* عن قتيبة بن سعيد قال: لما احترقت كتب ابن لهيعة بعث إليه الليث بن سعد كاغدًا بألف دينار.
* عن عبد الله بن المبارك قال: قدمت الشام على الأوزاعي فرأيته ببيروت فقال لي: يا خراساني من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة يكنى أبا حنيفة؟ فرجعت إلى بيتي فأقبلت على كتب أبي حنيفة فأخرجت منها مسائل من جياد المسائل وبقيت في ذلك ثلاثة أيام, فجئت يوم الثالث وهو مؤذن مسجدهم وإمامهم, والكتاب في يدي فقال: أي شيء هذا الكتاب؟ فناولته فنظر في مسألة منها وقعت عليها قال النعمان: فما زال قائمًا بعد ما أذن حتى قرأ صدرًا من الكتاب, ثم وضع الكتاب في كمه, ثم أقام وصلى, ثم أخرج الكتاب حتى أتى عليها فقال لي: يا خراساني من النعمان بن ثابت هذا؟ قلت: شيخ لقيته بالعراق فقال: هذا نبيل من المشايخ اذهب فاستكثر منه. قلت: هذا أبو حنيفة الذي نهيت عنه.
* عن هارون بن عبد الله الحمال قال: جاءني أحمد بن حنبل بالليل فدق الباب عليَّ, فقلت: من هذا؟ فقال: أنا أحمد, فبادرت أن خرجت إليه فمساني ومسيته. قلت: حاجة يا أبا عبد الله؟ قال: شغلت اليوم قلبي. قلت: بماذا يا أبا عبد الله؟ قال: جزت عليك اليوم, وأنت قاعد تحدث الناس في الفيء, والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر, لا تفعل مرة أخرى إذا قعدت, فاقعد مع الناس.
* عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: كان يحيى بن سعيد يجالس ربيعة بن أبي عبد الرحمن, فإذا غاب ربيعة حدثهم يحيى أحسن الحديث, وكان يحيى بن سعيد كثير الحديث, فإذا حضر ربيعة كف يحيى إجلالًا لربيعة, وليس ربيعة بأسن منه, وهو فيما هو فيه, وكان كل واحد منهما مجلًا لصاحبه.
* قال محمد بن عمر الجعابي الحافظ: قصدت عبدان الأهوازي فقصدت مسجده، فرأيت شيخًا وحده قاعدًا في المسجد ربعًا حسن الشيبة، عليه كساء بر كان حسن، فذاكرني بأكثر من مائتي حديث في الأبواب، وكنت قد سلبت في الطريق فأعطاني الذي كان عليه، فلما دخل عبدان المسجد ورآه اعتنقه وبش به، فقلت لهم: من هذا الشيخ؟ قالوا: هذا أبو علي الروذباري، ثم كان له معاودة في الحديث، فرأيت من حفظه للحديث ما تعجبت.
* عن أبي بكر الأعين قال: أتيت آدم العسقلاني فقلت له: عبد الله بن صالح كاتب الليث يقرئك السلام, قال: لا تقرئه مني السلام, فقلت له: لِمَ؟ قال: لأنه قال: القرآن مخلوق, قال فأخبرته بعذره, وأنه أظهر الندامة, وأخبر الناس بالرجوع, قال: فأقرئه السلام, فقلت له بعد: إني أريد أن أخرج إلى بغداد فلك حاجة؟ قال: نعم إذا أتيت بغداد فائت أحمد بن حنبل, فأقرئه مني السلام, وقل له: يا هذا اتق الله, وتقرب إلى الله بما أنت فيه, ولا يستفزنك أحد, فإنك إن شاء الله مشرف على الجنة, وقل له: حدثنا الليث بن سعد عن محمد بن عجلان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من أرادكم على معصية الله فلا تطيعوه» فأتيت أحمد بن حنبل في السجن, فدخلت عليه, فسلمت عليه, و أقرأته السلام, وقلت له هذا الكلام, والحديث, فاطرق أحمد إطراقة, ثم رفع رأسه, فقال: حيًا وميتًا, فلقد أحسن النصيحة.
* عن أبي الحسن الدار قطني قال: كتبت ببغداد من أحاديث السوداني أحاديث تفرد بها, ثم مضيت إلى الكوفة لأسمع منه فجئت إليه, وعنده أبو العباس بن عقدة, فدفعت إليه الأحاديث في ورقة فنظر فيها أبو العباس, ثم رمى بها, واستنكرها وأبى أن يقرأها, وقال: هؤلاء البغداديين يجيئونا بما لا نعرفه. قال أبو الحسن: ثم قرأ أبو العباس عليه, فمضى في جملة ما قرأه حديث منها, فقلت له: هذا الحديث من جملة الأحاديث, ثم مضى آخر فقلت: وهذا أيضًا من جملتها, ثم مضى ثالث فقلت: وهذا أيضًا منها, وانصرف, وانقطعت عن العود إلى المجلس لحمى نالتني, فبينما أنا في الموضع الذي كنت نزلته إذا أنا بداق يدق على الباب, فقلت: من هذا؟ فقال: ابن سعيد, فخرجت وإذا بأبي العباس فوقعت في صدره أقبله, وقلت: يا سيدي لم تجشمت المجيء؟ فقال: ما عرفناك إلا بعد انصرافك, وجعل يعتذر إليَّ, ثم قال: ما الذي أخرك عن الحضور؟ فذكرت له أني حممت, فقال: تحضر المجلس لتقرأ ما أحببت, فكنت بعد إذا حضرت أكرمني, ورفعني في المجلس.
* عن أبي عثمان المازني قال: كنا عند أبي زيد فجاء الأصمعي فأكب على رأسه, وجلس وقال: هذا عالمنا, ومعلمنا منذ ثلاثون سنة, فنحن كذلك إذ جاء خلف الأحمر, فأكب على رأسه, وجلس, و قال: هذا عالمنا, ومعلمنا منذ عشر سنين.
* عن أبي محمد عبدان بن أحمد بن الخطيب قال: اجتاز أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي بنهر طابق على باب المسجد. قال: فسمع صوت مستمل, فقال: من هذا؟ فقالوا: ابن صاعد. فقال: ذاك الصبي, قالوا: نعم. قال: والله لا أبرح من موضعي حتى أملي هاهنا. قال: فصعد الدكة, وجلس ورآه أصحاب الحديث فقاموا, وتركوا ابن صاعد.
* عن صالح أحمد بن حنبل قال: مشى أبي مع بغلة الشافعي، فبعث إليه يحي بن معين فقال له: يا أبا عبد الله! أما رضيت إلا أن تمشي مع بغلته؟ فقال: يا أبا زكريا لو مشيت من الجانب الآخر كان أنفع لك.
* قال الحمدوني: أن إسماعيل القاضي ببغداد كان يحب الاجتماع مع إبراهيم الحربي، فقيل لإبراهيم لو لقيته, فقال: ما أقصد من له حاجب, فقيل ذلك لإسماعيل، فنحى الحاجب عن بابه أيامًا, فذكر ذلك لإبراهيم فقصده فلما دخل تلقاه أبو عمر محمد بن يوسف القاضي, وكان بين يدي إسماعيل قائمًا، فلما نزع إبراهيم نعله أمر أبو عمر بن يوسف القاضي وكان بين يدي إسماعيل قائمًا، فلما نزع إبراهيم نعله أمر أبو عمر غلامًا له أن يرفع نعل إبراهيم في منديل معه، فلما طال المجلس بين إبراهيم وإسماعيل, وجرى بينهما من العلم ما تعجب منه الحاضرون, وأراد إبراهيم القيام, نفذ أبو عمر إلى الغلام أن يضع نعله بين يديه من حيث رآها إبراهيم ملفوفة في المنديل، فقال ـ إبراهيم ـ لأبي عمر: رفع الله قدرك في الدنيا والآخرة. فقيل: أدركتني دعوة الرجل الصالح إبراهيم فغفر لي.
* عن محمد بن قريش بن سليمان بن قريش المرورذي قال: دخلت على موسى بن هارون الحمال منصرفي من مجلس الكديمي فقال لي: ما الذي حدثكم الكديمي اليوم؟ فقلت حدثنا عن شاصوية بن عبيد اليمامي بحديث وذكرته له، وهو حديث مبارك اليمامة فقال موسى بن هارون: أشهد أنه حدث عمن لم يخلق بعد, فنقل الكلام إلى الكديمي، فلما كان من الغد خرج فجلس على الكرسي وقال: بلغني أن هذا الشيخ ـ يعني موسى بن هارون ـ تكلم فيّ و نسبني إلى أن حدثت عمن لم يخلق، وقد عقدت بيني وبينه عقدة لا نحلها إلا بين يدي الملك الجبار.
* عن علي بن المدني قال: قدمت الكوفة فعنيت بحديث الأعمش فجمعته, فلما قدمت البصرة لقيت عبد الرحمن فسلمت عليه, فقال: هات يا علي ما عندك, فقلت: ما أحد يفيدني عن الأعمش شيئًا. قال: فغضب, فقال: هذا كلام أهل العلم, ومن يضبط العلم, ومن يحيط به, مثلك يتكلم بهذا أمعك شيء يكتب فيه؟ قلت: نعم. قال: اكتب. قلت: ذاكرني فلعله عندي. قال: اكتب لست أملي عليك إلا ما ليس عندك. قال: فأملى علي ثلاثين حديثًا لم أسمع منها حديثًا, ثم قال: لا تعد. قلت: لا أعود. قال علي: فلما كان بعد سنة جاء سليمان إلى الباب فقال: امض بنا إلى عبد الرحمن أفضحه اليوم في المناسك. قال علي: وكان سليمان من أعلم أصحابنا بالحج. قال: فذهبنا فدخلنا عليه فسلمنا, وجلسنا بين يديه فقال: هاتاه ما عندكما, وأظنك يا سليمان صاحب الخطبة. قال: نعم. ما أحد يفيدنا في الحج شيئًا فأقبل عليه بمثل ما أقبل علي, ثم قال: يا سليمان ما تقول في رجل قضى المناسك كلها إلا الطواف بالبيت, فوقع على أهله, فاندفع سليمان فروى يتفرقان حيث اجتمعا, ويجتمعان حيث تفرقا. قال: ارو, ومتى يجتمعان؟ ومتى يفترقان؟ قال: فسكت سليمان, فقال: اكتب وأقبل يلقي عليه المسائل, ويملي عليه حتى كتبنا ثلاثين مسألة في كل مسألة يروي الحديث والحديثين, ويقول: سألت مالكًا, وسألت سفيان, وعبيد الله بن الحسن. قال: فلما قمت قال: لا تعد ثانيًا تقول مثلما قلت, فقمنا وخرجنا. قال: فأقبل علي سليمان فقال: إيش خرج علينا من صلب مهدي هذا, كأنه كان قاعدًا معهم, سمعت مالكًا وسفيان, وعبيد الله.
* قال محمد بن إسماعيل البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني وربما كنت أغرب عليه.
* قال فتح بن نوح النيسابوري: أتيت على بن المديني فرأيت محمد بن إسماعيل جالسًا عن يمنيه وكان إذا حدث التفت إليه كأنه يهابه
* عن محمد بن إسماعيل البخاري قال: دخلت بغداد آخر ثمان مرات كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل! فقال لي في آخر ما ودعته: يا أبا عبد الله تترك العلم والناس, وتصير إلى خراسان؟ قال أبو عبد الله: فأنا الآن أذكر قوله.
* قال يونس بن عبدالأعلى: أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان، ودعا لهما وقال: بقاؤهما صلاح للمسلمين.
* عن عمر بن حفص الأشقر قال: لما قدم رجاء بن مرجي المروزي الحافظ بخارى يريد الخروج إلى الشاش نزل الرباط, وصار إليه مشايخنا, وصرت فيمن صار إليه, فسألني عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل, فأخبرته بسلامته, وقلت له: لعله يجيئك الساعة، فأملى علينا, وانقضى المجلس, ولم يجيء أبو عبد الله, فلما كان اليوم الثاني لم يجئه, فلما كان اليوم الثالث, قال رجاء: إن أبا عبد الله لم يرنا أهلًا للزيارة, فمروا بنا إليه نقضي حقه, فأبى علي الخروج, وكان كالمترغم عليه، فجئنا بجماعتنا إليه, ودخلنا على أبي عبد الله, وسأل به, فقال له رجاء: يا أبا عبد الله كنت بالأشواق إليك وأشتهي أن تذكر شيئًا من الحديث؛ فأبى عليّ الخروج, قال: ما شئت؟ فألقى عليه رجاء شيئًا من حديث أيوب، وأبو عبد الله يجيب, إلى أن سكت رجاء عن الإلقاء, فقال لأبي عبد الله: ترى بقي شيء لم نذكره؟ فأخذ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل يلقي, ويقول رجاء: من روى هذا؟ وأبو عبد الله يجيء بإسناده إلى أن ألقى قريبًا من بضعة عشر حديثًا أو أكثر أعدها, وتغير رجاء تغيرًا شديدا ً, وحانت من أبي عبد الله محمد بن إسماعيل نظرة إلى وجهه فعرف التغير فيه فقطع الحديث، فلما خرج رجاء قال أبو عبدالله محمد بن إسماعيل: أردت أن أبلغ به ضعف ما ألقيته إلا أني خشيت أن يدخله شيء فأمسكت.
* عن أحمد بن حمدون الحافظ قال: كنا عند محمد بن إسماعيل البخاري فجاء مسلم بن الحجاج فسأله عن حديث عبيد الله بن عمر عن أبي الزبير عن جابر قال: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية ومعنا أبو عبيدة, فقال محمد بن إسماعيل: حدثنا ابن أبي أويس قال: حدثني أخي أبوبكر عن سليمان بن بلال عن عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر: القصة بطولها, فقرأ عليه إنسان حديث حجاج بن محمد عن ابن جريح عن موسى بن عقبة قال: حدثني سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال: «كفارة المجلس إذا قام العبد أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك» . فقال له مسلم: في الدنيا أحسن من هذا الحديث؟ ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل. يعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا؟ قال له محمد: لا, إلا أنه معلول. فقال مسلم: لا إله إلا الله وارتعد وقال: أخبرني به. قال: استر ما ستر الله, فإن هذا حديث جليل رواه الخلق عن حجاج بن محمد عن ابن جريج, فألح عليه وقبل رأسه, وكاد أن يبكي مسلم فقال له أبو عبد الله: اكتب إن كان لا بد: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نبأنا وهيب قال: حدثني موسى بن عقبة عن عون بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كفارة المجلس» . فقال له مسلم: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك.