلمي قال: إن الدنيا قد تولت حذاء وآذنت بصرم, ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء, وأنتم منتقلون إلى دار غيرها, فانتقلوا بخير ما بحضرتكم, فقد بلغني أن الحجر يرمى به في جهنم, فيهوي فيها سبعين خريفًا, وأن ما بين مصراعي الجنة لأربعين عامًا, وليأتين عليه يوم, وهو كظيظ الزحام, ولقد رأيتني مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابع سبعة قد قرحت أشداقنا من أكل ورق الشجر حتى وجدت بردة فاقتسمتها بيني وبين سعد, وما منا اليوم إلا أمير على مصر, وإنها لم تكن نبوة إلا تناسخت حتى تكون ملكًا, فأعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا, وعند الله صغيرًا, وستجربون الأمراء بعدي.
* عن أبي يحيى الشعراني قال: ما رأيت بيد إسحاق كتابًا قط, وما كان يحدث إلا حفظًا, وقال: كنت إذا ذاكرت إسحاق العلم, وجدته فيه فردًا, فإذا جئت إلى أمر الدنيا رأيته لا رأي له.
* عن سفيان الثوري قال: كثرة العيال شؤم, فمن تهيأ لطلب الدنيا, فليتهيأ للذل.
* كان علي بن أبي طالب في مسجد الكوفة, فسمع رجلًا يشتم الدنيا ويفحش في شتمها. قال له علي: اجلس, فجلس, فقال له: مالي أسمعك تشتم الدنيا, وتفحش في شتمها؟ أوليس هو الليل والنهار, والشمس والقمر سامعين مطيعين؟ فأنشأ علي يقول: إن الدنيا لمنزل صدق لمن صدقها, ودار بلاء لمن فهم عنها, وعافية لمن تزود منها, منزل أحباء الله, ومهبط وحيه, ومصلى ملائكته, ومتجر أوليائه, اكتسبوا الجنة, وربحوا فيها المغفرة, فذمها أقوام غداة الندامة, وحمدها آخرون، ذكرتهم فذكروا, وحدثتهم فصدقوا, فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها, ونادت بانقطاعها، راحت بفجيعة, وأسكرت بعاقبة، تخويف وترهيب, يا أيها الذام الدنيا، المقبل بتغريرها متى استدنت إليك، أم متى غرتك؟ أبمضاجع آبائك من الثرى؟ أو بمنازل أمهاتك من البلى؟ أم ببواكر الصريخ من إخوانك؟ أم بطوارق النعي من أحبابك؟ هل رأيت إلا ناعيًا منعيًا؟ أو رأيت إلا وارثًا موروثًا, كم عللت بيديك؟ أم كم مرضت بكفيك؟ تبتغي له الشفاء, وتستوصف الأطباء لم ينفعه بشفاعتك, ولم تنجح له بطلبتك. بل مثلت لك به الدنيا نفسك, وبمضجعه مضجعك، غداة لا يغني عنك بكاؤك, ولا ينفعك أحباؤك, فهيهات أي مواعظ الدنيا لو نصت لها, وأي دار لو فهمت عنها, وأي عافية لو تزودت منها, انصرف إذا شئت.
(7/ 287 ـ 288)
* عن الحارث المحاسبي قال: ترك الدنيا مع ذكرها صفة الزاهدين, وتركها مع نسيانها صفة العارفين.
* عن سري السقطي أنه مرت به جارية معها إناء فيه شيء, فسقط من يدها فانكسر، فأخذ سري شيئًا من دكانه, فدفعه إليها بدل ذلك الإناء, فنظر إليه معروف الكرخي, فأعجبه ما صنع فقال له معروف: بغض الله إليك الدنيا.
* عن محمد بن إبراهيم الفقيه السمرقندي قال: كنت عند أحمد بن حنبل, فذكر عبد الله بن عبد الرحمن - الدارمي - فقال: هو ذاك السيد, ثم قال أحمد: عرض عليّ الكفر, فلم أقبل, وعرض عليه الدنيا فلم يقبل.
* عن أيوب بن المتوكل القاري قال: كان إذا أردنا أن ننظر إلى الدين والدنيا ذهبنا إلى دار عبد الرحمن بن مهدي.
* عن أبي سليمان - عبد الرحمن الداراني - قال: لا يفلح قلب رجل معلق بجمع القراريط والدوانيق. يا أحمد - أي ابن أبي الحواري - حتى متى تكون وصافًا أما تحب أن توصف.
* عن أبي عمرو بن نجيد قال: ما دخل خراسان أحد فبقي على بكارته لم يتدنس بشيء من الدنيا إلا أبو مسلم البغدادي.
* عن الفضيل بن عياض قال: إذا أحب الله عبدًا أكثر غمه, وإذا أبغض عبدًا أوسع عليه دنياه.
* عن الحسن قال: ذهبت الدنيا بحال مالها, وبقيت الأعمال قلائد في أعناق القوم.
* عن أبي حفص قال: الكرم طرح الدنيا لمن يحتاج إليها, والإقبال على الله لاحتياجك إليه.
* عن يوسف بن أحمد الصيدناني قال: سمعت محمد بن إسماعيل الصائغ يقول: سألني همّام شراء هاون, فأتيته بهاون, فجعل يقرأ عليّ فأقول له: زدني, فيقول: أذلني الهاون أذلني الهاون.
* عن أبي العباس بن حمكويه الرازي قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: اترك الدنيا قبل أن تتركك، واسترض ربك قبل ملاقاته، واعمر بيتك الذي تسكنه قبل انتقالك إليه - يعني القبر.
* عن أيوب بن محمد الزاهد قال: الدنيا معبر فاتخذوها معتبرًا.
* عن أبي الحسن بن أبي الورد قال: من لم يتخط عقله الدنيا، خيفت الدنيا على عقله.
* قال يحيى بن معاذ: كل مريد لم يحول نفسه عن لذاذة الدنيا فقد صار ضحكة للشيطان, وعجبت من قوم باعوا ربهم بشهوات أنفسهم, ورفضوا آخرتهم بدنياهم, وطرحوا دينهم, ورفعوا طينهم, كلاب الأماني كأنهم لا يؤمنون بيوم الحساب.
* عن الشبلي قال: كنت باليمن, وكان باب دار الأمير رحبة عظيمة, وفيها خلق كثير قيام ينظرون إلى منظره, فإذا قد ظهر من المنظرة شخص أخرج يده كالمسلم عليهم, فسجدوا كلهم, فلما كان بعد سنين كنت بالشام, وإذا تلك اليد قد اشترت لحمًا بدرهم, وحملته فقلت له: أنت ذلك الرجل؟ قال: نعم من رأى ذاك ورأى هذا يغتر بالدنيا.
* عن أبي هاشم الزاهد قال: إن وسم الدنيا بالوحشة ليكون أنس المريدين به دونها, وليقبل المطيعون إليه بالأعراض عنها, فأهل المعرفة بالله فيها مستوحشون, وإلى الآخرة مشتاقون.
* قال سهل بن مزاحم: بذلت الدنيا لأبي حنيفة فلم يردها، وضرب عليها بالسياط فلم يقبلها.