فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 593

كتب عبد الله بن المبارك وكان يرابط في ثغر من ثغور المسلمين إلى الفضيل بن عياض:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا…لعلمت أنك في العبادة تلعب

من كان يخضب خده بدموعه…فنحورنا بدمائنا تتخضب

أو كان يتعب خيله في باطل…فخيولنا يوم الصبيحة تتعب

ريح العبير لكم، ونحن عبيرنا…رهج السنابك والغبار الأطيب

ولقد أتانا من مقال نبينا…قول صحيح صادقٌ ... لا يكذب

لا يستوي وغبار أهل الله في…أنف امرئٍ ودخان نار تلهب

هذا كتاب الله ينطق بيننا…ليس الشهيد بميت لا يكذب

وقال آخر:

لا خيرَ في حقٍّ إذا لم تَحْمِه…حِلقُ الحديدِ وألسنُ النيرانِِ

وكان أبو محجن الثقفي قد حبس وقُيّد في القصر، فأتى سلمى بنت خَصفة امرأة سعد، فقال لها: هل لك إلى خير؟! قالت: وما ذاك؟ قال: تخلين عنّي وتعيرينني البلقاء ـ وهو فرس سعد ـ فللَّه عليّ إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في قيدي، وإن أُصِبت فما أكثر من أن أفلت، فقالت: ما أنا وذاك، فقال حزينًا على نفسه والأبطال في حلبة القادسية وهو مقيّد:

كفى حُزنًا أن تُرد الخيل بالقنا وأُترك مشدودًا عليَّ وثاقيا

إذا قُمت عنّاني الحديد وغُلقت…مصاريع دونِي قد تصمّ المناديا

وقد كنت ذا مالٍ كثيرٍ وإخوة…فقد تركونِي واحدًا لا أخا لِيا

وقد شق جسمي أنني كلَّ شارفٍ…أعالِج كبلًا مصمتًا قد برانيا

فللَّه درّي يوم أُتركَ موثقًا…ويذهل عنّي أُسرتي ورجاليا

حبست عن الحرب العوان وقد بدت…أعمال غيْري يوم ذاك العواليا

وللَّه عهد لا أخيس بعهده…لئن فُرّجت أن لا أزور الحوانيا

فسمعت سلمى زوجة سعد بن أبي وقاص منه وهو يردد هذه الأبيات فقالت: إني استخرت الله، ورضيت بعهدك، فأطلقته. قال سعد بعد أن رآه في المعركة أبلى بلاء حسناًٍ لولا أني تركت أبا محجن في القيود لقلت: إنها بعض شمائل أبي محجن، فقالت: والله، إنه لأبو محجن، كان من أمره كذا وكذا، فقصت عليه قصته. فدعا به، فحلّ قيوده، وقال: لا نجلدك على الخمر أبدا، قال أبو محجن: وأنا ـ والله ـ لا أشربها أبدًا.

وقال آخر:

يا بني قومنا سراعًا إلى الله…فقد فاز من يموت شهيدا

سارعوا سارعوا إلى جنة قد…فاز من جاءها شهيدًا سعيدا

والبسوا حلة من الكفن الغا…لي وبيعوا الحياة بيعًا مجيدا

وإلى كل مجاهد يجاهد لإعلاء كلمة الله، إلى المرابطين على ثغور الإسلام، إلى كل داعية يدعو إلى الله سبحانه وتعالى. نهديه هذه القصيدة للشهيد سيد قطب - نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكيه على الله:

أخي أنت حرٌّ وراء السدود…أخي أنت حرٌّ بتلك القيود

إذا كنت بالله مستعصما…فماذا يضيرك كيد العبيد؟!!

أخي: ستُبيد جيوش الظلام…ويُشرق في الكون فجر جديد

فأطلق لروحك إشراقها…ترى الفجر يرمقنا من بعيد

أخي: قد أصابك سهم ذليل…وغدرا رماك ذراع كليل

ستُبتَر يومًا فصبرٌ جميل…ولم يدمَ بعدُ عرين الأسود

أخي: قد سرت من يديك الدماء…أبت أن تُشلَّ بقيد الإماء

سترفع قربانها للسماء…مخضبة بوسام الخلود

أخي هل تُراك سئمت الكفاح؟ …وألقيتَ عن كاهليك السلاح

فمن للضحايا يواسي الجراح؟ …ويرفع راياتها من جديد

أخي: إنني اليوم صلب المراس…أدكُّ صخور الجبال الرواسي

غدا سأشيحُ بفأسي الخلاص رؤوس الأفاعي إلى أن تبيد

أخي: إن ذرفت عليَّ الدموع…وبللت قبري بها في خشوع

فأوقد لهم من رفاتي الشموع…وسيروا بها نحو مجد تليد

أخي: إنْ نمتْ نلقَ أحبابنا…فروضات ربي اُعدَّت لنا

وأطيارها رفرفت حولنا…فطوبى لنا في ديار الخلود

أخي إنني ما سئمتُ الكفاح…ولا أنا ألقيتُ عني السلاح

فإنْ أنا متُّ فإني شهيد…وأنت ستمضي بنصر مجيد

سأثار لكن لرب ودين…وأمضي على سنتي في يقين

فإما إلى النصر فوق الأنام…وإما إلى الله في الخالدين

قد اختارنا الله في دعوته…وإنا سنمضي على سنته

فمنا الذين قضوا نحبهم…ومنا الحفيظ على ذمته

أخي: فامضِ لا تلتفت للوراء…طريقك قد خضبته الدماء

ولا تلتفت هنا أو هناك…ولا تتطلع لغير السماء

يقول قطري بن الفجاءة:

أبا خالد انفر فلست بخالد…وما جعل الرحمن عذرًا لقاعد

أتزعم أن الخارجي على الهدى…وأنت مقيم بين لص وجاحد؟

ـــــــــــــــــــــــــــــ

كذا ذكر المؤلف هنا هذه النصوص وليست من مادة (تاريخ بغداد)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت