* عن ابن الأعرابي قال: سأل رجل قاضي القضاة أحمد بن أبي داؤد آن يحمله على عير فقال: يا غلام أعطه عيرًا وبغلًا وبرذونًا وفرسًا وجارية، ثم قال: أما والله لو عرفت مركوبًا غير هذا لأعطيتك، فشكر له الرجل وقاد ذلك كله ومضى.
* قال أبو علي الروذباري الصوفي لنفسه بصور:
أهلا بمن زار فما واردٌ…أحق بالإكرام من زائر
ونحن لا نَسْأَمُ مَنْ أمَّنا…ونضمرُ الحزن على السائر
* عن أبي السائب قال: احتجت إلى لقحة فكتبت إلى محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أسأله أن يبعث إلى بلقحة، فإني لعلى بابي فإذا يزجر إبل، وإذا فيها عبد يزجر بها فقلت له: يا هذا ليس ها هنا الطريق. فقال: أردت أبا السائب، فقلت: فأنا أبو السائب، فدفع إليَّ كتاب محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فإذا فيه أتاني كتابك تطلب لقحة، وقد جمعت ما كان بحضرتنا منها، وهي تسع عشرة لقحة وبعثت معها بعبد راع وهن بدن، وهو حر إن رجع مما بعثت به شيء في مالي أبدًا. قال: فبعت منهن بثلاثمائة دينار سوى ما احتبست لحاجتي.
* عن يونس بن عبد الله الخياط قال: دخل ابن الخياط المكي على أمير المؤمنين المهدي، وقد مدحه فأمر له بخمسين ألف درهم فلما قبضها فرقها على الناس وقال:
أخذت بكفي كفه أبتغي الغنى…ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى…أفدت وأعداني فبددت ما عندي
فنمى إلى المهدي فأعطاه بدل كل درهم دينارًا.
* قال المهدي ـ أمير المؤمنين ـ: ما توسل إليَّ أحد بوسيلة ولا تذرع بذريعة هي أقرب إلي ما يحب من تذكيري يدًا سلفت مني إليه أتبعها، أختها وأحسن ربها لأن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل.
* عن إبراهيم الحربي وقد سألوه عن حديث عباس البقال فقال: أخرجت إلى الكبش ووزنت لعباس البقال دانقًا إلا فلسًا فقال: يا أبا إسحاق حدثني حديثًا في السخاء فلعل الله يشرح صدري، فأعمل شيئًا قال: فقلت له: نعم. روى عن الحسن بن علي أنه كان مارًا في بعض حيطان المدينة فرأى أسود بيده رغيف، يأكل لقمة ويطعم الكلب لقمة، إلى أن شاطره الرغيف فقال له الحسن: ما حملك على أن شاطرته ولم تغابنه فيه بشيء، فقال: استحت عيناي من عينيه أن أغابنه، فقال له: غلام من أنت؟ فقال: غلام أبان بن عثمان، فقال: والحائط، قال: لأبان بن عثمان. فقال له الحسن: أقسمت عليك لا برحت حتى أعود إليك، فمر واشترى الغلام والحائط، وجاء إلى الغلام فقال: يا غلام قد اشتريتك، قال: فقام قائمًا فقال: السمع والطاعة لله ولرسوله ولك يا مولاي. قال: وقد اشتريت الحائط، وأنت حر لوجه الله والحائط هبة مني إليك، قال: فقال الغلام: يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له، قال: فقال عباس البقال: أحسن والله يا أبا إسحاق لأبي إسحاق دانق إلا فلسًا أعطه بدانق ما يريد، فقلت: والله لا أخذت إلا بدانق إلا فلسًا.
* قال محمد بن عمر الجعابي الحافظ: قصدت عبدان الأهوازي فقصدت مسجده، فرأيت شيخًا وحده قاعدًا في المسجد ربعًا حسن الشيبة، عليه كساء بركان حسن، فذاكرني بأكثر من مائتي حديث في الأبواب، وكنت قد سلبت في الطريق فأعطاني الذي كان عليه، فلما دخل عبدان المسجد ورآه اعتنقه وبش به، فقلت لهم: من هذا الشيخ؟ قالوا: هذا أبو علي الروذباري، ثم كان له معاودة في الحديث، فرأيت من حفظه للحديث ما تعجبت.
* عن غسان قال: كان إبراهيم بن طهمان من أنبل من حدث بخراسان والعراق والحجاز وأوثقهم وأوسعهم علمًا، وقال أحمد: أخبرنا المسعودي وهو الفضل بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن مالك عن عمه غسان، قال: كان إبراهيم بن طهمان حسن الخلق واسع الأمر سخي النفس يطعم الناس ويصلهم ولا يرضى بأصحابه حتى ينالوا من طعامه. وقال: أخبرني الفضل بن عبد الله عن عبد الله بن مالك عن عمه غسان بن سليمان قال: كنا نختلف إلى إبراهيم بن طهمان إلى القرية فكان لا يرضى منا حتى يطعمنا، وكان شيخًا واسع القلب وكانت قريته باشان من القصبة على فرسخ.
* عن الأصمعي قال: قال لي رجل من أهل الشام، قدمت المدينة فقصدت منزل إبراهيم بن هرمة، فإذا بنية له صغيرة تلعب بالطين، فقلت لها: ما فعل أبوك؟ قالت: وفد إلى بعض الأجواد فما لنا به علم منذ مدة، فقلت: انحري لنا ناقة فإنا أضيافك قالت: والله ما عندنا، قلت: فشاة، قالت: والله ما عندنا، قلت: فدجاجة قالت والله ما عندنا، قلت فأعطينا بيضة، قالت: والله ما عندنا قلت: فباطل ما قال أبوك:
كم ناقة قد وجأت منحرها…بمستهل الشؤبوب أو جمل
قالت: فذلك الفعل من أبي هو الذي أصارنا إلى أن ليس عندنا شيء.
* عن صافي الحرمي الخادم مولى المعتضد قال: مشيت يومًا بين يدي المعتضد, وهو يريد دور الحرم, فلما بلغ إلى باب شغب أم المقتدر وقف يسمع ويطلع من خلل في الستر, فإذا هو بالمقتدر وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها, وهو جالس, وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه في السن, وبين يديه طبقة فضة فيه عنقود عنب في وقت فيه العنب عزيز جدًا, والصبي يأكل عنبة واحدة, ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة على الدور حتى إذا بلغ الدور إليه أكل واحدة مثل ما أكلوا حتى أفنى العنقود, والمعتضد يتميز غيظًا قال: فرجع ولم يدخل الدار, ورأيته مهمومًا فقلت: يا مولاي ما سبب ما فعلته, وما قد بان عليك؟ فقال: يا صافي, والله لولا النار والعار لقتلت هذا الصبي اليوم, فإن في قتله صلاحًا للأمة, فقلت: يا مولاي حاشاه, أي شيء عمل أعيذك بالله يا مولاي ألعن إبليس, فقال: ويحك أنا أبصر بما أقوله, أنا رجل قد سست الأمور, وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد, ولا بد من موتي, وأعلم أن الناس بعدي لا يختارون غير ولدي, وسيجلسون ابني عليًا يعني المكتفي, وما أظن عمره يطول للعلة التي به, فقال صافي: يعني الخنازير التي كانت في حلقه فيتلف عن قرب, ولا يرى الناس أخرجها عن ولدي, ولا يجدون بعده أكبر من جعفر فيجلسونه, وهو صبي وله من الطبع في السخاء هذا الذي قد رأيت من أنه أطعم الصبيان مثل ما أكل, وساوى بينه وبينهم في شيء عزيز في العالم, والشح على مثله في طباع الصبيان فيحتوي عليه النساء لقرب عهده بهن, فيقسم ما جمعته من الأموال كما قسم العنب, ويبذر ارتفاع الدنيا, ويخربها فتضيع الثغور, وتنتشر الأمور, وتخرج الخوارج, وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلًا, فقلت: يا مولاي بل يبقيك الله حتى ينشأ في حياة منك, ويصير كهلًا في أيامك, ويتأدب بآدابك, ويتخلق بخلقك, ولا يكون هذا الذي ظننت, فقال: احفظ عني ما أقوله, فإنه كما قلت. قال: ومكث يومه مهمومًا وضرب الدهر ضربته, ومات المعتضد, وولي المكتفي, فلم يطل عمره, ومات, وولي المقتدر, فكانت الصورة كما قاله المعتضد بعينها, فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر, وهو يشرب, ورأيته قد دعا بالأموال فأخرجت إليه, وحلت البدر, وجعل يفرقها على الجواري والنساء, ويلعب بها ويمحقها ويهبها, ذكرت مولاي المعتضد, وبكيت.
* عن راوية ابن هرمة قال: بعث إليّ ابن هرمة في وقت الهاجرة، صر إليّ فصرت إليه، فقال: اكتر حمارين إلى أربعة أميال من المدينة أين شئنا، فقلت: هذا وقت الهاجرة وأرض المدينة سبخة فأمهل حتى تبرد، فقال: لا لأن لابن جبر الحناط عليَّ مائة دينار قد منعتني القائلة، وضيقت على عيالي. فاكتريت حمارين فركبنا فمضيت معه حتى انتهينا إلى الحمراء قصر الحسن بن زيد: فصادفناه يصلي العصر، فأقبل على ابن هرمة فقال: ما جاء بك في هذا الوقت والحر شديد، فقال: لابن جبر الحناط عليَّ مائة دينار قد منعتني القائلة وضيقت على عيالي، وقد قلت شعرًا فاسمعه. فقال: قل. فأنشأ يقول:
أما بنو هاشم حولي فقد رفضوا…نيلي الصباب التي جمعت في قرن
فما بيثرب منهم من أعاتبه…إلا عوائد أرجوهن من حسن
الله أعطاك فضلًا من عطيته…علي هن وهن في ما مضى وهن
فقال: يا غلام افتح باب تمرنا فبع منه بمائة دينار، وأحضر بن جبر الحناط وليكن معه ذكر دينه، وماله على ابن هرمة، فحضر فأخذ منه ذكر دينه، فدفعه إلى ابن هرمة وسلم إلى ابن جبر مائة دينار؛ وقال: يا غلام بع بمائة دينار أخرى وادفعها إلى ابن هرمة يستعين بها على حاله. فقال له ابن هرمة: يا سيدي مر لي بحمل ثلاثين حمارًا تمرًا لعيالي، قال: يا غلام افعل ذلك. فانصرفنا من عنده، فقال لي: ويحك أرأيت نفسًا أكرم من هذه النفس، أو راحة اندى من هذه الراحة، فإنا لنسير على السيالة إذا غامز قد غمز ابن هرمة فالتفت إليه فإذا هو عبد الله بن حسن بن حسن، فقال: يا دعي الأدعياء أتفضل علي وعلى أبي الحسن بن زيد، فقال: والله ما فعلت هذا.
* عن يانس بن عبدالله الخادم قال: سأل محمد بن عبد الملك الزيات أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي عرض رقعة على الحسن بن سهل، فعرضها عليه، فقال له: الحسن نحن في شغل عن هذا. فقال له أبو دلف: مثلك أطال الله بقاءك لا يشتغل عن محمد بن عبد الملك، فقال لخازنه: احمل مع أبي دلف إليه عشرين ألف درهم، قال: فلما وصلت إلى محمد كتب إليه بهذين البيتين:
أعطيتني يا ولي الحق مبتديًا…عطية كافأت مدحي ولم ترني
ما شمت برقك حتى نلت ريقه…كأنما كنت بالجدوى تبادرني
فعرضها أبو دلف على الحسن بن سهل، فقال: يا غلام احمل إلى محمد خمسة آلاف دينار.
* عن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: حدثني بعض ولد الحسن بن سهل أنه رأى سقاء يمر في داره فدعا به، فقال: ما حالتك؟ فشكا ضيقه وذكر أن له ابنة يريد زفافها فأخذ ليوقع له بألف درهم، فأخطأ فوقع بألف ألف درهم، فأتى بها السقاء وكيله فأنكر ذلك وتعجب أهله منه واستعظموه وتهيبوا مراجعته، فأتوا غسان بن عباد بن عباد وكان غسان أيضًا من الكرماء فأتى الحسن بن سهل فقال له: أيها الأمير إن الله لا يحب المسرفين، فقال له الحسن: ليس في الخير إسراف ثم ذكر أمر السقاء، فقال: والله لا رجعت عن شيء خطته يدي فصولح السقاء على جملة منها ودفعت إليه.
* عن أبي الشيخ قال: قدمت الكوفة أريد الحج فجئت الحسن بن عمارة أسلم عليه، فقال لي: إنه ليس شيء من آلة الحج إلا وعندنا منه شيء، فخذ حاجتك، فقلت له: ما احتاج إلى شيء قد هيأت بواسط جميع ما احتاج إليه فهي معي فدعا غلامًا شاميًا من أهل شاطًا، فقال: هذا غلام جبار قل من يسلك هذا الطريق بمثله، خذه فهو لك فأبيت، وقلت: ما أفعل به فجهدني فأبيت، وما أشك أنه قد كان يسوي يومئذ ألف درهم.
* عن أبي الشيخ قال: كان بالكوفة رجل غريب يكتب الحديث، وكان يختلف إلى الحسن بن عمارة يكتب عنه، فجاءه فودعه ليخرج إلى بلاده، وقال له: إن في نفقتي قلة فكتب له الحسن رقعة وقال: اذهب بها إلى الفرات إلى وكيل لنا هناك يبيع القار، فادفعها إليه فظن الرجل أنه قد كتب له بدريهمات فإذا هو قد كتب له بخمسمائة درهم.
* عن الحسن المسوهي قال: كنت آوي باب الكناس كثيرًا وكنت أقرب من مسجد ثم أتفيأ فيه من الحر واستكن فيه من البرد، فدخلت يومًا، وقد كان كظني الحر واشتد علي فتفيأت فغلبتني عيني فنمت، فرأيت كأن سقف المسجد قد انشق، وكأن جارية قد تدلت علي من السقف، عليها قميص فضة يتخشخش ولها ذؤابتان، قال: فجلست عند رجلي فقبضت رجلي عنها فمدت يدها فنالت رجلي، فقلت لها: يا جارية لمن أنت؟ قالت أنا لمن دام على ما أنت عليه.
* عن الحسين بن الوليد قال: ويقول من تعشى عندي فقد أكرمني ثم إذا تعشوا أخرج إليهم الصرة.
* عن مسبح بن حاتم قال: سمعت سوار بن عبد الله القاضي يقول: إن كان عنده، قال: نعم. وإن لم يكن عنده قال: يقضى الله ولا يقول لا.
ما قال لا قط إلا في تشهده…لولا التشهد لم تسمع له لا
* عن محمد بن إسحاق السراج قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: وهب المهدي لشعبة ثلاثين ألف درهم يقسمها، واقطعه ألف جريب بالبصرة، فقدم البصرة فلم يجد شيئًا يطيب له فتركها.
* عن عمرو بن حكام قال: أتى شعبة شيخ من جيرانه محتاج فسأله، فقال له شعبة: لِمَ سألتني؟ عندي شيء؟ قال: فذهب الشيخ لينصرف فقال له شعبة: اذهب فخذ حماري فهو لك، فقال: لا أريد حمارك. قال: اذهب فخذه، قال: فذهب فأخذه فمر به على مجالس أصحابنا، بني حبلة فاشتراه بعضهم بخمسة دراهم فأهداه إلى شعبة.
* عن محمد بن سلام قال: خرج شبيب بن شيبة من دار المهدي فقيل له: كيف تركت الناس، قال: تركت الداخل راجيًا والخارج راضيًا.
* عن أبي الحسن الجاماستي قال: قال لي رجل بخراسان: قال: صديق لي رأيت رجلًا بمرو في يوم جمعة بحال سيئة ثم رأيته في الجمعة الأخرى على برذون، فقلت له: ما الخبر؟ فقال: أنا على باب طاهر بن الحسين منذ ثلاث سنين، التمس الوصول إليه فيتعذر ذلك حتى قال لي بعض أصحابه يومًا: إن الأمير يركب اليوم في الميدان للعب بالصوالجة. فقلت: اليوم أصل إليه فصرت إلى الميدان فرأيت الوصول متعذر، وإذا فرجة من بستان فالتمست الوصول منها إلى الميدان، فلما سمعت الحركة وضرب الصوالجة ألقيت نفسي من الثلمة، فنظر إليَّ فقال: من أنت؟ فقلت: أنا بالله وبك أيها الأمير إياك قصدت ومنك اطلب، وقد قلت بيتي شعر. فقال: هاتهما. واقبل ميكال إليَّ فزجره عني فأنشدته:
أصبحت بين خصاصة وتجمل…والحر بينهما يموت هزيلا
فامدد إليَّ يدًا تعود بطنها…بذل النوال وظهرها التقبيلا
فأمر لي بعشرة آلاف درهم وقال: هذه ديتك ولو كان ميكال أدركك لقتلك وهذه عشرة آلاف درهم لعيالك، امض لشأنك ثم قال: سدوا هذه الثلم لا يدخل إلينا منها أحد.
* عن محمد بن الفضل بن محمد بن منصور قال: لما افتتح عبد الله بن طاهر مصر، ونحن معه سوغه المأمون خراجها سنة، فصعد المنبر فلم ينزل حتى أجاز بها كلها ثلاثة آلاف ألف دينار أو نحوها، فقبل أن ينزل أتاه معلي الطائي، وقد اعلموه ما صنع عبد الله بن طاهر بالناس في الجوائز، وكان عليه واجدًا فوقف بين يديه تحت المنبر فقال: أصلح الله الأمير أنا معلي الطائي، ما كان مني من جفاء وغلظة فلا يغلظ عليَّ قلبك ولا يستخفنك ما قد بلغك. أنا الذي أقول:
يا أعظم الناس عفوًا عند مقدرة…وأظلم الناس عند الجود للمال
لو يصبح النيل يجرى ماؤه ذهبًا…لما أشرت إلى خزن بمثقال
تعني بما فيه رق الحمد تملكه…وليس شيء أعاض الحمد بالغالي
تفك بالأسر كف العسر من زمن…إذا استطال على قوم بإقلال
لم تخل كفك من جود لمختبط…أو مرهف قاتل في راس قتال
وما بثثت رعيل الخيل في بلد…إلا عصفن بأرزاق وآجال
هل من سبيل إلى أذن فقد ظمئت…نفسي إليك فما تروى إلى حال
إن كنت منك على بال مننت به…فإن شكرك من حمدي على بال
ما زلت مقتضيًا لولا مجاهرة…من ألسن خضن في صبري بأقوال
قال: فضحك عبد الله وسر بما كان منه، وقال: يا أبا السمراء بالله أقرضني عشرة آلاف دينار فما أمسيت أملكها فأقرضه فدفعها إليه.
* عن أحمد بن أبي طاهر قال: إن عبد الله بن طاهر لما خرج إلى المغرب كان معه كاتبه أحمد بن نهيك، فلما نزل دمشق أهديت إلى أحمد بن نهيك هدايا كثيرة في طريقه وبدمشق، وكان يثبت كل ما يهدى إليه في قرطاس ويدفعه إلى خازن له فلما نزل عبد الله بن طاهر دمشق، أمر أحمد بن نهيك أن يعود عليه بعمل كان أمره أن يعمله فأمر خازنه أن يخرج إليه قرطاسًا فيه العمل الذي أمر بإخراجه ويضعه في المحراب بين يديه لئلا ينساه وقت ركوبه في السحر، فغلط الخازن فأخرج إليه القرطاس الذي فيه ثبت ما أهدي إليه فوضعه في المحراب فلما صلى أحمد بن نهيك الفجر، أخذ القرطاس من المحراب ووضعه في خفه فلما دخل على عبد الله سأله عما تقدم إليه من إخراجه العمل الذي أمره به؛ فأخرج الدرج من خفه فدفعه إليه، فقرأه عبد الله من أوله إلى آخره وتأمله ثم أدرجه ودفعه إلى أحمد بن نهيك وقال له: ليس هذا الذي أردت فلما نظر أحمد بن نهيك فيه اسقط في يديه، فلما انصرف إلى مضربه وجه إليه عبد الله بن طاهر يعلمه أنه قد وقفت على ما في القرطاس فوجدته سبعين ألف دينار، واعلم أنه قد لزمتك مؤونة عظيمة غليظة في خروجك ومعك زوار وغيرهم، وإنك تحتاج إلى برهم وليس مقدار ما صار إليك يفي بمؤونتك، وقد وجهت إليك بمائة ألف دينار لتصرفها في الوجوه التي ذكرتها.
* عن أبي هفان قال: حدثني أبي قال: دخل العتابي على عبد الله بن طاهر فأنشده:
حسن ظني وحسن ما عود الله…سواي بك الغداة أتى بي
أي شيء يكون أحسن من حسن…يقين حدا إليك ركابي
فأمر له بجائزة ثم دخل عليه مرة أخرى فأنشده:
جودك يكفيك في حاجتي…ورؤيتي تكفيك مني السؤال
فكيف أخشى الفقر ما عشت لي…وإنما كفاك لي بيت مال
فأجازه أيضًا ثم دخل عليه اليوم الثالث فأنشده:
أكسنى ما يبيد أصلحك الله…فإني أكسوك ما لا يبيد
فأجازه وكساه وحمله.
* عن الحسن بن خضر عن أبيه قال: دخل رجل على المنصور فقال: أقول له حين واجهته عليك السلام أبا جعفر، فقال له المنصور: وعليك السلام، فقال:
فأنت المهذب من هاشم…وفي الفرع منها الذي يذكر
فقال له المنصور: ذاك رسول الله، فقال:
فهذي ثيابي قد أخلقت…وقد عضني زمن منكر
فألقى إليه المنصور ثيابه وقال هذه بدلها.
* عن عمر بن حفص قال: خرج ابن المبارك من بغداد يريد المصيصة فصحبه الصوفية، فقال لهم: أنتم لكم أنفس تحتشمون أن ينفق عليكم، يا غلام هات الطست فألقى على الطست منديلًا، ثم قال: يلقى كان رجل منكم، تحت المنديل ما معه، قال: فجعل الرجل يلقي عشرة دراهم والرجل يلقى عشرين، فانفق عليهم إلى المصيصة، فلما بلغ المصيصة قال: هذه بلاد نفير فنقسم ما بقي فجعل يعطي الرجل عشرين دينارًا فيقول: يا أبا عبد الرحمن إنما أعطيت عشرين درهمًا فيقول وما تنكر أن يبارك الله للغازي في نفقته.
* عن علي بن الحسن بن شقيق قال: كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج اجتمع عليه إخوانه من أهل مرو، فيقولون: نصحبك يا أبا عبد الرحمن، فيقول لهم: هاتوا نفقاتكم فيأخذ نفقاتهم فيجعلها في صندوق، فيقفل عليها ثم يكتري لهم ويخرجهم من مرو إلى بغداد، فلا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام وأطيب الحلواء، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي وأجمل مروءة، حتى يصلوا إلى مدينة الرسول؛ فإذا صاروا إلى المدينة، قال لكل رجل منهم: ما أمروك عيالك أن تشتري لهم من المدينة من طرفها؟ فيقول: كذا فيشتري لهم، ثم يخرجهم إلى مكة، فإذا وصلوا إلى مكة وقضوا حجهم قال لكل واحد منهم ما أمروك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة؟ فيقول: كذا وكذا. فيشتري لهم ثم يخرجهم من مكة فلا يزال ينفق عليهم إلى أن يصيروا إلى مرو؛ فإذا وصل إلى مرو جصص أبوابهم ودورهم فإذا كان بعد ثلاثة أيام صنع لهم وليمة وكساهم، فإذا أكلوا وسروا دعا بالصندوق ففتحه ودفع إلى كل رجل منهم صرته بعد أن كتب عليها اسمه.
* عن سلمة بن سليمان قال: جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك فسأله أن يقضي دينًا عليه فكتب له إلى وكيل له، فلما ورد عليه الكتاب قال له الوكيل: كم الدين الذي سألت فيه عبد الله أن يقضيه عنك؟ قال: سبعمائة درهم فكتب إلى عبد الله أن هذا الرجل سألك أن تقضي عنه سبعمائة درهم، وكتبت له سبعة آلاف درهم، وقد فنيت الغلات. فكتب إليه عبد الله إن كانت الغلات قد فنيت، فإن العمر أيضًا قد فني فأجز له ما سبق به قلمي.
* عن محمد بن عيسى قال: كان عبد الله بن المبارك كثير الاختلاف إلى طرسوس، وكان ينزل الرقة في خان، فكان شاب يختلف إليه ويقوم بحوائجه ويسمع منه الحديث، قال: فقدم عبد الله الرقة مرة فلم ير ذلك الشاب، وكان مستعجلًا فخرج في النفير فلما قفل من غزوته ورجع الرقه سأل عن الشاب قال: فقالوا إنه محبوس لدين ركبه، فقال عبد الله: وكم مبلغ دينه، فقالوا: عشرة آلاف درهم، فلم يزل يستقصي حتى دل على صاحب المال فدعا به ليلًا ووزن له عشرة آلاف درهم، وحلفه أن لا يخبر أحدًا ما دام عبد الله حيًا، وقال: إذا أصبحت فاخرج الرجل من الحبس، وأدلج عبد الله فاخرج الفتى من الحبس، وقيل له: عبد الله بن المبارك كان هاهنا وكان يذكرك وقد خرج فخرج الفتى في أثره فلحقه على مرحلتين أو ثلاث من الرقة، فقال: يا فتى أين كنت؟ لم أرك في الخان، قال: نعم يا أبا عبد الرحمن، كنت محبوسًا بدين قال: فكيف كان سبب خلاصك؟ قال: جاء رجل فقضى ديني ولم أعلم له حتى أخرجت من الحبس. فقال له عبد الله: يا فتى أحمد الله على ما وفق لك من قضاء دينك، فلم يخبر ذلك الرجل أحدًا، إلا بعد موت عبد الله.
* عن أبي علي الكاتب قال: مات عبد الرحمن بن عائشة سنة سبع وعشرين ومائتين، فخرج أبوه إلى سر من رأى لأخذ ميراثه فنزل بقرب دار ابن أبي داؤد، فكان الناس يقصدون ابن أبي داؤد ويجدون ابن عائشة قريبًا، فيدخلون إليه فكثر امتنانهم عليه بذلك فقال ابن عائشة:
سأكشف عن تسليم أهل مودتي…لهم مكشفا لا يستفيد لهم حمدا
ففرق ما بين المحبين أنني…ممر لإخواني وآتيهم قصدا
وأقام مديدة فلم يرض أيضًا فعل ابن أبي داؤد، وانصرف إلى البصرة.
* عن دينار مولى أنس قال: صنع أنس لأصحابه طعامًا فلما طعموا قال: يا جارية هاتي المنديل، فجاءت بمنديل درن. فقال: اسجري التنور واطرحيه فيه ففعلت، فابيضّ، فسألناه عنه، فقال: إن هذا كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - وإن النار لا تحرق شيئًا مسته أيدي الأنبياء.
* عن محمد بن زكريا الغلابي قال: كنت عند ابن عائشة فجاءه رجل فسأله أن يهب له شيئًا، فنزع جبة سعيدية كانت عليه تساوي ستة دنانير أو سبعة دنانير فدفعها إليه، فقال له وكيله: يا أبا عبد الرحمن ما أخوفني عليك أن تموت فقيرًا قال: وكيف ذلك؟ قال: كانت لك ست جبات فوهبتها وبقيت لك هذه وحدها فوهبتها، وهذا الشتاء مقبل فقال: إليك عني فإني أريد أن أكون كما قال الأول:
وفتى خلا من ماله…ومن المروءة غير خال
أعطاك قبل سؤاله…وكفاك مكروه السؤال
وإذا رأى لك موعدًا…كان الفعال مع المقال
لله درك من فتى…ما فيك من كرم الخصال
* عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: قال جدي: أنفق ابن عائشة على إخوانه أربعمائة ألف دينار في الله حتى التجأ إلى أن باع سقف بيته.
* عن الحسن بن كثير قال: قدم رجل إلى البصرة فسأل عن أجود أهل البصرة، فقيل له: ابن عائشة قال: فسأله عنه، فقيل له عليه دين وقد جلس في داره، قال: فجاء إلى حاجبه ومعه رقعة فقال: توصل هذه الرقعة إلى أبي عبد الرحمن فأخذها فأوصلها إليه فإذا فيها مكتوب:
إذا كان الجواد له حجاب…فما فضل الجواد على البخيل
قال: فقرأها ابن عائشة وكتب تحتها:
إذا كان الجواد عديم مال…ولم يعذر تعلل بالحجاب
* عن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: أمر موسى الهادي لابن داب ذات ليلة بثلاثين ألف دينار، فلما أصبح ابن داب وجه قهرمانه يطالب بالمال، فلقي الحاجب فأبلغه رسالته فأعلمه أن ذلك ليس إليه وأنه يحتاج إلى توقيع فأمسك ابن داب، فبينا موسى يعني الهادي في مستشرف له إذ نظر إلى ابن داب قد أقبل وليس معه غلام، فقال لإبراهيم الحراني: أما ترى ابن داب ما غير من حاله ولا تزيى لنا، وقد بررناه بالأمس لير أثرنا عليه، فقال له إبراهيم: إن أمرني أمير المؤمنين عرضت له بشيء من هذا، قال: لا. هو أعلم بأمره ودخل ابن داب فأخذ في حديثه إلى أن عرض له الهادي بشيء من أمره، فقال: أرى ثوبك غسيلًا و هذا شتاء يحتاج إلى لبس الجديد واللين، فقال: يا أمير المؤمنين باعي قصير عما أحتاج إليه، فقال: كيف ذاك وقد صرفنا إليك من برنا ما فيه صلاح شأنك؟ قال: ما وصل إليَّ، فدعا بصاحب بيت مال الخاصة فقال: عجل الساعة له بثلاثين ألف دينار فحملت بين يديه.
* عن أبي خازم قال: كان عيسى رجلًا سخيًا جدًا وكان يقول: والله لو أتيت برجل يفعل في ماله كفعلي في مالي لحجرت عليه، قال: وقدم إليه رجل محمد بن عباد المهلبي فادعى عليه أربعمائة دينار، فسأله عيسى عما ادعاه عليه، فأقر له بذلك، فقال له الرجل: احبسه لي. فقال له عيسى: أما الحبس فواجب ولكني لا أرى حبس أبي عبد الله وأنا أقدر على فدائه من مالي، فغرمها عنه عيسى من ماله.
* عن عبد الله بن أبي أيوب المكي قال: بعث أبو أيوب المكي بعض ولده إلى عمارة بن حمزة، فأدخله الحاجب. قال: ثم أدناني إلى ستر مسبل، فقال: أدخل، فدخلت، فإذا هو مضطجع محول وجهه إلى الحائط فقال لي الحاجب: سلم، فسلمت فلم يرد عليَّ، فقال الحاجب: أذكر حاجتك فقلت: لعله نائم قال: لا أذكر حاجتك، فقلت له: جعلني الله فداك أخوك يقرئك السلام ويذكر دينًا بهظني وستر وجهي ولولاه لكنت مكان رسولي، فسل أمير المؤمنين قضاءه عني، فقال: وكم دين أبيك، قلت: ثلاثمائة ألف درهم، قال: وفي مثل هذا أكلم أمير المؤمنين يا غلام! احملها معه وما التفت إليَّ ولا كلمني بغير هذا.
* عن الفضل ابن الربيع قال: كان أبي يأمرني بملازمة عمارة ابن حمزة قال: فاعتل عمارة وكان المهدي سيء الرأي فيه، فقال له أبي يومًا: يا أمير المؤمنين مولاك عمارة عليل وقد أفضى إلى بيع فرشه وكسوته، فقال: غفلت عنه وما كنت أظن بلغ هذا الحال، احمل إليه خمسائة ألف درهم يا ربيع وأعلمه أن له عندي بعدها ما يجب، قال: فحملها إليّ من ساعته، وقال لي: اذهب بها إلى عمك، وقل له: أخوك يقرئك السلام ويقول أذكرت أمير المؤمنين أمرك فاعتذر من غفلته عنك، وأمر لك بهذه الدراهم، وقال: لك عندي بعدها ما تحب قال: فأتيته ووجهه إلى الحائط فسلمت، فقال لي: من أنت؟ فقلت: ابن أخيك الفضل بن الربيع، فقال: مرحبًا بك فأبلغته الرسالة، فقال: قد كان طال لزومك لنا وقد كنا نحب أن نكافيك على ذلك، ولم يمكنا قبل هذا الوقت، انصرف بها فهي لك قال فهبته أرد عليه، فتركت البغال على بابه وانصرفت إلى أبي، فأعلمته الخبر. فقال لي: يا بني خذها بارك الله لك عمارة ليس ممن يراد، فكان أول ما ملكته.
* عن الفضل بن يحيى قال: حل على أبي من مال الأهواز للرشيد ثلاثة آلاف ألف درهم، فأرسل إليه إن أنت حملت ما وجب عليك ـ وهو ثلاثة آلاف ألف درهم في يومنا هذا ـ وقت العصر وإلا أنفذت إليك من يجيئني برأسك، قال: فقال لي: يا بني قد ترى ما نحن فيه، والله ما عند أبيك عشرها وإن لم أحملها فقد طل دم أبيك، فامض إلى عمارة بن حمزة فسله أن يقرضنا ذلك؛ بعد أنه تحدثه الحديث فإن فعل وإلا فليس غير القتل، قال: فمضيت إليه فسمع كلامي واعرض عني ولم يجبني فانصرفت من بين يديه، فلم أصل إلى منزلي إلا وقد سبقني المال، فلما كان بعد ذلك وتحصل المال، قال لي أبي: امض إلى هذا الكريم، واحمل المال بين يديك واشكره على فعله، قال: فحملته ومضيت إليه فشكرته، وسألته أن يأمر بقبض المال. فقال لي: كالمغضب أتظن كنت قسطارًا لأبيك اذهب فهو لك، قال: فذهبت به إلى أبي وعرفته ما جرى، فقال لي: يا بني والله ما تسمح نفسي لك بذلك، ولكن خذ ألف ألف درهم واترك ألفي ألف درهم.
* عن إدريس بن معقل قال: اجتمع على باب أبي دلف جماعة من الشعراء، فمدحوه وتعذر عليهم الوصول إليه وحجبهم حياء لضيقة نزلت به، فأرسل إليهم خادمًا له يعتذر إليهم، ويقول: انصرفوا في هذا السنة وعودوا في القابلة، فإني أضعف لكم العطية وأبلغكم الأمنية فكتبوا إليه:
أي هذا العزيز قد مسنا الدهر…بضر وأهلنا أشتات
وأبونا شيخ كبير فقير…ولدينا بضاعة مزجات
قل طلابها فبارت علينا…وبضاعتنا بها الترهات
فاغتنم شكرنا وأوف لنا الكيل…وتصدق علينا فإننا أموات
فلما وصل إليه الشعر ضحك، وقال: علي بهم فلما دخلوا قال: أبيتم ألان تضربوا وجهي بسورة يوسف والله إني لمضيق ولكني أقول: كما قال الشاعر:
لقد خبرت إن عليك دينًا…فزد في رقم دينك واقض ديني
يا غلام: اقترض لي عشرين ألفا بأربعين وفرقها فيهم.
* سعيد بن حميد قال: كان ابن أبي داؤد قد اصطنع أبا دلف واحتبسه بحيلة من يد الافشين، وقد دعا بالسيف ليقتله فكان أبو دلف يصير إليه كل يوم يشكره، وكان ابن أبي داؤد يقول به، ويصفه، فقال له المعتصم: إن أبا دلف حسن الغناء جيد الضرب بالعود، فقال: يا أمير المؤمنين القاسم في شجاعته وبيته في العرب يفعل هذا، قال: نعم. وما هو هذا؟ هو أدب زائد فيه، فكأن ابن أبي داؤد عجب من ذلك، فأحب المعتصم أن يسمعه ابن أبي داؤد، فقال له: يا قاسم غني، فقال: والله ما أستطيع ذلك وأنا أنظر إلى أمير المؤمنين هيبة له وإجلالًا فقال: لابد من ذلك، واجلس من وراء ستارة. فكان ذلك أسهل عليه، فضربت ستارة وجلس أبو دلف يغني ووجه المعتصم إلى ابن أبي داؤد فحضر واستدناه وجعل أبو دلف يغني وأحمد يسمع ولا يدري من يغني، فقال له: المعتصم كيف تسمع هذا الغناء يا أبا عبد الله، فقال: أمير المؤمنين أعلم به مني ولكني اسمع حسنًا فغمز المعتصم غلامًا، فهتك الستارة وإذا أبو دلف، فلما رأى المعتصم وابن أبي داؤد وثب قائمًا وأقبل على ابن أبي داؤد، فقال: إني أجبرت على هذا. فقال: لولا دربتك في هذا، من أين كنت تأتي بمثل هذا؟ هبك أجبرت على أن تغني من أجبرك على أن تحسن.
* عن الواقدي قال: كنت حناطًا بالمدينة في يدي مائة ألف درهم للناس أضارب بها، فتلفت الدراهم، فشخصت إلى العراق، فقصدت يحيى بن خالد فجلست في دهليزه، وآنست الخدم والحجاب وسألتهم أن يوصلوني إليه. فقالوا: إذا قدم الطعام إليه لم يحجب عنه أحد، ونحن ندخلك عليه ذلك الوقت. فلما حضر طعامه أدخلوني فأجلسوني معه على المائدة فسألني، من أنت وما قصتك؟ فأخبرته، فلما رفع الطعام وغسلنا أيدينا دنوت منه لأقبل رأسه فاشمأز من ذلك، فلما صرت إلى الموضع الذي يركب منه، لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار. فقال: الوزير يقرأ عليك السلام ويقول لك: استعن بها على أمرك وعد إلينا في غد، فأخذته وانصرفت وعدت في اليوم الثاني فجلست معه على المائدة، وأنشأ يسألني كما سألني في اليوم الأول. فلما رفع الطعام دنوت منه لأقبل رأسه فاشمأز منه، فلما صرت إلى الموضع الذي يركب منه، لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار فقال: الوزير يقرأ عليك السلام ويقول: استعن بهذا على أمرك وعد إلينا في غد، فأخذته وانصرفت وعدت في اليوم الثالث، فأعطيت مثلما أعطيت في اليوم الأول والثاني، فلما كان في اليوم الرابع أعطيت الكيس كما أعطيت قبل ذلك، وتركني بعد ذلك أقبل رأسه. وقال: إنما منعتك ذلك لأنه لم يكن وصل إليك من معروفي ما يوجب هذا، فالآن قد لحقت بعض النفع مني، يا غلام أعطه الدار الفلانية، يا غلام افرشها الفرش الفلاني. يا غلام أعطه مائتي ألف درهم، يقضي دينه بمائة ألف، ويصلح شأنه بمائة ألف، ثم قال لي: إلزمني وكن في داري. فقلت: أعود إلى حضرتك كان ذلك أرفق بي. فقال: قد فعلت. وأمر بتجهيزي فشخصت إلى المدينة، فقضيت ديني ثم رجعت إليه، فلم أزل في ناحيته.
* عن الواقدي قال: صار إلي من السلطان ستمائة ألف درهم ما وجبت عليَّ فيها الزكاة!
* عن قتيبة بن سعيد قال: كان الليث بن سعد يستغل عشرين ألف دينار في كل سنة، وقال: ما وجبت علي زكاة قط، وأعطى ابن لهيعة ألف دينار وأعطى مالك بن أنس ألف دينار، وأعطى منصور بن عمار ألف دينار وجارية تسوى ثلاثمائة دينار، قال: وجاءت امرأة إلى الليث فقالت: يا أبا الحارث إن ابنا لي عليل، واشتهي عسلًا. فقال: يا غلام أعطها مرطًا من عسل والمرط عشرون ومائة رطل.
* عن أبي صالح قال: سألت امرأة الليث بن سعد منًا من عسل فأمر لها بزق، فقال له كاتبه: إنما سألت منًا، فقال إنها سألتني على قدرها فأعطيناها على قدر السعة علينا.
* عن يحيى بن إسحاق السيلحيني، قال: جاءت امرأة بسكرجة إلى الليث بن سعد فطلبت منه فيها عسلًا أحسبه قال: لمريض. قال: فأمر من يحمل معها زقًا من عسل، قال: فجعلت المرأة تأبى، قال: وجعل الليث يأبى إلا أن يحمل معها زقًا من عسل، وقال: نعطيك على قدرنا أو على ما عندنا.
* عن الليث ابن الليث قال: خرجت مع أبي حاجًا، فقدم المدينة فبعث إليه مالك بن أنس بطبق رطب، قال: فجعل على الطبق ألف دينار ورده إليه.
* عن الحسن بن محمد بن يحيى العلوي قال: حدثني جدي قال: وكان موسى بن جعفر سخيًا كريمًا وكان يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار، وكان يصر الصرر ثلاثمائة دينار وأربعمائة دينار ومائتي دينار، ثم يقسمها بالمدينة، وكان مثل صرر موسى بن جعفر إذا جاءت الإنسان الصرة فقد استغنى.
* عن محمد بن عبد الله البكري قال: قدمت المدينة أطلب بها دينًا فأعياني فقلت: لو ذهبت إلى أبي الحسن موسى بن جعفر فشكوت ذلك إليه، فأتيته بنقمي في ضيعته فخرج إلي ومعه غلام له معه منسف، فيه قديد مجزع ليس معه غيره، فأكل وأكلت معه، ثم سألني عن حاجتي، فذكرت له قصتي فدخل فلم يقم إلا يسيرًا حتى خرج إلي فقال لغلامه: اذهب فمد يده إلي فدفع إلي صرة فيها ثلاثمائة دينار، ثم قام فولى فقمت فركبت دابتي وانصرفت.
* قال عيسى بن محمد بن مغيث القرظي: زرعت بطيخا وقثاء وقرعا في موضع بالجوَّانية على بئر يقال لها: أم عظام، فلما قرب الخير، واستوى الزرع، بغتني الجراد، فأتى على الزرع كله، وكنت غرمت على الزرع وفي ثمن جملين مائة وعشرين دينارا، فبينما أنا جالس طلع موسى بن جعفر بن محمد فسلم ثم قال: أيش حالك؟ فقلت: أصبحت كالصريم بغتني الجراد فأكل زرعي، قال: وكم غرمت فيه؟ قلت: مائة وعشرين دينارا مع ثمن الجملين، فقال: يا عرفة زن لأبي المغيث مائة وخمسين دينارا، فربحك ثلاثين دينارا والجملين، فقلت: يا مبارك ادخل وادع لي فيها، فدخل ودعا، وحدثني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تمسكوا ببقايا المصائب» ثم علقت عليه الجملين وسقيته، فجعل الله فيها البركة زكت فبعت منها بعشرة آلاف.
* قال أبو عثمان المازني: حدثني صاحب شرطة معن قال: بينا أنا على رأس معن إذا هو براكب يوضع، قال: فقال معن: ما أحسب الرجل يريد غيري قال: ثم قال لحاجبه: لا تحجبه، قال: فجاء حتى مثل بين يديه قال: فقال:
أصلحك الله قلّ ما بيدي…فما أطيق العيال إذ كثروا
ألح دهر رمى بكلكله…فأرسلوني إليك وانتظروا
قال: فقال معن ـ وأخذته أريحية ـ: لا جرم والله لأعجلن أوبتك، ثم قال: يا غلام ناقتي الفلانية: وألف دينار فدفعها إليه وهو لا يعرفه.
* عن أبي عثمان قال: ولى أبو جعفر قثم ـ يعني رجلًا من ولد العباس ـ فأتاه أعرابي فقال:
يا قثم الخير جزيت الجنة…أكس بنياتي وأمهن…أقسم بالله لتفعلن
قال: فقال: والله لا أفعل، فقال الأعرابي: لكن لو أقسمت على معن لأبر قسمي، فبلغت الكلمة معنًا فبعث إليه ألف دينار.
* عن أسد بن عفير ـ أخو سعيد بن عفير ـ قال: أخبرني رجل من أهل هذا الشأن ثقة من أهل المروءة والأدب، قال: جاء رجل إلى وكيع بن الجراح فقال له: إني أمت إليك بحرمة قال: ما حرمتك؟ قال: كنت تكتب من محبرتي في مجلس الأعمش. قال: فوثب وكيع فدخل منزله فأخرج له صرة فيها دنانير، فقال: أعذرني فإني ما أملك غير هذا.
* عن الهثيم بن علي قال: جاء رجل إلى معروف فقال: يا أبا محفوظ هذه عشرة دنانير أرسل بها إليك فلان، قال: نعم فارددها عليه، قال: لا أفعل أتخوف أن يحدث عليها شيء فاضمنها، قال: ضعها في حجرك في حجرة، قال: فدخل سائل يسأل فقال: ادفعها إليه قال: كلها، قال: كلها، قال: كلها، قال: كلها، إني آمرك أن تدفعها إلي، قال: نعم. قال: فأنا آمرك أن تدفعها إلى هذا. قال: فدفعها إليه فأخذها وذهب.