* أمر الواثق لعشرة من بني هاشم بعشرة آلاف درهم على يد بن أبي داود, ودفعها إليهم, فكلمه نظراؤهم, ففرق فيهم عشرة آلاف درهم لعشرة مثل أولئك من عنده على أنها من عند الواثق, فبلغه ذلك فقال له: يا أبا عبد الله ما لنا أكثر من مالك, فلم تغرم وتضيف ذلك إلينا؟! فقال: والله يا أمير المؤمنين لو أمكنني أن أجعل ثواب حسناتي لك, وأجهد في عمل غيرها لفعلت, فكيف أبخل بمال أنت ملكتنيه على أهلك الذين يكثرون الشكر, ويتضاعف فيهم الأجر؟! قال: فوصله بمائة ألف درهم, ففرق جميعها في بني هاشم.
* مر إبراهيم بن أدهم بسفيان الثوري - وهو قاعد مع أصحابه-، قال سفيان لإبراهيم: تعال حتى أقرأ عليك علمي, قال: إني مشغول بثلاث عن طلب العلم، فما هذه الثلاث؟ قال: إني مشغول بالشكر لما أنعم عليّ، وبالاستغفار لما سلف من ذنوبي، وبالاستعداد للموت. قال سفيان: ثلاث, وأي ثلاث!!
* عن أبي حامد قال: كتب إلي قاضي مربذ:
لا يغلون عليك الحمد في ثمن فليس حمد وإن أثمنت بالغالي
الحمد يبقى على الأيام ما بقيت والدهر يذهب بالأحوال والمال
* عن الجنيد قال: سألني سري السقطي: ما الشكر؟ فقلت: أن لا يستعان بنعمه على معاصيه. فقال: هو ذاك يا أبا القاسم.
* عن الجنيد قال: كنت بين يدي السري السقطي ألعب, وأنا ابن سبع سنين, وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر, فقال لي: يا غلام ما الشكر؟ فقلت: أن لا يعصي الله بنعمه. فقال لي: أخشى أن يكون حظك من الله لسانك. قال الجنيد: فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها السرى لي.
* عن ذي النون المصري قال: اعلموا أن الذي أقام الحياء من الله معرفته بإحسانه إليهم, وعلمهم بتضييع ما افترض من شكره, فليس لشكره نهاية.
* أكل سفيان ليلة فشبع فقال: إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله فقام حتى أصبح.
* عن سنان قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب حين توجه إلى الشام قال: وجرير بن سهم التميمي أمامه يقول:
يا فرسي سيري وأمى الشاما ... وقطعي الأحفار والأعلاما
وقاتلي من خالف الإماما ... إني لأرجو إن لقينا العاما
أن نقتل العاصي والهماما ... وأن نزيل من رجال هاما
قال: ولما وصلت إلى المدائن قال جرير:
عفت الرياح على رسوم ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد
فقال له علي بن أبي طالب: كيف قلت يا أخا بني تميم؟ قال: فردد عليه البيت. قال: أفلا قلت:) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ. كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ( [الدخان:25، 28] أي أخي: هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين. إن هؤلاء كفروا النعم, فحلت بهم النقم, ثم قال: إياكم وكفر النعم. قالها ثلاثًا, فتحل بكم النقم, فنزل وقال: هيئوا إلي ماء أصب عليّ. قال: فهيئوا له ماء, فدخل فإذا صور في الحائط. قال: كأن هذه كانت كنيسة! قالوا: نعم, كان يشرك فيها الله كثيرًا. قال: وكان يذكر فيها الله كثيرًا. قال: فأبى أن يغتسل, فحولوا له إلى موضع آخر, فاغتسل.
* عن شبيب بن شيبة قال: قال لي أبو جعفر, وكنت في سماره: يا شبيب عظني, وأوجز. قال: قلت: يا أمير المؤمنين, إن الله لم يرض من نفسه بأن يجعل فوقك أحدًا من خلقه, فلا ترض له من نفسك بأن يكون عبد هو أشكر منك. قال: والله لقد أوجزت وقصرت. قال: قلت: والله لئن كنت قصرت, فما بلغت كنه النعمة فيك.
* عن محمد بن علي قال: لما صار صالح إلى أصبهان, وكنت معه أخرجني هو ودخل أصبهان, فبدأ بمسجد الجامع, فدخله, وصلى ركعتين, واجتمع الناس, والشيوخ, وجلس, وقرئ عهده الذي كتب له الخليفة جعل يبكي بكاء شديدًا حتى غلبه, فبكى الشيوخ الذين قربوا منه, فلما فرغ من قراءة العهد جعل المشايخ يدعون له, ويقولون له: ما ببلدنا أحد إلا وهو يحب أبا عبد الله, ويميل إليك. فقال لهم: تدرون ما الذي أبكاني ذكرت أبي أن يراني في مثل هذا الحال, وكان عليه السواد. قال: كان أبي يبعث خلفي إذا جاءه رجل زاهد أو رجل متقشف لأنظر إليه يحب أن أكون مثله, أفتراني مثله؟! ولكن الله يعلم ما دخلت في هذا الأمر إلا لدين قد غلبني, وكثرة عيال, أحمد الله وكان صالح غير مرة إذا انصرف من مجلس الحكم يترك سواده, ويقول لي: تراني أموت وأنا على هذا؟
* عن صدقة المقابري ذكر شيئًا من أمر المعاش فقال: لا ترضى ولا تشكر إذ لم يذلك بالسجود لغيره.
* نظر أمير المؤمنين السفاح في المرآة, وكان من أجمل الناس وجهًا فقال: اللهم إني لا أقول كما قال عبد الملك: أنا الملك الشاب, ولكن أقول: اللهم عمرني طويلًا في طاعتك ممتعًا بالعافية, فما استتم كلامه حتى سمع غلامًا يقول لغلام آخر: الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام, فتطير من كلامه, وقال: حسبي الله لا قوة إلا بالله عليه توكلي وبه استعين, فما مضت الأيام حتى أخذته الحمى, فجعل يوم يتصل إلى يوم حتى مات بعد شهرين وخمسة أيام.
* رأيت عبد الله بن مسلم القنطري وقد سأله فقير شيئًا فأخرج من كمه كيسًا مفتوحًا, ثم وضع رأسه على الأرض, ورجليه على الحائط, ثم قال له: لا تأخذه مني إلا وأنا هكذا؛ شكرًا لله على سؤالك إياي.
* عن أحمد بن أبي داود قال: يعجبني قول المأمون إذا رفع الطعام من بين يديه: الحمد لله الذي جعل أرزاقنا أكثر من أقواتنا, وقوله عند شرب الماء البارد شرب الماء بالثلج إلى إخلاص الحمد.
* كتب أبو الفرج الببغاء إلى سيف الدولة يشكره, وقد خلع عليه, وحمله: إن شكري نعمة الله عليَّ بما جدده من ملاحظة سيدنا الأمير أيده الله حالي, وتداركه بطبيب التطول مرض آمالي مالا أؤمل مع المبالغة والإغراق فيه فك نفسي بحال من رق أياديه. غير أني أحسن لها النظر, وأجمل عندها الأحدوثة, والخبر بالدخول في جملة الشاكرين, والارتسام بفضيلة المخلصين إذ كان أدام الله عزه قد نصر نباهتي على الخمول, واستنقذني من التعبد للتأميل, ولذلك أقول:
فصرت أمسك عن أوصاف نعمته ... عجزا وتنطق عن آثارها حالي
لما تحصنت من دهري بخلعته ... سمت بحملانه ألحاظ إقبالي
وواصلتني صلات منه رحت بها ... أختال ما بين عز الجاه والمال
فلينظر الدهر عقبي ما صبرت له ... إذ كان من بعض حسادي وعذالي
ألم أكده بحسن الانتظار إلى ... أن صنت حظي عن حط وترحال؟
بلغت من لا يحوز السؤل نائله ... ولا يدافع عن فضل وإفضال
يا عارضا لم أشم مذ كنت بارقه ... إلا رويت بغيث منه هطال
رويد جودك قد ضاقت به هممي ... ورد عني برغم الدهر إقلالي
لم يبق لي أمل أرجو نداك به ... دهري، لأنك قد أفنيت آمالي
* عن عبد الأعلى بن حماد النرسي قال: قدمت على المتوكل بسر من رأى, فدخلت عليه يومًا, فقال لي: يا أبا يحيى قد كنا هممنا لك بأمر, فتدافعت الأيام به, فقلت: يا أمير المؤمنين سمعت مسلم بن خالد المكي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: (من لم يشكر الهمة لم يشكر النعمة) وأنشدته:
لأشكرنك معروفا هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا أذمك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف
فجذب الدواة فكتبها, ثم قال: ينجز لأبي يحيى ما كنا هممنا له به, وهو كذا ويضعف لخبره هذا.
* عن أبي نظرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها.
* عن أبي جعفر محمد الصفار قال: رأيت منصور بن عمار في منامي, فقلت له: يا منصور بن عمار ما صنع بك ربك؟ قال: لا تقل ما صنع بك ربك, ولكن قل يا منصور كيف نجوت؟ قال: لقيت ربي, فقال لي: يا منصور أصبت فيك تخليطًا كثيرًا غير أني وجدتك تحببني إلى خلقي. يا منصور قل لبشر بن حارث: لو سجدت لي على الجمر ما أديت شكري, وأخبر بشر بذلك, فبكى بشر, ثم قال: وكيف أؤدي شكر ربي؟!