* عن أبي بكر البرقاني قال: دخلت اسفرايين ومعي ثلاثة دنانير ودرهم واحد, فضاعت الدنانير مني, وبقي معي الدرهم حسب, فدفعته إلى بقال, وكنت أخذ منه في كل يوم رغيفين, وأخذ من بشر بن أحمد جزءًا من حديثه, وأدخل مسجد الجامع فاكتبه, وأنصرف بالعشي, وقد فرغت منه, فكتبت في مدة شهر ثلاثين جزءًا, ثم نفذ ما كان لي عند البقال, فخرجت عن البلد.
* قال يحيى بن محمد بن يحيى الذهلي: دخلت على أبى في الصيف الصائف وقت القائلة وهو في بيت كتبه وبين يديه السراج وهو يصنف فقلت يا أبت: هذا وقت الصلاة ودخان هذا السراج بالنهار، فلو نفست عن نفسك. فقال لي: يا بنى تقول هذا وأنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين.
* قال أبو الحسن قال لي جدي: حضرت جنازة فذكرت هذا الحديث لقوم معي، فحدثني رجل من خلفي، فالتفت وإذا هو يحيى بن معين، فسلمت عليه فقال لي: يا أبا جعفر حدثني هذا عن أبى النضر. فإني ما كتبته عنه. فامتنعت من ذلك إجلالا لأبى زكريا، فما تركني حتى أجلسني في ناحية من الطريق وكتبه عني في ألواح كانت معه.
* عن نعيم بن حماد قال: كان عبد الله بن المبارك يكثر الجلوس في بيته, فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي وأصحابه؟!
* عن عبد الرحمن بن يوسف بن خراش الحافظ قال: شربت بولي في هذا الشأن - يعني الحديث - خمس مرات.
* قال الشافعي: لم يكن لي مال فكنت أطلب العلم في الحداثة اذهب إلى الديوان أستوهب الظهور أكتب فيها.
* عن صالح جزرة قال: كنت شارطت هشام بن عمار على أن أقرأ عليه كل ليلة بانتخابي ورقة, فكنت آخذ الكاغد الفرعوني, وأكتب مقرمطًا فكان إذا جاء الليل أقرأ عليه إلى أن يصلي العتمة, فإذا صلى العتمة يقعد, وأقرأ عليه, فيقول: يا صالح ليس هذه ورقة, هذه شقة!
* عن الأزهري قال: إن أبا الفضل بن المتوكل لازم أبا بكر بن أبي داود في سماع الحديث منه نيفًا وعشرين سنة, ومكث طول تلك المدة يشتهي أكل الهريسة في أول النهار فلا يتمكن من ذلك لبكوره إلى مجالس السماع. وقال لي علي بن أحمد بن عيسى المتوكل: قال لي هلال بن محمد الحفار: قال لي جدك عيسى بن موسى بن محمد المتوكل: مكثت ثلاثين سنة أشتهي أن أشارك العامة في أكل هريسة السوق, فلا أقدر على ذلك لأجل البكور إلى سماع الحديث.
* عن يحيى بن يزيد قال: مر شريك القاضي بالمستنير بن عمرو النخعي, فجلس إليه, فقال: يا أبا عبد الله من أدبك؟ قال: أدبتني نفسي, والله ولدت بخراسان ببخارى, فحملني ابن عم لنا حتى طرحني عند بني عم لي بنهر صرصر, فكنت أجلس إلى معلم لهم, فعلق بقلبي تعلم القرآن, فجئت إلى شيخهم, فقلت: يا عماه الذي كنت تجري عليَّ ههنا أجره عليَّ بالكوفة أعرف بها السنة, وقومي, ففعل. قال: فكنت بالكوفة أضرب اللبن، وأبيعه وأشترى دفاتر, وطروسًا, فأكتب فيها العلم, والحديث, ثم طلبت الفقه, فبلغت ما ترى. فقال المستنير بن عمرو لولده: سمعتم قول ابن عمكم, وقد أكثرت عليكم في الأدب, ولا أراكم تفلحون فيه, فليؤدب كل رجل منكم نفسه, فمن أحسن فلها, ومن أساء فعليها.
* عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل قال: منذ ولدت ما اشتريت من أحد بدرهم شيئًا قط, ولا بعت من أحد بدرهم شيئًا قط. فسألوه عن شراء الحبر والكواغد فقال: كنت آمر إنسانًا يشتري لي.
* عن محمد بن أبي حاتم الوراق قال: كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ أحيانًا، فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة في كل ذلك يأخذ القدّاحة فيوري نارًا بيده ويسرج, ثم يخرج أحاديث فيعلم عليها, ثم يضع رأسه، وكان يصلي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة يوتر بواحدة, وكان لا يوقظني في كل ما يقوم. فقلت له: إنك تحمل على نفسك كل هذا ولا توقظني؟ قال: أنت شاب فلا أحب أن أفسد عليك نومك. ورأيته استلقى على قفاه يومًا ونحن بفربر في تصنيف كتاب التفسير، وكان أتعب نفسه في ذلك اليوم في كثرة إخراج الحديث، فقلت له: يا أبا عبد الله سمعتك تقول يومًا: إني ما أتيت شيئًا بغير علم قط منذ عقلت، فأي علم في هذا الاستلقاء؟! فقال: أتعبنا أنفسنا في هذا اليوم، وهذا ثغر من الثغور خشيت أن يحدث حدث من أمر العدو فأحببت أن استريح وآخذ أهبة ذلك، فإن غافصنا العدو كان بنا حراك.
* عن محمد بن يوسف الفربري قال: كنت عند محمد بن إسماعيل البخاري بمنزله ذات ليلة فأحصيت عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها في ليلة ثماني عشرة مرة.
* عن إبراهيم الحربي قال: قطائعنا في المراوزه - يعني عندنا في الكابلية - كان لي فيها اثنين وعشرين دارًا وبستانًا. قال ابن حبيش: وكان يصف لنا نخلة نخلة ودارًا دارًا. قال: فبعتها وأنفقتها على الحديث, وورثت من خال بحولايا عشرين ومائة جريب فيها رطبة, فلم أفرغ لها, ولا ذهبت أخذت منها لا أصلًا ولا فرعًا, فما ذهبت إلى الآن.
* عن يحيى بن صالح قال: ما رأيت رجلًا أكبر نفسًا من إسماعيل بن عياش. كنا إذا أتينا إلى مزرعته لا يرضى لنا إلا بالخروف, والخبيص. وسمعته يقول: ورثت عن أبي أربعة آلاف دينار فأنفقتها في طلب العلم.
* عن خالد بن أحمد الأمير قال: أنفقت في طلب العلم أكثر من ألف ألف درهم.
* عن محمد بن جعفر بن رميس قال: بعت صفّ الحدادين ببغداد بثلاثة آلاف دينار، فأنفقتها كلها على الحديث.
* عن محمد بن الحسن قال: ترك أبي ثلاثين ألف درهم, فأنفقت خمسة عشر ألفًا على النحو والشعر، وخمسة عشر ألفا على الحديث والفقه.
* عن عبد الله بن عدي قال: ذكر أنه ابن عم ليحيى بن معين قال: كان معين على خراج الري, فمات فخلف لابنه يحيى ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم فأنفقه كله على الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه.
* عن أبي علي صالح بن محمد قال: ليس كتاب المغازي عند أحد أصح منه عند زياد البكائي, وزياد في نفسه ضعيف, ولكنه هو من أثبت الناس في هذا الكتاب, وذلك أنه باع داره, وخرج يدور مع بن إسحاق حتى سمع منه الكتاب.
* عن أحمد بن سلمة قال: عقد لأبي الحسين مسلم بن الحجاج مجلس للمذاكرة فذكر له حديث لم يعرفه فانصرف إلى منزله وأوقد السراج, وقال لمن في الدار: لا يدخلن أحد منكم هذا البيت. فقيل له: أهديت لنا سلة فيها تمر. فقال: قدموها إلي فقدموها إليه, فكان يطلب الحديث, ويأخذ تمرة تمرة يمضغها فأصبح وقد فني التمر, ووجد الحديث. قال محمد بن عبد الله: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مات.
* عن محمد بن إسماعيل الصائغ قال: كنت أصوغ مع أبي ببغداد, فمر بنا أحمد بن حنبل, وهو يعدو, ونعليه في يده, فأخذ أبى هكذا بمجامع ثوبه, فقال: يا أبا عبد الله ألا تستحي إلى متى تعدو مع هؤلاء الصبيان؟ قال: إلى الموت.
* عن الشافعي قال: أقمت في بطون العرب عشرين سنة آخذ أشعارها ولغاتها، وحفظت القرآن فما علمت أنه مر بي حرف إلا وقد علمت المعنى فيه والمراد ما خلا حرفين. قال الراوي: حفظت أحدهما ونسيت الآخر، أحدهما) دَسَّاهَا ( [الشمس: من الآية10] .
* عن إسماعيل الحيري قال: لما ورد بغداد كان قد اصطحب معه كتبه عازمًا على المجاورة بمكة, وكانت وقر بعير وفي جملتها صحيح البخاري, وكان سمعه من أبي الهيثم الكشمهيني عن الفربري, فلم يقض لقافلة الحجيج النفوذ في تلك السنة لفساد الطريق, ورجع الناس, فعاد إسماعيل معهم إلى نيسابور ولما كان قبل خروجه بأيام خاطبته في قراءة كتاب الصحيح فأجابني إلى ذلك, فقرأت جميعه عليه في ثلاثة مجالس: اثنان منها في ليلتين كنت أبتدأ بالقراءة وقت صلاة المغرب, وأقطعها عند صلاة الفجر, وقبل أن اقرأ المجلس الثالث عبر الشيخ إلى الجانب الشرقي مع القافلة, ونزل الجزيرة بسوق يحيى, فمضيت إليه مع طائفة من أصحابنا كانوا حضروا قراءتي عليه في الليلتين الماضيتين, وقرأت عليه في الجزيرة من ضحوة النهار إلى المغرب, ثم من المغرب إلى وقت طلوع الفجر, ففرغت من الكتاب, ورحل الشيخ في صبيحة تلك الليلة مع القافلة.
* عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: جئت أبا معاوية الضرير, ومعي مائة حديث أريد أن أقرأها عليه, فوجدت في دهليزه رجلًا ضريرًا, فقال لي: إنه قد جعل الإذن عليه اليوم إليَّ لينفعني, وأنت رجل جليل, فقلت له: معي مائة حديث فأنا أهب لك عنها مائة درهم, فقال: قد رضيت ودخل, واستأذن لي فدخلت, وقرأت المائة حديث, فقال لي أبو معاوية: الذي ضمنته لهذا يأخذه من أذناب الناس, وأنت من رؤسائهم, وهو ضعيف معيل, وأنا أحب منفعته. قلت: قد جعلتها له مائة دينار, فقال: أحسن الله جزاءك, فدفعتها إليه فأغنيته.
* عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: بقيت دهرًا من دهري أغلس في كل يوم إلى هشيم أو غيره من المحدثين فأسمع منه, ثم أصير إلى الكسائي أو الفراء أو ابن غزالة فأقرأ عليه جزءًا من القرآن, ثم آتي إلى منصور زلزل فيضاربني طريقين أو ثلاثة, ثم آتي عاتكة بنت شهدة فآخذ منه صوتًا أو صوتين, ثم آتي الأصمعي وأبا عبيدة فأناشدهما, وأحدثهما, وأستفيد منهما, ثم أصير إلى أبي فأعلمه ما صنعت, ومن لقيت, وما أخذت, وأتغدى معه, فإذا كان العشي رحلت إلى أمير المؤمنين الرشيد.
* عن علي بن زكريا بن صالح بن عاصم بن زفر البصري قال: مررت بالبصرة بباب عثمان بن أبي العاص الثقفي, فإذا الناس مجتمعون في منخل طحان, فملت إليهم لأنظر كما ينظر الغلمان, فإذا بهذا الشيخ, فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا خراش بن عبد الله خادم أنس بن مالك. قلت: كم له من سنة؟ قالوا: ثلاثون ومائة سنة, فزحمت الناس, ودخلت إليه وبين يديه جمعية يكتبون عنه, والباقون نظارة, فأخذت قلمًا من يد رجل, وكتبت هذه الثلاثة عشر حديثًا في أسفل نعلي.
* عن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة, فنزلت قريبًا من الأعمش, فلما كان ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل فمر بهذه الآية) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ ( [آل عمران:18،19] قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله, وأستودع الله هذه الشهادة, وهي لي عند الله وديعة إن الدين عند الله الإسلام. قالها مرارًا قلت: لقد سمع فيها بشيء, فغدوت إليه فودعته, ثم قلت: يا أبا محمد سمعتك ترددها. قال: وما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ سنة لم تحدثني. قال: والله لا أحدثك بها سنة. قال: وأرسلت متاعي, ولبثت على بابه, وأقمت سنة فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد: قد تمت السنة.
* عن أبي عبد الله الزبيري قال: كان أبو السائب المخزومي مع حسن بن زيد بالأنبار, وكان له مكرمًا وذلك في ولاية أبي العباس, فأنشده ليلة الحسن بن زيد أبياتًا لمجنون بني عامر:
وخبرتماني أن تيماء منزل…لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
قال: فجعل أبو السائب يحفظها, فلما انصرف إلى منزله تذكرها فشذ عنه بعضها, فرجع إلى الحسن بن زيد, فلما وقف على الباب صاح بأعلى صوته أبا فلان, فسمع ذلك الحسن. فقال: افتحوا الباب لأبي السائب, فقد دهاه أمر, فلما دخل عليه قال: أجاء من أهلنا خبر؟ قال: أعظم من ذاك. قال: ما هو ويحك؟ قال: تعيد عليَّ:
وخبرتماني أن تيماء منزل…لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
فأعادها عليه حتى حفظها.
* عن الأصمعي قال: مر أبو السائب ذات يوم بغلام من آل أبي لهب يردد بيتًا من شعر فاستمع له ففطن به الغلام, فأمسك, فقال له: فديتك أعد عليَّ هذا البيت. فقال: قد ذهب عني. قال: فإني لا أفارقك أبدًا حتى تذكره, فآخذه عنك, واتبع الغلام حتى عرف منزله, فمضى أبو السائب, فجاء بفراشه, ودثاره, فبسطه بباب الغلام, واستلقى عليه, ولج الغلام, فلم يخبره به ثلاثًا, وهو بمكانه حتى سأله فيه أقاربه, وجيرانه, وجعل الناس يجيئون أفواجًا ينظرون إلى أبي السائب, ويعجبون منه حتى إذا كان بعد ثلاث أخبره الغلام بالبيت, فجعل يردده حتى حفظه, ثم انصرف.
* عن أبي بكر بن أبي داود قال: دخلت الكوفة, ومعي درهم واحد, فاشتريت به ثلاثين مدًا باقلاء, فكنت آكل منه كل يوم مدًا, وأكتب عن أبي سعيد الأشج ألف حديث, فلما كان الشهر حصل معي ثلاثين ألف حديث. قال أبو ذر: من بين مقطوع, ومرسل وموقوف.