فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 593

* عن أبي بكر الرقي قال: خرجت في وسط السنة إلى مكة, وأنا حدث السن, وفي وسطي نصف جل (1) , وعلى كتفي نصف جل, فرمدت عيني في الطريق, فكنت أمسح دموعي بالجل, فأقرح الجل الموضع, فكان يخرج الدم من الدموع, فمن شدة الإرادة, وقوة سروري بحالي لم أفرق بين الدموع, والدم وذهبت عيني في تلك الحجة, وكانت الشمس إذا أثرت في يدي قبلت يدي, ووضعتها على عيني سرورًا مني بالبلاء.

* عن سفيان بن عيينة قال: لو رأيت الذين كانوا يجالسوني، ابتليت بهؤلاء الصبيان, وأعطيتهم أسباب الفتنة, فأنا لا أكاد أن أتخلص منهم، حدثني عبد الله بن المبارك - وكان عاقلًا - عن أشياخ أهل الشام قالوا: من أعطي من أسباب الفتنة من نفسه أولًا لم ينج آخرًا, وإن كان جاهدًا.

* عن أبي حمزة - محمد بن إبراهيم الصوفي - قال: سافرت سفرة على التوكل، فبينما أنا أسير ذات ليلة, والنوم في عيني، إذ وقعت في بئر, فرأيتني قد حصلت فيها فلم أقدر على الخروج لبعد مرتقاها، فجلست فيها فبينما أنا جالس إذ وقف على رأسها رجلان فقال أحدهما لصاحبه: نجوز ونترك هذه في طريق السابلة والمارة؟ فقال الآخر: فما نصنع؟ قال: نطمها, قال فبدرت نفسي أن تقول: أنا فيها، فنوديت تتوكل علينا، وتشكو بلانا إلى سوانا؟ فسكت (1) . فمضيا ثم رجعا, ومعهما شيء جعلاه على رأسها غطوها به, فقالت لى نفسى: أمنت طمها ولكن حصلت مسجونا فيها، فمكثت يومي وليلتي فلما كان الغد ناداني شيء - يهتف بي ولا أراه - تمسك بي شديدًا، فمددت يدي فوقعت على شيء خشن فتمسكت به، فعلاها وطرحني، فتأملت فوق الأرض فإذا هو سبع؛ فلما رأيته لحق نفسي من ذلك ما يلحق من مثله، فهتف بي هاتف: يا أبا حمزة استنقذناك من البلاء بالبلاء، وكفيناك ما تخاف بما تخاف.

* عن أبي العيناء قال: كنت في أيام الواثق مقيما بالبصرة, فكنت يومًا في الوراقين بها إذ رأيت مناديًا مغفلًا في يده مصحف مخلق الأداة، فقلت له ناد عليه بالبراءة مما فيه - وأنا أعنى به أداته - فأقبل المنادي ينادي بذلك فاجتمع أهل السوق والمارة على المنادي وقالوا له: ياعدو الله تنادي على مصحف بالبراءة مما فيه؟ قال وأوقعوا به، فقال لهم: ذلك الرجل القاعد أمرني بذلك, قال فتركوا المنادي, وأقبلوا إليّ, وتجمعوا عليّ, ورفعوني إلى الوالي, وعملوا عليّ محضرًا, وكتب على أمري إلى السلطان، فأمر بحملي، فحملت مستوثقًا مني، قال: واتصل خبري بأبي عبد الله بن أبى دؤاد، فتكفل بأمري والفحص عما قرفت به، وأخذني إليه، ففكّ وثاقي، قال: وتجمعت العامة وبالغوا في التشنيع عليَّ ومتابعة رفع القصص في أمري، فقلت لابن أبى دؤاد: قد كثر تجمع هؤلاء الهمج عليّ وهم كثير، فقال:) كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ( [البقرة: من الآية249] . فقلت: قد بالغوا في التشنيع عليَّ فقال:) وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ( [فاطر: 43] قلت: فإني على غاية الخوف من كيدهم، ولن يخرج أمري عن يدك فقال:) لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ( [التوبة: 40] . فقلت: القاضي - أعزه الله - كما قال الصموت الكلابى:

لله درك _ أى جنّة خائف…ومتاع دنيا _أنت للحدثان

متخمط يطأ الرجال بنعله…وطء الفنيق دوارج القردان

ويكبهم حتى كأن رؤسهم…مأمومة تنحط للغربان

ويفرج الباب الشديد رتاجه…حتى يصير كأنه بابان

قال: يا غلام الدواة والقرطاس: اكتب هذه الأبيات عن أبى عبد الله. قال: فكتبت له، ولم يزل يتلطف في أمري حتى خلصني.

* قال المعافي: سمعت سفيان الثوري يقول: لا يذوق العبد حلاوة الإيمان حتى يأتيه البلاء من كل مكان.

* قال المعافي: سمعت سفيان الثوري يقول: لا يستكمل المؤمن حقيقة الإيمان حتى يأتيه البلاء من كل مكان.

(1) الجل -بكسر الجيم من المتاع- البسط والأكسية ونحوها، وبالضم ما تلبسه الدابة لتصان به.

(2) فعل الأسباب الشرعية لا ينافي التوكل على الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت