فهرس الكتاب

الصفحة 565 من 593

* عن عبيدالله بن عبدالكريم قال: كان محمد بن داود خصمًا لأبي العباس بن سريج القاضي وكانا يتناظران ويترادان في الكتب، فلما بلغ ابن سريج موت محمد بن داؤد نحى مخاده ومشاوره وجلس للتعزية وقال: ما آسى إلا على تراب أكل لسان محمد بن داود.

* عن محمد بن عبد الرحمن قال: كان رجل بالكوفة يقول عثمان بن عفان كان يهوديًا, فأتاه أبو حنيفة فقال: أتيتك خاطبًا. قال: لمن؟ قال: لابنتك رجل شريف غني بالمال حافظ لكتاب الله سخي يقوم الليل في ركعة كثير البكاء من خوف الله. قال: في دون هذا مقنع يا أبا حنيفة. قال: إلا أن فيه خصلة. قال: وما هي؟ قال: يهوديًا. قال: سبحان الله تأمرني أن أزوج ابنتي من يهودي. قال: لا تفعل؟ قال: لا. قال: فالنبي زوج ابنتيه من يهودي. قال: أستغفر الله إني تائب إلى الله عز وجل.

* عن ابن أبي داؤد قال: أدخل رجل من الخوارج على المأمون فقال: ما حملك على خلافنا؟ قال: آية في كتاب. قال: وما هي؟ قال: قوله:) وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ( [المائدة: من الآية44] فقال له المأمون: ألك علم بأنها منزلة؟ قال: نعم. قال: وما دليلك؟ قال: إجماع الأمة. قال: فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل, فارض بإجماعهم في التأويل. قال: صدقت, السلام عليك يا أمير المؤمنين.

* عن أبي عبد الله الخواص ـ وكان من علية أصحاب حاتم ـ قال: لما دخل حاتم بغداد اجتمع إليه أهل بغداد, فقالوا له: يا أبا عبد الرحمن أنت رجل عجمي, وليس يكلمك أحد إلا قطعته لأي معنى, فقال حاتم: معي ثلاث خصال بها أظهر على خصمي, قالوا: أي شيء هي؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمي, وأحزن له إذا أخطأ, وأحفظ نفسي لا تتجاهل عليه, فبلغ ذلك أحمد بن محمد بن حنبل, فقال: سبحان الله ما أعقله من رجل؟!!.

* عن الداودي قال: والله ما نقدر نذكر مقامات علي مع هذه العامة. قلت: أنا والله أعرفها مقامه ببدر, وأحد, والخندق, ويوم حنين, ويوم خيبر. قال: فإن عرفتها ينفعني أن تقدمه على أبي بكر, وعمر. قلت: قد عرفتها ومنه قدمت أبا بكر, وعمر عليه. قال: من أين؟ قلت: أبو بكر كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على العريش يوم بدر مقامه مقام الرئيس, والرئيس ينهزم به الجيش, وعلي مقامه مقام مبارز, والمبارز لا ينهزم به الجيش, وجعل يذكر فضائله, وأذكر فضائل أبي بكر. قلت: كم تكثر هذه الفضائل لهما حق؟ ولكن الذين أخذنا عنهم القرآن, والسنن أصحاب رسول الله قدموا أبا بكر, فقدمناه لتقديمهم, فالتفت أحمد بن خالد وقال: ما أدري لِمَ فعلوا هذا؟ فقلت: إن لم تدر فأنا أدري. قال: لِمَ فعلوا؟ فقلت: إن السؤدد والرياسة في الجاهلية كانت لا تعدوا منزلين: إما رجل كانت له عشيرة تحميه, وإما رجل كان له مال يفضل به, ثم جاء الإسلام, فجاء باب الدين, فمات النبي, وليس لأبي بكر مال, وقد قال رسول الله: «ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر» ولم تكن تيم لها مع عبد مناف ومخزوم تلك الحال, وإذا بطل اليسار الذي به كان رئيس أهل الجاهلية لم يبق إلا باب الدين فقدموه له, فأفحم بن خالد.

* عن أبي عبيد الله الصيرمي قال: قدم أبو سعيد البردعي بغداد حاجًا فدخل الجامع، ووقف على داود بن علي صاحب الظاهر وهو يكلم رجلًا من أصحاب أبي حنيفة وقد ضعف في يده الحنفي، فجلس فسأله عن بيع أمهات الأولاد؟ فقال: يجوز فقال له: لِمَ قلت؟ قال: لأنا أجمعنا على جواز بيعهن قبل العلوق فلا نزول عن هذا الإجماع إلا بإجماع مثله. فقال له: أجمعنا بعد العلوق قبل وضع الحمل أنه لا يجوز بيعها فيجب أن نتمسك بها الإجماع ولا نزول عنه إلا بإجماع مثله، فانقطع داود. قال: ننظر في هذا، وقام أبو سعيد فعزم على القعود ببغداد والتدريس لما رأى من غلبة أصحاب الظاهر. فلما كان بعد مديدة رأى في المنام كأن قائلًا يقول له:) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ( [الرعد: من الآية17] فانتبه بدق الباب وإذا قائلًا يقول له: «قد مات داود بن علي صاحب المذهب فإن أردت أن تصلي عليه فأحضر» .

* عن أحمد بن المعدل قال: كتب ابن أبي داؤد إلى رجل من أهل المدينة يتوهم أنه عبد الله بن موسى بن جعفر بن محمد: إن بايعت أمير المؤمنين في مقالته استوجبت منه حسن المكافأة وإن امتنعت لم تأمن مكروهه، فكتب إليه: عصمنا الله وإياك من الفتنة، وكأنه أن يفعل فأعظم بها نعمة وإلا فهي الهلكة؛ نحن نرى الكلام في القرآن بدعة يشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له وتكلف المجيب ما ليس عليه، ولا يعلم خالقًا إلا الله، وما سواه مخلوق والقرآن كلام الله. فانته بنفسك ومخافتك إلى اسمه الذي سماه الله به) وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( [لأعراف: من الآية180] ولا تسم القرآن باسم من عندك فتكون من الضالين. فلما وقف على جوابه اعرض عنه فلم يذكره.

* عن أبي داود السجستاني قال: لما جاء الرشيد بشاكر رأس الزنادقة؛ ليضرب عنقه، قال: أخبرني لِمَ تعلمون المتعلم منكم أول ما تعلمونه الرفض والقدر؟ قال: أما قولنا بالرفض فإنا نريد الطعن على الناقلة، فإذا بطلت الناقلة أوشك أن نبطل المنقول، وأما قولنا بالقدر، فإنا نريد أن نجوز إخراج بعض أفعال العباد؛ لإثبات قدر الله. فإذا جاز أن يخرج البعض جاز أن يخرج الكل.

* عن صالح بن أبي صالح قال: كنا مع الشافعي في مجلسه، فجعل يتكلم في تثبيت خبر الواحد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكتبناه وذهبنا به إلى إبراهيم بن إسماعيل بن علية، وكان من غلمان أبي بكر الأصم، وكان مجلسه بمصر عند باب الضوال. فلما قرأنا عليه جعل يحتج لإبطاله، فكتبنا ما قال ابن علية وذهبنا به إلى الشافعي فنقضه الشافعي وتكلم بإبطال ما قال ابن علية. ثم كتبنا ما قال الشافعي وذهبنا به إلى ابن علية فجعل يحتج بإبطال ما قال الشافعي، فكتبناه ثم جئنا به إلى الشافعي فقال الشافعي: إن ابن علية ضال قد جلس عند باب الضوال يضل الناس.

* عن الحارث بن سريح النقال قال: دخلت على الشافعي يومًا وعنده أحمد بن حنبل والحسين القلاس وكان الحسين أحد تلاميذ الشافعي المقدمين في حفظ الحديث، وعنده جماعة من أهل الحديث والبيت غاص بالناس، وبين يديه إبراهيم بن إسماعيل بن علية وهو يكلمه في خبر الواحد، فقلت: يا أبا عبد الله عندك وجوه الناس وقد أقبلت على هذا المبتدع تكلمه، فقال لي وهو يبتسم: كلامي لهذا بحضرتهم أنفع لهم من كلامي لهم، قال: فقالوا: صدق. قال: فأقبل عليه الشافعي، فقال له: ألست تزعم أن الحجة هي الإجماع، قال: فقال: نعم. فقال الشافعي: خبرني عن خبر الواحد العدل أبإجماع دفعته أم بغير إجماع، قال: فانقطع إبراهيم ولم يجب وسر القوم بذلك.

* عن جعفر بن أبي عثمان الطيالسي قال: قال لي أحمد بن حنبل: بلغني أنك ناظرت أبا خيثمة ـ زهير بن حرب وجماعة ـ على تحليل النبيذ فغلبتهم، فقلت: فهل لك في أن أناظرك على ذلك فقال: لا.

* عن النضر بن شميل قال: قال أبو مطيع البلخي: نزل الإيمان والإسلام في القرآن على وجهين، وهو عندي على وجه واحد، فقلت له: فممن ترى الغلط؟ منك، أو من النبي، أو من جبريل، أو من الله، فبقي. قال أحمد بن سيار: أبو مطيع من رؤساء المرجئة.

* قال محمد بن الواثق: كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلًا أحضرنا ذلك المجلس، فأتي بشيخ مخضوب مقيد فقال أبى: ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه ـ يعني بن أبى داؤد ـ قال فادخل الشيخ والواثق في مصلاه فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له: لا سلم الله عليك، فقال: يا أمير المؤمنين بئس ما أدبك مؤدبك، قال الله تعالى:] وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [[النساء: من الآية86] والله ما حييتني بها ولا بأحسن منها، فقال ابن أبى داؤد: يا أمير المؤمنين الرجل متكلم، فقال له: كلمه، فقال: يا شيخ ما تقول في القرآن؟ قال الشيخ: لم تنصفني ـ يعنى ولى السؤال ـ فقال له: سل فقال له الشيخ: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق. فقال: هذا شيء علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون أم شيء لم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه، فقال: سبحان الله شيء لم يعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت. قال: فخجل. فقال: أقلني، والمسألة بحالها. قال: نعم، قال: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق، فقال: هذا شيء علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون أم لم يعلموه، فقال: علموه ولم يدعوا الناس إليه. قال: أفلا وسعك ما وسعهم. قال: ثم قام أبي فدخل مجلس الخلوة واستلقى على قفاه ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: هذا شيء لم يعلمه النبي ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت سبحان الله!! شيء علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون ولم يدعوا الناس إليه أفلا وسعك ما وسعهم، ثم دعا عمارًا الحاجب فأمر أن يرفع عنه القيود، ويعطيه أربعمائة دينار، ويأذن له في الرجوع، وسقط من عينه بن أبى داؤد ولم يمتحن بعد ذلك أحدًا.

* عن صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور الهاشمي، قال: حضرت المهتدي بالله أمير المؤمنين رحمة الله عليه، وقد جلس للنظر في أمور المتظلمين في دار العامة، فنظرت إلى قصص الناس تقرأ عليه من أولها إلى آخرها، فيأمر بالتوقيع فيها وينشأ الكتاب عليها، ويحرر ويختم وتدفع إلى صاحبها بين يديه، فسرني ذلك. واستحسنت ما رأيت منه، فجعلت أنظر إليه ففطن ونظر إليَّ فغضضت عنه حتى كان ذلك مني ومنه مرارًا ثلاثة، إذا نظر غضضت، وإذا شغل نظرت، فقال لي يا صالح، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، وقمت قائمًا فقال: في نفسك مني شيء تريد؟ أو قال: تحب أن تقوله؟ قلت: نعم يا سيدي. فقال لي: عد إلى موضعك، فعدت وعاد إلي النظر حتى إذا قام قال: للحاجب لا يبرح صالح، وانصرف الناس ثم أذن لي وهمتني نفسي فدخلت فدعوت له، فقال لي: اجلس فجلست، فقال: يا صالح تقول لي ما دار في نفسك أو أقول أنا ما دار في نفسك، قلت: يا أمير المؤمنين ما تعزم عليه وتأمر به. فقال: أقول أنا، إنه دار في نفسي أنه دار في نفسك أنك استحسنت ما رأيت منا، فقلت: أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول: إن القرآن مخلوق، فورد على قلبي أمر عظيم، ثم قلت: يا نفس هل تموتين قبل أجلك وهل تموتين إلا مرة، وهل يجوز الكذب في جد أو هزل، فقلت: يا أمير المؤمنين ما دار في نفسي إلا ما قلت. فاطرق مليًا، ثم قال: ويحك اسمع مني ما أقول، فوالله لتسمعن الحق، فسرى عني وقلت: يا سيدي ومن أولى بقول الحق منك وأنت خليفة رب العالمين، وابن عم سيد المرسلين من الأولين والآخرين، فقال: ما زلت أقول إن القرآن مخلوق صدرًا من أيام الواثق حتى أقدم أحمد بن أبي داؤد علينا شيخًا من أهل الشام من أهل أذنة، فأدخل الشيخ على الواثق مقيدًا وهو جميل الوجه تام القامة حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيى منه ورق له فما زال يدنيه ويقر به حتى قرب منه فسلم الشيخ فأحسن، ودعا فبلغ وأوجز، فقال له: الواثق اجلس فجلس، وقال له: يا شيخ ناظر ابن أبي داؤد على ما يناظرك عليه، فقال له الشيخ: يا أمير المؤمنين ابن أبي داؤد يصبو ويضعف عن المناظرة، فغضب الواثق وعاد مكان الرقة له غضبًا عليه، وقال: أبو عبد الله بن أبي داؤد يصبو ويضعف عن مناظرتك أنت، فقال الشيخ: هون عليك يا أمير المؤمنين ما بك وائذن في مناظرته، فقال الواثق: ما دعوتك إلا للمناظرة فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تحفظ علي وعليه ما يقول: قال: أفعل. فقال: الشيخ يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه هي مقالة واجبة داخلة في عقد الدين فلا يكون الدين كاملًا حتى يقال فيه بما قلت؟ قال: نعم. قال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن رسول الله حين بعثه الله إلى عباده هل ستر رسول الله شيئًا مما أمره الله به في أمر دينهم؟ فقال: لا. فقال الشيخ: فدعا رسول الله الأمة إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي داؤد، فقال الشيخ: تكلم. فسكت، فالتفت الشيخ إلى الواثق فقال: يا أمير المؤمنين واحدة، فقال الواثق: واحدة: فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن حين أنزل القرآن على رسول الله، فقال) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا ( [المائدة: من الآية3] كان الصادق في إكماله دينه أو أنت الصادق في نقصانه حتى يقال فيه بمقالتك هذه! فسكت ابن أبي داؤد، فقال الشيخ: أجب يا أحمد؟ فلم يجب فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، اثنتان. فقال الواثق: نعم اثنتان، قال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه علمها رسول الله أم جهلها؟ قال: ابن أبي داؤد علمها، قال: فدعا الناس إليها؟ فسكت. قال الشيخ: يا أمير المؤمنين، ثلاث. فقال الواثق: ثلاث، فقال الشيخ: يا أحمد فاتسع لرسول الله أن علمها وأمسك عنها كما زعمت ولم يطالب أمته بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: واتسع لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي، قال ابن أبي داؤد: نعم, فأعرض الشيخ عنه وأقبل على الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين قد قدمت القول أن أحمد يصبو ويضعف عن المناظرة، يا أمير المؤمنين إن لم يتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما زعم هذا أنه اتسع لرسول الله ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلا وسع الله على من لم يتسع له ما اتسع لهم، أو قال فلا وسع الله عليك، فقال الواثق: نعم. إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلا وسع الله علينا، اقطعوا قيد الشيخ. فلما قطع القيد ضرب الشيخ بيده إلى القيد حتى يأخذه فجاذبه الحداد عليه، فقال الواثق: دع الشيخ يأخذه فأخذه، فوضعه في كمه. فقال له الواثق: يا شيخ لِمَ جاذبت الحداد عليه، قال: لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصي إليه إذا أنا مت أن يجعله بيني وبين كفني حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله يوم القيامة، وأقول يا رب سل عبدك هذا لِمَ قيدني وروع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي. وبكى الشيخ فبكى الواثق، وبكينا ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وسعة مما ناله، فقال له الشيخ: والله يا أمير المؤمنين لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكرامًا لرسول الله إذ كنت رجلًا من أهله، فقال الواثق: لي إليك حاجة، فقال الشيخ: إن كانت ممكنة فعلت. فقال له الواثق: تقيم قبلنا فننتفع بك وتنتفع بك فتياننا، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني عنه هذا الظالم أنفع لك من مقامي عليك، وأخبرك بما في ذلك أصير إلى أهلي وولدي فأكف دعاءهم عليك، فقد خلفتهم على ذلك. فقال له الواثق: فتقبل منا صلة تستعين بها على دهرك، قال: يا أمير المؤمنين لا يحل لي؛ أنا عنها غني وذو مرة سوي فقال: سل حاجة، قال: أو تقضيها يا أمير المؤمنين قال: نعم. قال: تأذن أن يخلى لي السبيل الساعة إلى الثغر، قال: قد أذنت لك، فسلم عليه وخرج. قال: صالح بن علي، قال المهتدي بالله، فرجعت عن هذه المقالة وأظن أن الواثق قد كان رجع عنها منذ ذلك الوقت.

* عن المأمون قال: غلبة الحجة أحب إليَّ من غلبة القدرة؛ لأن غلبة القدرة تزول بزوالها وغلبة الحجة لا يزيلها شيء.

* عن الفراء قال: قدم سيبويه إلى بغداد فأتى يحيى بن خالد فقال له: اجمع بيني وبين الكسائي لأناظره وأنت تسمع، فقال له يحيى الكسائي: عندنا رجل عالم لا يمتنع من مناظرة أحد وأنا أتقدم إليه في الحضور، فإذا كان يوم كذا وكذا فأحضر وعرف يحيى الكسائي وعرف الكسائي أصحابه فسبق الفراء والأحمر في ذلك اليوم إلى دار يحيى فجلسا في الموضع الذي أعد للكسائي وسيبويه، ثم جاء سيبويه فرفعاه وألقى عليه الأحمر مسألة، فأجاب فيها، فقال له الأحمر: أخطأت وألقى عليه أخرى فأجاب، فقال له: أخطأت، وكان الأحمر حادًا حافظًا، فغضب سيبويه، فقال له الفراء، إن معه عجلة فمن قال: هؤلاء أبون ورأيت أبين ومررت بأبين، في جمع الأب على قول الشاعر:

وكان بنو فزارة شر عم…و كنت لهم كشر بني الأخينا

كيف نمثل مثاله من أويب؟ فأجابه سيبويه بجواب، فعارضه الفراء بإدخال فيه، فانتقل منه إلى جواب آخر فعارضه بحجة أخرى فغضب، وقال: لا أكلمكما حتى يجيء صاحبكما. فجاء الكسائي، فجلس بالقرب منه، وأنصت يحيى والناس فقال له الكسائي: أتسألني أو أسألك، فقال: لا بل سلني. قال: كيف تقول خرجت فإذا عبد الله قائم، فقال سيبويه: قائم بالرفع، فقال له الكسائي: اتجيز قائمًا بالنصب، قال: لا. قال له الكسائي: فكيف تقول؟ كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا أنا بالزنبور إياها بعينها، قال: لا أجيز هذا بالنصب، ولكني أقول فإذا الزنبور هو هي. فقال الكسائي: الرفع والنصب جائزان، فقال سيبويه: الرفع صواب والنصب لحن، فعلت أصواتهما بهذا، فقال يحيى: أنتما عالمان ليس فوقكما أحد يستفتى ولم يبلغ من هذا العلم مبلغكما أحد نشرف به على الصواب من قولكما، فما الذي يقطع ما بينكما، فقال الكسائي: العرب الفصحاء المقيمون على باب أمير المؤمنين الذي نرتضي فصاحتهم، يحضرهم فنسألهم عما اختلفنا فيه، فإن عرفوا النصب علمت أن الحق معي وإن لم يعرفوه علمت أن الحق معه فأشار إلى بعض الغلمان فلم يكن إلا ساعة حتى حضر منهم خلق كثير. فقال لهم يحيى: كيف تقولون خرجت فإذا عبد الله قائم، فلما وقعت المسألة في أسماعهم تكلم بها بعضهم بالنصب وبعضهم بالرفع فلما كثر النصب أطرق سيبويه. فقال الكسائي: أعز الله الوزير، إنه لم يقصدك من بلده إلا راجيًا فضلك ومؤملًا معروفك فإن رأيت أن لا تخيله مما أمل قال: فدفعت إليه بدرة اختلف فيها الناس، فقال بعضهم: كانت من يحيى، وقال آخرون: كانت من الكسائي. فقال بعض الجهال: إن الكسائي واطأ الأعراب من الليل حتى تكلموا بالذي أراده وهذا قول لا يعرج عليه لأن مثل هذا لا يخفى على الخليفة والوزير وأهل بغداد أجمعين.

* عن أبي حاتم والجوزجاني قالا: إن ابن أبي يعقوب كان إذا نظر إلى العربي يقول: ممن الرجل؟ فيقول: من بني فلان فيقول: أتعرف من فيهم من الشعراء؟ ثم يبتدئ فيقول: فلان وشعره كذا وفلان وشعره كذا، والعلماء منهم فلان وفلان، ومن صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم: فلان وفلان، ومن كان منهم من القوَّاد. قال: فيبقى الرجل مبهوتًا. وإن ناظره صاحب عربية. قال: فيحدث كلمة فيقول: تعرف كذا وكذا؟ فإن قال: ليست هذه عربية. قال: يقول فيها الشاعر كذا وكذا، وقال فلان وفلان كذا وكذا فيضع شعرًا على تلك الكلمة، وإن لقي صاحب حديث فيذاكره فيسأله عن أبواب لا يعرف فيها حديث فيقول: فيه كذا وفيه كذا، وزعموا أنه ذاكر ابن الشاذ كوني، فكان كل واحد منهما ينتصف من صاحبه. فقال له ابن أبي يعقوب: أي شيء عندك في كذا؟ فلم يكن عند سليمان في ذلك شيء. قال: فروى له فيه بابًا، ثم قام. فقال ابن الشاذ كوني: ليس من ذا شيء.

* عن الربيع بن سليمان قال: ناظر الشافعي محمد بن الحسن بالرقة فقطعه الشافعي, فبلغ ذلك هارون الرشيد, فقال هارون: أما علم محمد بن الحسن إذا ناظر رجلًا من قريش أنه يقطعه سائلًا أو مجيبًا؟ والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قدموا قريشاّ ولا تقدموها, وتعلموا منها ولا تعلموها, فإن علم العالم منهم يسع طباق الأرض» .

* عن هارون بن سعيد الأيلي قال: لو أن الشافعي ناظر على هذه العمود التي من حجارة أنها من خشب لغلب؛ لاقتداره على المناظرة.

* عن أبي حاتم قال: قال لي أبو زرعة: ترفع يديك في القنوت؟ قلت لا! فقلت له: فترفع أنت؟ قال: نعم. فقلت ما حجتك؟ قال: حديث ابن مسعود. قلت: رواه ليث بن أبي سليم قال: حديث أبي هريرة. قلت: رواه ابن لهيعة. قال: حديث ابن عباس. قلت: رواه عوف. فما حجتك في تركه؟ قلت: حديث أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء. فسكت.

* عن الشافعي قال: ما ناظرت أحدًا إلا تمعر وجهه ما خلا محمد بن الحسن.

* عن الشافعي قال: ناظرت محمد بن الحسن وعليه ثياب رقاق، فجعل تنتفخ أوداجه ويصبح حتى لم يبق له زر إلا انقطع. قلت: ما كان لصاحبك أن يتكلم ولا كان لصاحبي أن يسكت. قال: قلت له نشدتك بالله هل تعلم أن صاحبي كان عالمًا بكتاب الله؟ قال نعم! قال قلت: فهل كان عالمًا بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم! قال قلت: أفما كان عاقلًا. قال: نعم! قلت: فهل كان صاحبك جاهلًا بكتاب الله؟ قال: نعم! قلت: وبما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم! قلت: أو كان عاقلًا؟ قال نعم! قال: قلت: صاحبي فيه ثلاث خصال لا يستقيم لأحد أن يكون قاضيًا إلا بهن أو كلامًا هذا معناه.

(2/ 177 ـ 178)

* عن الشافعي قال: لم يزل محمد بن الحسن عندي عظيمًا جليلًا، أنفقت على كتبه ستين دينارًا حتى جمعني و إياه مجلس عند الرشيد، فابتدأ محمد بن الحسن فقال: يا أمير المؤمنين إن أهل المدينة خالفوا كتاب الله نصًا, وأحكام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وإجماع المسلمين, فأخذني ما قدم وما حدث, فقلت: ألا أراك قد قصدت لأهل بيت النبوة, ومن نزل القرآن فيهم, وأحكمت الأحكام فيهم, وقبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرهم عمدت تهجوهم, أرأيتك أنت بأي شيء قضيت بشهادة امرأة واحدة قابلة حتى تورث ابن خليفة ملك الدنيا ومالًا عظيمًا؟ قال: بعلي بن أبي طالب. قلت: إنما رواه عن علي رجل مجهول يقال له عبد الله بن نجي, ورواه جابر الجعفي وكان يؤمن بالرجعة سمعت سفيان بن عيينة يقول: دخلت على جابر الجعفي فسألني عن شيء من أمر الكهنة, ونحن معنا قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وقضاء علي بن أبي طالب أنه قضى به بين أهل العراق, وقلت له: ما تقول في القسامة؟ قال: استفهام قلت: يا سبحان الله! تزعم أن رسول رب العالمين حكم في أمته بالاستفهام يستفهم ولا يحكم به قال: فسمعها هارون, فقال: ما هذا؟ علي بالسيف والنطع, فلما جيء بهما قلت: يا أمير المؤمنين والله ما هذا عقدة في القسامة, وإنه ليقول فيهما بخلاف هذا, ولكن المتناظران إذا أحب أحدهما أن يدخل على صاحبه حجة يكتبه بها. قال: فسري عن هارون. قال: فلما خرجنا من عنده قال لي: كنت قد أشطت بدمي. قال: قلت: فقد خلصك الله الآن.

* عن أبي نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي قال: خرجت إلى الكوفة من بغداد في طلب الحديث حين خرجت من مصر وأقمت ببغداد مدة وذلك في سنة إحدى وسبعين ومائتين ومحمد بن عثمان حينئذ مقيم بالكوفة لم ينتقل عنها وإنما انتقل عنها بعد ذلك بسنتين إلى بغداد, فوقع بينه وبين محمد بن عبد الله بن سليمان مطين الحضرمي كلام، حتى خرج كل واحد منهما إلى الخشونة والوقيعة في صاحبه, فأجريت بعض ما بينهما، فقلت: لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة بعد أن سمعت المكروه من كل واحد منهما في صاحبه: ما هذا الاختلاف الذي وقع بينكما؟ قال: روى مطين عن عبيد بن يعيش عن مصعب بن سلام عن أبي سعد عن عكرمة عن ابن عباس. عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تناصحوا في العلم وإن خيانة أحدكم في علمه أشد من خيانته في ماله, والله مسائلكم عنه» فقال: غلط فيه مطين, وإنما هو عن مصعب بن سلام عن أبي سعيد وليس هو أبا سعد, قال: وإنما رواه مطين فقال: عن أبي سعد ـ يريد البقال ـ ورويت أنا وقلت: عن أبي سعيد عبد القدوس بن حبيب. فقلت له: عمن رويت؟ فقال: حدثنا إبراهيم ابن محمد بن ميمون حدثنا مصعب بن سلام قال: حدثنا عبد القدوس بن حبيب الدمشقي أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «تناصحوا في العلم فإن خيانة أحدكم في علمه أشد من خيانته في ماله» . قال أبو نعيم: إلى وهمي إن هذا الغلط قد يكون من عبيد بن يعيش, إذ كانت رواية محمد بن عثمان هي عن إبراهيم بن محمد بن ميمون؛ ثم ذكر فيها حدثنا عمار بن رجاء، قال: حدثنا عبيد بن يعيش حدثنا مصعب بن سلام عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر هذا الحديث. وحدثنا مطين حدثنا عبيد بن يعيش حدثنا مصعب بن سلام عن أبي سعيد عن عكرمة فذكر مثله. قال أبو نعيم: وقلت: إن الصواب فيما رواه محمد بن عثمان, وإنه لم يغلط فيما رد على مطين من روايته عن عبيد بن يعيش. قال أبو نعيم: وهذا سماعي قديما ً, ثم سمعت من مطين الحضرمي هذا الحديث بعد ذلك بعشرين سنة في فوائد الحاج قال: حدثنا عبيد بن يعيش حدثنا مصعب بن سلام عن أبي سعد، قال أبو جعفر الحضرمي ـ يعنى عبد القدوس بن حبيب الدمشقى ـ: عن عكرمة عن ابن عباس. كان الحضرمي ينبه بذلك وقال: ـ يعنى عبد القدوس ـ ولم يقل عن أبي سعيد. وقال: عن أبي سعد فأقر سعدًا على حاله ولم يقر الاسم, قال لي محمد بن عثمان: وقد غلط أيضًا في حديث آخر ثم قال: حدثنا أبي حدثنا جرير عن مغيرة عن عاصم عن زر عن أبي بن كعب في ليلة القدر ليلة سبع وعشرين. قال محمد بن عثمان: وإنما هو موقوف, وقد حدث به مطين مرفوعًا، ولم يحدث به أبي إلا موقوفًا. ثم قال محمد بن عثمان: حدثنا يحي الحماني حدثنا يحي بن اليمان عن شريك عن عثمان أبي اليقظان عن أنس) وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ( [قّ: من الآية35] قال: يظهر الرب تعالى يوم القيامة. قال محمد بن عثمان: وحدث به مطين عن يحيى الحماني قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا شريك ولم يذكر يحيى بن اليمان فيما بينهما. قال أبو نعيم: ثم لقيت محمد بن عثمان ببغداد سنة تسع وثمانين وسنة تسعين وإحدى وهو يذكر مطينًا بسوء, وبلغني أن مطينًا يذكره أيضًا بسوء, وأن تلك المقالات والمراسلات باقية بعد إلى تلك الغاية.

* عن أبي بكر بن الدقاق قال: ناظرت أبا الحسين بن أبي عمر القاضي المالكي في وجوب المتعة للمطلقة المفوضة قبل الدخول. قال: فاستدل بقوله تعالى:) مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ( [البقرة: من الآية236] قال: والإحسان ليس بواجب. قال: فقلت له فقد قال في الآية الأخرى) حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( [البقرة: من الآية241] والتقوى واجب. قال: من التقوى ما هو واجب, ومنه ما ليس بواجب. فقلت له: ومن الإحسان ما هو واجب, ومنه ما ليس بواجب. فانقطع.

* عن أبي يعقوب الشحام قال: قال لي أبو الهذيل: أول ما تكلمت إني كان لي أقل من خمس عشرة سنة, وهذا في السنة التي قتل فيها إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بباخمرى، وقد كنت اختلف إلى عثمان الطويل صاحب واصل بن عطاء, فبلغني أن رجلًا يهوديًا قدم البصرة وقد قطع عامة متكلميهم، فقلت لعمي: يا عم, امض بي إلى هذا اليهودي أكلمه, فقال لي: يا بني هذا اليهودي قد غلب جماعة متكلمي أهل البصرة، فمن أخذك أن تكلم من لا طاقة لك بكلامه. فقلت له. لا بد من أن تمضي بي إليه, وما عليك مني غلبني أو غلبته, فأخذ بيدي ودخلنا على اليهودي فوجدته يقرر الناس الذين يكلمونه بنبوة موسى, ثم يجحدهم نبوة نبينا، فيقول: نحن على ما اتفقنا عليه من صحة نبوة موسى، ثم يجحدهم نبوة نبينا فيقول: نحن على ما اتفقنا عليه من صحة موسى إلى أن نتفق على غيره فنقر به! قال: فدخلت عليه فقلت له: أسألك أو تسألني؟ فقال لي: يا بني أو ما ترى ما أفعله بمشايخك؟ فقلت له: دع عنك هذا واختر؛ إما أن تسألني, أو أسألك. قال: بل أسألك, خبرني, أليس موسى نبي من أنبياء الله قد صحت نبوته, وثبت دليله, تقر بهذا أو تجحده فتخالف صاحبك؟! فقلت له! إن الذي سألتني عنه من أمر موسى عندي على أمرين, أحدهما: إني أقر بنبوة موسى الذي تسألني فأنا مقر بنبوته, وإن كان موسى الذي تسألني عنه لا يقر بنبوة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم يأمر باتباعه ولا بشر به, فلست أعرفه ولا أقر بنبوته بل هو عندي شيطان يحرق. فتحير لما ورد عليه ما قلته له، وقال لي: فما تقول في التوراة؟ قلت: أمر التوراة أيضًا على وجهين: إن كانت التوراة التي أنزلت على موسى النبي الذي أقر بنبوة نبي محمد فهي التوراة الحق, وإن كانت أنزلت على الذي تدعيه فهي باطل غير حق وأنا فغير مصدق بها. فقال لي: أحتاج إلى أن أقول لك شيئًا بيني وبينك فظننت أنه يقول شيئًا من الخير فتقدمت إليه, فسارني فقال: أمك كذا وكذا, وأم من علمك, لا يكني. وقدر إني أثب به فيقول: وثبوا بي وشغبوا علي, فأقبلت على من كان بالمجلس فقلت: أعزكم الله، أليس قد وقفتم على مسألته إياي, وعلى جوابي إياه؟ قالوا لي: نعم. فقلت: أليس عليه واجب أن يرد على جوابي؟ قالوا: نعم. قلت لهم؟ فإنه لما سارني شتمني بالشتم الذي يوجب الحد, وشتم من علمني, وإنما قدّر أن أثب به فيدعي أنا واثبناه وشغبنا عليه, وقد عرفتكم شأنه بعد انقطاعه. فأخذته الأيدي بالنعال؛ فخرج هاربًا من البصرة وقد كان له بها دين كثير فتركه، وخرج هاربًا لما لحقه من الانقطاع.

* عن أبي إسحاق الزجاج قال: لما قدم المبرد بغداد أتيته لأناظره, وكنت أقرأ على أبي العباس ثعلب, وأميل إلى قولهم ـ يعنى الكوفيين ـ فعزمت على إعانته؛ فلما فاتحته ألحمني بالحجة وطالبني بالعلة؛ وألزمني إلزامات لم اهتد لها, فتبينت فضله؛ واسترجحت عقله؛ وجددت في ملازمته.

* عن سفيان الثوري قال: بلغ أبو عبيدة أن الأصمعي تعيب عليه تأليفه كتاب المجاز في القرآن، وأنه قال: يفسر كتاب الله برأيه. قال: فسأل عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو؟ فركب حماره في ذلك اليوم ومر بحلقة الأصمعي فنزل عن حماره، وسلم عليه، وجلس عنده، وحادثه ثم قال له: يا أبا سعيد ما تقول في الخبز؟ أي شيء هو! قال هو الذي نأكله ونخبزه، فقال له: أبو عبيدة قد فسرت كتاب الله برأيك، فإن الله قال) أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا ( [يوسف: من الآية36] ، فقال الأصمعي: هذا شيء بان لي فقلته لم أفسره برأيي، فقال أبو عبيدة: والذي تعيب علينا كله شيء بان لنا فقلناه ولم نفسره برأينا، ثم قام فركب حماره وانصرف.

* عن النضر بن محمد قال: دخل قتادة الكوفة ونزل في دار أبي بردة فخرج يومًا, وقد اجتمع إليه خلق كثير فقال قتادة: والله الذي لا إله إلا هو ما يسألني اليوم أحد عن الحلال والحرام إلا أجبته, فقام إليه أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطاب ما تقول في رجل غاب عن أهله أعوامًا فظنت امرأته أن زوجها مات فتزوجت ثم رجع زوجها الأول ما تقول في صداقها؟ وقال لأصحابه الذين اجتمعوا إليه: لئن حدث بحديث ليكذبن, ولئن قال برأي نفسه ليخطئن, فقال قتادة: ويحك أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا. قال: فلم تسألني عما لم يقع؟ قال أبو حنيفة: إنا نستعد للبلاء قبل نزوله, فإذا ما وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه. قال قتادة: والله لا أحدثكم بشيء من الحلال والحرام سلوني عن التفسير. فقام إليه أبو حنيفة فقال له: يا أبا الخطاب ما تقول في قول) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ( [النمل: من الآية40] قال: نعم, هذا آصف بن برخيا بن شمعيا كاتب سليمان بن داود كان يعرف اسم الله الأعظم, فقال أبو حنيفة: هل كان يعرف الاسم سليمان؟ قال: لا. قال: فيجوز أن يكون في زمن نبي من هو أعلم من النبي. قال: فقال قتادة: والله لا أحدثكم بشيء من التفسير سلوني عما اختلف فيه العلماء. قال فقام إليه أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطاب أمؤمن أنت؟ قال: أرجو. قال: ولِمَ؟ قال: لقول إبراهيم عليه السلام) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ( [الشعراء:82] فقال أبو حنيفة: فهلا قلت كما قال إبراهيم عليه السلام:) قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى ( [البقرة: الآية260] فهلا قلت بلى. قال: فقام قتادة مغضبًا, ودخل الدار, وحلف أن لا يحدثهم.

* عن أبي يوسف قال سمعت أبا حنيفة يقول: إذا كلمت القدري فإنما هو حرفان: إما أن يسكت، وإما أن يكفر. يقال له: هل علم الله في سابق علمه أن تكون هذه الأشياء كما هي؟ فإن قال: لا. فقد كفر، وإن قال: نعم. يقال له: أفأراد أن تكون كما علم أو أراد أن تكون بخلاف ما علم، فان قال: أراد أن تكون كما علم، فقد أقر أنه أراد من المؤمن الإيمان، ومن الكافر الكفر، وإن قال أراد أن تكون بخلاف ما علم فقد جعل ربه متمنيًا متحسرًا؛ لأن من أراد أن يكون ما علم أنه لا يكون أو لا يكون ما علم أنه يكون فإنه متمن متحسر، ومن جعل ربه متمنيًا متحسرًا فهو كافر.

* عن وكيع قال: سأل ابن المبارك أبا حنيفة، عن رفع اليدين في الركوع، فقال أبو حنيفة: يريد أن يطير فيرفع يديه. قال وكيع: وكان ابن المبارك رجلًا عاقلًا، فقال ابن المبارك إن كان طار في الأولى فإنه يطير في الثانية، فسكت أبو حنيفة ولم يقل شيئًا.

* عن الشافعي قال: ناظر أبو حنيفة رجلًا فكان يرفع صوته في مناظرته إياه، فوقف عليه رجل، فقال الرجل لأبي حنيفة: أخطأت، فقال أبو حنيفة للرجل: تعرف المسألة ما هي؟ قال: لا، قال: فكيف تعرف أني أخطأت، قال: أعرفك إذا كان لك الحجة ترفق بصاحبك، وإذا كانت عليك تشغب وتجلب.

* عن محمد بن جعفر الأسامي قال: كان أبو حنيفة يتهم شيطان الطاق بالرجعة، وكان شيطان الطاق يتهم أبا حنيفة بالتناسخ، قال: فخرج أبو حنيفة يومًا إلى السوق فاستقبله شيطان الطاق، ومعه ثوب يريد بيعه، فقال له أبو حنيفة: أتبيع هذا الثوب إلى رجوع علي، فقال: إن أعطيتني كفيلًا أن لا تمسخ قردًا بعتك، فبهت أبو حنيفة، قال: ولما مات جعفر بن محمد، التقى هو وأبو حنيفة، فقال له أبو حنيفة: أما إمامك فقد مات، فقال له: شيطان الطاق أما إمامك فمن المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت