فهرس الكتاب

الصفحة 566 من 593

* عن يزيد بن معاوية قال: قال أبو الدرداء ـ وكان من العلماء الحكماء الذين يشفون الداء ـ يا أهل دمشق، اسمعوا قول أخ لكم ناصح مالي أراكم تجمعون فلا تأكلون كثيرًا، وتبنون فلا تسكنون، وتأملون فلا تدركون. إن من كان قبلكم جمعوا كثيرًا، وبنوًا شديدًا، وأملوا بعيدًا، فأصبح ما جمعوا بورًا، وما أملوه غرورًا، وأصبحت مساكنهم قبورًا.

* عن أبي ثمامة الأنصاري قال: كنت عند ذي النون المصري فقال له رجل: ممن كان حاضرًا، يا أبا الفيض رضي الله عنك، عظني بموعظة أحفظها عنك، فقال له: وتقبل، قال: أرجو إن شاء الله، قال: توسد الصبر، وعانق الفقر، وخالف النفس، وقاتل الهوى، وكن مع الله حيث كنت.

* عن فارس البغدادي قال: قال رجل للحسين بن منصور عظني فقال له: كن مع الحق بحكم ما أوجب.

* عن أبي الربيع الأعرج قال: دخلت على داود الطائي ببيته بعد المغرب، فقرب إلى كسيرات يابسة، فعطشت فقمت إلى دن فيه ماء حار، فقلت: رحمك الله لو اتخذت إناء غير هذا يكون فيه الماء، فقال لي: إذا كنت لا أشرب إلا باردًا، ولا آكل إلا طيبًا، ولا ألبس إلا لينًا، فما أبقيت لآخرتي قال: قلت أوصني: قال: صم الدنيا واجعل إفطارك فيها الموت، وفر من الناس فرارك من السبع، وصاحب أهل التقوى إن صحبت فإنهم أقل مؤنة وأحسن معونة، ولا تدع الجماعة، حسبك هذا إن عملت به.

* عن أبي عمرو بن مطر قال: حضرت مجلس أبي عثمان الحيري الزاهد فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد للتذكير، فسكت حتى طال سكوته فناداه رجل كان يعرف بأبي العباس: نرى أن تقول في سكوتك شيئًا، فأنشأ يقول:

وغير تقي يأمر الناس بالتقى…طبيب يداوى والطبيب مريض

قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج.

* عن أحمد بن بشر بن سليمان الشيباني قال: كتب رجل إلى رجل أما بعد: فليكن أول عملك الهداية بالطريق، ولا تستوحش لقلة أهله، فإن إبراهيم كان أمة قانتًا لله، لا للملوك، فلا تستوحش مع الله، ولا تستأنس بغير الله، واطلب ما يعنيك بترك ما لا يعنيك، فإن في تركك ما لا يعنيك دركًا لما يعنيك، فإنك إنما تقدم على ما قدمت ولا ترجع إلى ما خلفت، فآثر ما تلقاه غدًا على ما لا تلقاه أبدًا والسلام.

* عن أبي بكر محمد بن عبدالرحمن بن عمر الصوفي البغدادي قال: كنت في مجلس أبي بكر الشبلي؛ إذ وقف إليه رجل كبير أبيض الرأس واللحية. فقال له: يا أبا بكر قد أبيض رأسي ولحيتي وفني عمري, وقد عرفت ما أنا فيه من سوء صنيعتي, فهل لي من حيلة؟ فبكى الشيخ وبكى من حوله. ثم قال: نعم! قال الله تعالى:) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ( [لأنفال: من الآية38] .

* عن الحسن قال: قدم علينا عتبة بن غزوان أميرًا بعثة عمر بن الخطاب فقام فينا فقال: أيها الناس إن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وإنكم منتقلون من داركم هذه، فانتقلوا بخير ما يحضركم، وقد بلغني أن الحجر ليلقى في شفير جهنم فما يبلغ قعرها سبعين عامًا، فوالله لقد بلغني أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة أربعين عامًا، ليأتين عليه يوم وله كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد تسلَّقَتْ أفواههم من أكل الشجر، وما منا رجل إلا وقد أصبح أميرًا على مصر، ولقد رأيتنا أنا وسعد استبقنا بُردة فاشتققناها فأخذت أنا نصفها وسعد نصفها، ولقد بلغني أنه لم تكن نبوة إلا وستنسخ ملكًا، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا، وفي أعين الناس حقيرًا، وستجربون الأمراء بعدي.

* عن أبي بكر أحمد بن عيسى الحكمي قال: كتب أبو العيناء إلى صديق له ولي ولاية: أما بعد، فإني لا أعظك بموعظة الله لأ نك عنها غني، ولا أخوفك إياه لأنك أعلم به مني، ولكني أقول كما قال الأول:

أحار ابن بدر قد وليت و لاية وكاثر تميمًا بالغنى إنما الغنى….

فكن جرزًا منها تخون وتسرق لسان به المرء الهيوبة ينصق….

واعلم أن الخيانة فطنة، والأمانة حرفة، والجمع كيس، والمنع صرامة، وليس كل يوم ولاية، فاذكر أيام العطلة، ولا تحقرن صغيرًا، فإن من الدور إلى الدور، وابلاء الولاية رقدة فتنبه قبل أن تنبه، وأخو السلطان أعمى عن قليل سوف يبصر، وما هذه الوصية التي أوصى بها يعقوب بنيه، ولكن رأيت الحزم في أخذ العاجل، وترك الآجل.

* عن محمد بن بعيم بن الهيصم قال: دخلت على بشر في علته فقلت: عظني. فقال: إن هذه الدار نملة تجمع الحب في الصيف لتأكله في الشتاء، فلما كان يوم أخذت حبة في فمها, فجاء عصفور فأخذها والحبة, فلا ما جمعت أكلت, ولا ما أملت نالت. قلت له: زدني. قال: ما تقول فيمن القبر مسكنه, والصراط جوازه, والقيامة موقفه. والله مسائله, فلا يعلم إلى جنة يصير فيهنى, أو إلى نار فيعزى, فواطول حزناه, وأعظم مصيبتاه, زاد البكاء فلا عزاء, واشتد الخوف فلا أمن. قال: وقال لي بشر مرارًا كثيرة: أنظر خبزك من أين هو؟ وأنظر مسكنك الذي تتقلب فيه كيف هو؟ وأقل من معرفة الناس, ولا تحب أن تحمد, ولا تحب الثناء.

* قال أبو علي الروذباري:

ولو مضى الكل مني لم يكن عجبًا أدرك بقية روح فيك قد تلفت….

وإنما عجبي للبعض كيف بقى قبل الفراق فهذا آخر الرمق….

مواعظ الخلفاء والأمراء:

* بعث هارون أمير المؤمنين إلى محمد بن السماك في آخر شعبان فأحضره فقال له يحيى بن خالد: أتدري لِمَ بعث إليك أمير المؤمنين؟ قال: لا أدري, قال له يحيى بن خالد: بعث لما بلغه عنك من حسن دعائك للخاصة والعامة, فقال له ابن السماك: أما ما بلغ أمير المؤمنين عني من ذلك, فبستر الله الذي ستره علي, ولولا ستره لم يبق لن ثناء ولا التقاء على مودة, فالستر هو الذي أجلسني بين يديك يا أمير المؤمنين إني والله ما رأيت وجهًا أحسن من وجهك فلا تحرق وجهك بالنار. قال: فبكى هارون بكاء شديدًا, ثم دعا بماء, فاستسقى, فأتي بقدح فيه ماء, فقال: يا أمير المؤمنين أكلمك بكلمة قبل أن تشرب هذا الماء, قال: قل ما أحببت قال: يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها أكنت تفتديها بالدنيا, وما فيها حتى تصل إليك؟ فقال: نعم. قال: فاشرب ريًا بارك الله فيك, فلما فرغ من شربه, قال له: يا أمير المؤمنين أرأيت لو منعت إخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا وما فيها أكنت تفتدي ذلك بالدنيا, وما فيها؟ قال: نعم, قال: يا أمير المؤمنين فما تصنع بشيء شربة ماء خير منه؟! قال: فبكى هارون واشتد بكاؤه, قال: فقال يحيى بن خالد: يا بن السماك قد آذيت أمير المؤمنين فقال له: وأنت يا يحيى فلا يغرنك رفاهية العيش ولينه.

* عن أبي المغيرة بن شعيب قال: حضرت يحيى بن خالد البرمكي يقول لابن السماك: إذا دخلت على هارون أمير المؤمنين فأوجز ولا تكثر عليه، قال: فلما دخل عليه وقام بين يديه قال: يا أمير المؤمنين إن لك بين يدي الله مقامًا، وإن لك من مقامك منصرفًا، فانظر إلى أين منصرفك؟ إلى الجنة أم إلى النار. قال: فبكى هارون حتى كاد أن يموت.

* عن أبي الصقر السدوسي قال: لما مات داود بن نصير الطائي، جاء ابن السماك فجلس على قبره ثم قال: أيها الناس إن أهل الزهد في الدنيا تعجلوا الرواح على أبدانهم، مع يسير الحساب غدًا عليهم وإن أهل الرغبة تعجلوا التعب على أبدانهم مع ثقل الحساب عليهم غدًا، والزهادة راحة لصاحبها في الدنيا والآخرة، والرغبة تتعب صاحبها في الدنيا والآخرة، رحمك الله يا أبا سليمان ما كان أعجب شأنك ألزمت نفسك الصبر حتى قومتها عليه، أجعتها وإنما تريد شبعها، وأظمأتها وإنما تريد ريها، أخشنت المطعم وإنما تريد أطيبه، وخشنت الملبس وإنما تريد لينه، يا أبا سليمان، أما كنت تشتهي من الطعام طيبه، ومن الماء بارده، ومن اللباس لينه؟ بلى، ولكنك أخرت ذلك لما بين يديك، فما أراك إلا قد ظفرت بما طلبت وما إليه رغبت، فما أيسر ما صنعت، وأحقر ما فعلت في جنب ما أملت، فمن سمع بمثلك عزم عزمك، أو صبر صبرك؛ آنس ما تكون إذا كنت بالله خاليًا، وأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس، سمعت الحديث وتركت الناس يحدثون، تفهمت في دين الله وتركتهم يفتون، لا تذللك المطامع، ولا ترغب إلى الناس في الصنائع ولا تحسد الأخيار، ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطان عطية، ولا من الإخوان هدية، سجنت نفسك في بيتك فلا محدث لك، ولا ستر على بابك، ولا قلة تبرد فيها ماءك، ولا قصعة تثرد فيها غذاءك وعشاءك، فلو رأيت جنازتك، وكثرة تابعك علمت أنه قد شرفك وكرمك وألبسك رداء عملك. فلو لم يرغب عبد في الزهد في الدنيا إلا لمحبة هذا النشر الجميل، والتابع الكثير، لكان حقيقًا بالاجتهاد، فسبحان من لا يضيع مطيعًا ولا ينسى لأحد صنيعًا، وفرغ من دفنه وقام الناس.

* عن عقبة بن هارون قال: دخل عمرو بن عبيد على أبي جعفر المنصور وعنده المهدي بعد أن بايع له ببغداد، فقال: يا أبا عثمان، عظني. فقال: إن هذا الأمر الذي أصبح في يدك لو بقي في يد غيرك ممن كان قبلك لم يصل إليك، فأحذرك ليلة تمخض بيوم لا ليلة بعده وأنشد:

يا أيهذا الذي قد غره الأمل ... ودون ما يأمل التنغيص والأجل

ألا ترى أنما الدنيا وزينتها ... كمنزل الركب حلوا ثمت ارتحلوا

حتوفها رصد، وعيشها نكد ... وصفوها كدر، وملكها دول

تظل تفزع بالروعات ساكنها ... فما يسوغ له لين ولا جذل

كأنه للمنايا والردى غرض ... تظل فيه بنات الدهر تنتضل

تديره- ما أدارته- دوائرها ... منها المصيب ومنها المخطئ الزلل

والنفس هاربة والموت يرصدها ... فكل عثرة رجل عندها جلل

والمرء يسعى بما يسعى لوارثه ... والقبر وارث ما يسعى له الرجل

* عن إسحاق بن الفضل قال: إني لعلى باب المنصور وإلى جنبي عمارة بن حمزة إذ اطلع عمرو بن عبيد على حمار، فنزل عن حماره ونجل البساط برجله وجلس دونه، فالتفت إلى عمارة فقال: لا تزال بصرتكم ترمينا منها بأحمق فما فصل كلامه من فيه حتى خرج الربيع وهو يقول: أبو عثمان عمرو ابن عبيد؟ قال: فوالله ما دل على نفسه حتى أرشد إليه، فاتكاه يده ثم قال له: أجب أمير المؤمنين جعلني الله فداك، فمر متوكئًا عليه، فالتفت إلى عمارة فقلت: إن الرجل الذي قد استحمقت قد دعي وتركنا، فقال: كثيرًا ما يكون مثل هذا، فأطال إلي. ثم خرج الربيع وعمرو متوكئ عليه، وهو يقول: يا غلام، حمار أبي عثمان، فما برح حتى أقره على سرجه، وضم إليه نشر ثوبه، واستودعه الله، أقبل عمارة على الربيع فقال: لقد فعلتم اليوم بهذا الرجل فعلًا لو فعلتموه بولي عهدكم لكنتم قد قضيتم حقه، قال: فما غاب عنك والله ما فعله أمير المؤمنين أكثر وأعجب. قال: فإن اتسع لك الحديث فحدثنا، فقال: ما هو إلا أن سمع أمير المؤمنين بمكانه فما أمهل حتى أمر بمجلس، ففرش لبودًا، ثم انتقل هو والمهدي وعلى المهدي سوادة وسيفه ثم أذن له، فلما دخل سلم عليه بالخلافة فرد عليه، وما زال يدنيه حتى اتكاه فخذه، وتحفى به ثم سأله عن نفسه، وعن عياله، فسماهم رجلًا رجلًا وامرأة امرأة، ثم قال: يا أبا عثمان، عظني فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ. وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ. وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ. هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ( [الفجر:1، 13] إن ربك يا أبا جعفر لبالمرصاد، قال: فبكى بكاء شديدًا كأنه لم يسمع تلك الآيات إلا تلك الساعة، وقال: زدني. فقال: الله قد أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعظها، وأعلم أن هذا الأمر الذي صار إليك، إنما كان في يد من كان قبلك، ثم أفضى إليك وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك، وإني أحذرك ليلة تمخض صبيحتها عن يوم القيامة، قال: فبكى والله أشد من بكائه الأول حتى جف جفناه، فقال له سليمان بن مجالد: رفقًا بأمير المؤمنين قد أتعبته منذ اليوم، فقال له عمرو: بمثلك ضاع الأمر وانتشر لا أبا لك، وماذا خفت على أمير المؤمنين أن بكى من خشية الله. فقال له أمير المؤمنين: يا أبا عثمان أعني بأصحابك استعن بهم، قال: أظهر الحق يتبعك أهله.

* عن محمد بن الحسين البرجلائي قال: قال الرشيد لابن السماك عظني، فقال: يا أمير المؤمنين إنك تموت وحدك، وتغسل وحدك، وتكفن وحدك، وتقبر وحدك، يا أمير المؤمنين إنما هو دبيب من سقم فيؤخذ بالكظم وتزل القدم ويقع الفوت والندم، فلا توبة تنال ولا عثرة تقال ولا يقبل فداء بمال.

* عن محمد بن القاسم بن خلاد قال: لما حج المهدي دخل مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يبق أحد إلا قام إلا ابن أبي ذئب, فقال له المسيب بن زهير: قم هذا أمير المؤمنين! فقال ابن أبي ذئب: إنما يقوم الناس لرب العالمين. فقال المهدي: دعه فقد قامت كل شعرة في رأسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت