فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 593

الموت والخلفاء و الأمراء:

* عن العاذي قال: أمر المهدي بالنداء بالرصافة إن الصلاة جامعة، وخطب فنعى المنصور، وقال: إن أمير المؤمنين عبد دعي فأجاب، وأمر فأطاع، وأغرورقت عيناه، فقال: إن رسول الله قد بكى عند فراق الأحبة، ولقد فارقت عظيمًا، وقلدت جسيمًا، وعند الله أحتسب أمير المؤمنين، وبه أستعين على خلافة المسلمين.

* عن علي بن يحيى المنجم قال: لما أن استتم المعتصم عدة غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفًا, وعلق له خمسون ألف مخلاة على فرس, وبرذون, وبغل، وذلل العدو بكل النواحي, أتته المنية على غفلة فقيل: إنه قال في حماه التي مات فيها:) حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ( [الأنعام: من الآية44] .

* عن الربيع قال: بينا أنا مع أبي جعفر المنصور في طريق مكة، تبرز فنزل يقضي حاجة، فإذا الريح قد ألقت إليه رقعة فيها مكتوب:

أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت…سنوك وأمر الله لا بد واقع

قال: فناداني يا ربيع، تنعى إلي نفسي في رقعة، فقلت: لا والله ما أعرف رقعة، ولا أدري ما هي؟ قال: فما رجع من وجهه حتى مات بمكة.

* عن الربيع قال: حججت مع المنصور أبي جعفر فلما كنا بالقادسية قال لي: يا ربيع، إني مقيم بهذا المنزل ثلاثًا فناد في الناس فناديت فلما كان الغد قال لي يا ربيع أجمت المنزل فناد بالرحيل فقلت ناديت أمس أنك مقيم بهذا المنزل ثلاثًا، وترحل الساعة، قال: أجمت المنزل؟ فرحل ورحل الناس، وقربت له ناقة ليركب، وجاؤوه بمجمر يتبخر فقمت بين يديه، فقال: ما عندك؟ فقلت: رحل الناس، فأخذ فحمة من المجمر فبلها بريقه، وقام إلى الحائط فجعل يكتب على الحائط بريقه حتى كتب أربعة أسطر، ثم قال: اركب يا ربيع، فكان في نفسي هم. لا أعلم ما كتب! ثم حججنا فكان من أمر وفاته ما كان، ثم رجعت من مكة فبسط لي في الموضع الذي بسط له فيه بالقادسية، فدخلت وفي نفسي أن أعلم ما كتب على الحائط فإذا هو قد كتب على الحائط:

المرء يأمل أن يعيش ... وطول عمر قد يضره

تبلى بشاشته ويبقى ... بعد حلو العيش مره

وتخونه الأيام حتى ... لا يرى شيئا يسره

كم شامت بي إن هلكت ... وقائل لله دره

* عن أبي أحمد بن محمد أمير البصرة، قال: حدثني أبي قال: كنت أحد من مرّض الواثق في علته التي مات فيها، فكنت قائمًا بين يدي الواثق أنا وجماعة من الأولياء، والموالي، والخدم، إذ لحقته غشية فما شككنا أنه قد مات، بعضنا لبعض تقدموا فاعرفوا خبره، فما جسر أحد منهم يتقدم. فتقدمت أنا، فلما صرت عند رأسه وأردت أن أضع يدي على أنفه أعتبر نفسه، لحقته أفاقه ففتح عينيه فكدت أن أموت فزعًا من أن يراني قد مشيت في مجلسه إلى غير رتبتي، فتراجعت إلى خلف وتعلقت قبيعة سيفي بعتبة المجلس وعثرت به، فاتكا عليه فاندق سيفي، وكاد أن يدخل في لحمي ويجرحني، فسلمت وخرجت فاستدعيت سيفًا ومنطقة أخرى فلبستها، وجئت حتى وقفت مرتبي ساعة، فتلف الواثق تلفًا لم يشك جماعتنا فيه، فتقدمت فشددت لحييه وغمضته وسجيته، ووجهته إلى القبلة وجاء الفراشون فأخذوا ما تحته في المجلس ليردوه إلى الخزائن، لأن جميعه مثبت عليهم. وترك وحده في البيت، وقال لي ابن أبي داؤد القاضي: إنا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة ولا بد أن يكون أحدنا يحفظ الميت إلى أن يدفن، فأحب أن تكون أنت ذلك الرجل، وقد كنت من أخصهم به في حياته، وذلك أنه اصطنعني واختصني حتى لقبني الواثقي باسمه، فحزنت عليه حزنًا شديدًا. فقلت: دعوني وامضوا، فرددت باب المجلس وجلست في الصحن عند الباب احفظه، وكان المجلس في بستان عظيم، أجربه وهو بين بستانين، فحسست بعد ساعة في البيت بحركة أفزعتني فدخلت أنظر ما هي؟ فإذا بجرذون من دواب البستان قد جاء حتى استل عين الواثق فأكلها، فقلت: لا إله إلا الله، العين التي فتحها منذ ساعة، فاندق سيقي هيبة لها، صارت طعمة لدابة ضعيفة. قال: وجاءوا فغسلوه بعد ساعة فسألني ابن أبي داؤد عن سبب عينه، فأخبرته. قال: والجرذون دابة أكبر من اليربوع قليلًا.

* عن زرقان بن أبي داود قال: لما احتضر الواثق جعل يردد هذين البيتين:

الموت فيه جميع الخلق مشترك ما ضر أهل قليل في تنافرهم….

لا سوقة بينهم يبقى ولا ملك…وليس يغني عن الأملاك ماملكوا….

ثم مر بالبسط فطويت وألصق خده بالأرض وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه.

* عن عكرمة بن خالد: أنه دخل على نافع بن أبي علقمة الكناني وهو أمير مكة يعوده, فرآه ثقيلًا فقال له: اتق الله وأكثر ذكره, فولى بوجهه إلى الجدار, فلبث ساعة ثم اقبل علي فقال: يا أبا خالد ما أنكر ما تقول, فلوددت أني كنت عبدًا مملوكًا لبني فلان من كنانة أشقى أهل بيت من كنانة, وأني لم ألِ من هذا العمل شيئًا قط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت