* عن على بن سراج قال: وكان محمد بن عبد الله بن علاثة صديقًا لسفيان الثوري، فلما ولي القضاء أنكر عليه سفيان ذلك، فأخبرني علي بن المحسن، أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر، حدثني عبد الباقي بن قانع، قال: حدثني بعض شيوخنا قال: استأذن ابن علاثة على سفيان الثوري بعد أن ولي القضاء، فدخل عمار بن محمد بن أخت سفيان يستأذن له علي سفيان، فلم يأذن له وكان سفيان يعجن كسبًا للشاة، فلم يزل به عمار حتى أذن له، فدخل ابن علاثة فلم يحول سفيان وجه إليه، ثم قال له: ابن علاثة ألهذا كتبت العلم؟ لو اشتريت صيدًا بدرهم ـ يعني سميكا ـ ثم درت في سكك الكوفة لكان خيرًا من هذا.
* عن عبد الله بن المبارك أنه كان يتجر في البز، وكان يقول: لولا خمسة ما اتجرت، فقيل له يا أبا محمد: من الخمسة؟ فقال: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة والفضيل بن عياض ومحمد بن السماك وابن علية، قال: وكان يخرج فيتجر إلى خراسان فكلما ربح من شيء أخذ القوت للعيال ونفقة الحج, والباقي يصل به إخوانه الخمسة قال: فقدم سنة فقيل له: قد ولي ابن علية القضاء، فلم يأته ولم يصله بالصرة التي كان يصله بها في كل سنة، فبلغ ابن علية أن ابن المبارك قد قدم, فركب إليه فتنكس على رأسه، فلم يرفع به عبد الله رأسا ولم يكلمه، فانصرف فلما كان من غد كتب إليه رقعة: أسعدك الله بطاعته وتولاك بحفظه وحاطك بحياطته، قد كنت منتظرًا لبرك وصلتك أتبرك بها, وجئتك أمس فلم تكلمني, ورأيتك واجدًا علي فأي شيء رأيت مني حتى أعتذر إليك منه؟! فلما وردت الرقعة على عبد الله بن المبارك دعا بالدواة والقرطاس وقال: يأبى هذا الرجل إلا أن نقشر له العصا، ثم كتب إليه:
يا جاعل الدين له با زيا…يصطاد أموال المساكين
احتلت للدنيا ولذاتها…بحيلة تذهب بالدين
فصرت مجنونا بها بعد ما…كنت دواء للمجانين
أين رواياتك في سردها…لترك أبواب السلاطين
أين رواياتك في سردها…عن ابن عون وابن سيرين
إن قلت أكرهت فماذا كذا…زل حمار العلم في الطين
فلما وقف ابن علية على هذه الأبيات قام من مجلس القضاء فوطئ بساط هارون وقال: يا أمير المؤمنين الله الله ارحم شيبتي؛ فإني لا أصبر للخطأ، فقال له هارون: لعل هذا المجنون أغرى عليك، فقال: الله الله أنقذني أنقذك الله، فأعفاه من القضاء، فلما اتصل بعبدالله بن المبارك ذلك وجه إليه بالصرة.
* عن ابن عمار قال: وكان بشر الحافي إذا جاء إلى حفص بن غياث، وإلى أبي معاوية اعتزل ناحية، ولا يسمع منهما، فقلت له: فقال حفص: هو قاض وأبو معاوية مرجئ يدعو إليه وليس بيني وبينهم عمل.
* عن يحيى بن يمان قال: لما ولي شريك القضاء أكره على ذلك، واقعد معه جماعة من الشرط يحفظونه، ثم طاب للشيخ فقعد من نفسه، فبلغ الثوري أنه قعد من نفسه فجاء فتراء له فلما رأى الثوري قام إليه فعظمه وأكرمه، ثم قال: يا أبا عبد الله هل من حاجة، قال: نعم مسألة. قال: أوليس عندك من العلم ما يجزيك. قال: أحببت أن أذكرك بها، قال: قل. قال: ما تقول في امرأة جاءت فجلست على باب رجل ففتح الرجل الباب فاحتملها ففجر بها لمن تحد منهما؟ فقال: لهو دونها؛ لأنها مغصوبة، قال: فإنه لما كان من الغد جاءت فتزينت وتبخرت وجلست على ذلك الباب ففتح الباب الرجل فرآها، فاحتملها ففجر بها لمن تحد منهما؟ قال: أحدهما جميعًا؛ لأنها جاءت من نفسها، وقد عرفت الخبر بالأمس، قال: أنت كان عذرك حيث كان الشرط يحفظونك، اليوم أي عذر لك؟ قال: يا أبا عبد الله أكلمك، قال: ما كان الله ليراني أكلمك أو تتوب، قال: ووثب فلم يكلمه حتى مات، وكان إذا ذكره قال: أي رجل كان لو لم يفسدوه.