* كان سمنون في هيجانه يشطح وينشد:
ضاعف علي بجهدك البلوى…وأبلغ بجهدي غاية الشكوى
واجهد وبالغ في مهاجرتي…واجهر بها في السر والنجوى
فإذا بلغت الجهد في فلم…تترك لنفسك غاية القصوى
فانظر فهل حال بي انتقلت…عما تحب بحالة أخرى
قال: فعوقب على ذلك بقطر البول, فرأى في منامه كأنه يشكو حاله إلى بعض المتقدمين الصالحين, فقال له: عليك بدعاء الكتاتيب, فكان بعد ذلك يطوف على الكتاتيب, وبيده قارورة يقطر فيها بوله, ويقول للصبيان: ادعوا لعمكم المبتلى بلسانه.
* عن عبد الملك بن مروان أنه دخل على معاوية, وعنده عمرو بن العاص, فسلم وجلس, ثم لم يلبث أن نهض, فقال معاوية: ما أكمل مروءة هذا الفتى! فقال عمرو: يا أمير المؤمنين إنه أخذ بأخلاق أربعة, وترك أخلاق ثلاثة, إنه أخذ بأحسن البشر إذا لقي, وبأحسن الحديث إذا حدث, وبأحسن الاستماع إذا حُدث, وبأيسر المؤونة إذا خولف, وترك مزاح من لا يوثق بعقله, ولا دينه, وترك مجالسة لئام الناس, وترك من الكلام كل ما يعتذر منه.
* عن بكر بن شاذان وأبي الفضل التميمي أنه جرى بينهما كلام, فبدرت من أبي الفضل كلمة ثقلت على بكر وانصرف, ثم ندم التميمي فقصد أبا بكر بن يوسف وقال له: قد كلمت بكرًا بشيء جفا عليه وندمت على ذلك, وأريد أن تجمع بيني وبينه, فقال له ابن يوسف: سوف نخرج لصلاة العصر فخرج بكر وجاء إلى ابن يوسف والتميمي عنده فقال له: التميمي أسألك بالله أن تجعلني في حل, فقال بكر: سبحان الله والله ما فارقتك حتى أحللتك, وانصرف فقال التميمي: قال لي والدي: يا عبد الواحد احذر من أن تخاصم من إذا نمت كان منتبهًا.
* عن إسحاق بن إبراهيم القاضي قال: جاء أبو زراره فجاء يومًا فاستقبله الأمير، فقالوا: تنح عن الطريق فقال: الطريق بين المسلمين، فسمع بذلك الأمير فقال: من هذا؟ فقالوا: رجل من أوساط الناس فأمر أن يضرب خمسمائة سوط، ويقطع لسانه وكان من موالي خزاعة، فقاموا إليه حتى خلصوه، فقال أبو زرارة:
لسان المرء يكره ماضغيه…إذا يهفو ويرجم بالحجارة
فلا تتعرضن لشتم والٍ…أما لك عبرة بأبي زرارة
* عن محمد بن يزيد قال: كنا عند خطاب نعوده فدخل إليه بدر بن أبي بدر يعوده، فلما خرج قال: تعرفون بدرًا قلنا: نعم. نعرفه قال: كان أحمد بن حنبل يتعجب منه ويقول: من مثل بدر؟ بدر قد ملك لسانه.
* عن حاتم الأصم قال: لو أن صاحب خبر جلس إليك ليكتب كلامك لاحترزت منه وكلامك يعرض على الله فلا تحترز.
* عن سعدون الرازي قال: كنت مع حاتم الخراساني فكان يتكلم، فقل كلامه، فقيل له في ذلك، قد كنت تتكلم فتنفع الناس، فقال: إني لا أحب أن أتكلم كلمة قبل أن أستعد جوابها لله، فإذا قال لي يوم القيامة: لِمً قلت كذا؟ قلت: يا رب لكذا.
* عن المهلب بن أبي صفرة قال: يعجبني من الرجل الكريم خصلتان: يعجبني أن أرى عقل الرجل الكريم زائدًا على لسانه ولا يعجبني أن أرى لسانه زائدًا على عقله.
* قال الخطيب البغدادي: اتهمه ـ أي صالح بن عبد القدوس أبو الفضل البصري ـ المهدي أمير المؤمنين بالزندقة فأمر بحمله إليه وأحضره بين يديه، فلما خاطبه أعجب بغزارة أدبه وعلمه وبراعته وحسن بيانه، وكثرة حكمته فأمر بتخلية سبيله، فلما ولى رده وقال له: ألست القائل؟
والشيخ لا يترك أخلاقه…حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهله…كذي الضنى عاد إلى نكثه
قال: بلى، يا أمير المؤمنين. قال: فأنت لا تترك أخلاقك ونحن نحكم فيك بحكمك في نفسك، ثم أمر به فقتل وصلب على الجسر، ويقال: إن المهدي أبلغ عنه أبيات يعرّض فيها بالنبي فأحضره المهدي، وقال له: أنت القائل هذه الأبيات؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، والله ما أشركت بالله طرفة عين، فاتق الله ولا تسفك دمي على الشبهة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ادرؤا الحدود بالشبهات» وجعل يتلو عليه القرآن حتى رق له وأمر بتخليته فلما ولى قال: أنشدني قصيدتك السينية فأنشده حتى بلغ البيت: أوله، [والشيخ لا يترك أخلاقه]
فأمر به حينئذ فقتل.
* عن الزبير بن بكار قال: صرت إلى أبي عبد الله المعتز بالله وهو أمير, فلما علم بمكاني خرج مستعجلًا فعثر, فأنشأ يقول:
يموت الفتى من عثرة بلسانه…وليس يموت المرء من عثرة الرجل
* عن أبي سعيد الجنديسابوري قال: سمعت الجاحظ يصف اللسان، قال: هو أداة يظهر بها البيان، وشاهد يعبر عن الضمير وحاكم يفصل الخطاب، وناطق يرد به الجواب وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعز يرد الأحزان، ومعتذر يدفع الضغينة، ومله يونق الأسماع؛ وزارع يحرث المودة، وحاصد يستأصل العداوة، وشاكر يستوجب المزيد، ومادح يستحق الزلفة، ومؤنس يذهب بالوحشة.