فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 593

دور العالم في توجيه طلابه:

* عن عبد الله بن أحمد قال: لم يسمع أبي من شعيب بن حرب ببغداد إنما سمع منه بمكة، قال أبي: جئنا إليه أنا وأبو خيثمة, وكان ينزل مدينة أبي جعفر على قرابة له، قال فقلت: لأبي خيثمة سله، قال: فدنا إليه فسأله فرأى كمه طويلًا، فقال: من يكتب الحديث يكون كمه طويلًا! يا غلام هات الشفرة, قال: فقمنا ولم يحدثنا بشيء.

* كان شعبة يتفقد أصحاب الحديث. فقال يومًا: ما فعل ذاك الغلام الجميل ـ يعني شبابة ـ؟

* قال محمد بن إسحاق: رأيت أبا سلمة بن عبد الرحمن يأخذ بيد الصبي من الكتاب فيذهب به إلى البيت فيملي عليه الحديث يكتب له.

* عن أبي إسحاق الحربي قال: كان هشيم رجلًا كان أبوه صاحب صحبنا يقال له بشير فطلب ابنه هشيم الحديث فاشتهاه, وكان أبوه يمنعه, فكتب الحديث حتى جالس أبا شيبة القاضي فكان يناظر أبا شيبة في الفقه, فمرض هشيم فقال أبو شيبة: ما فعل ذلك الفتى الذي كان يجيء إلينا؟ قالوا: عليل. قال: فقال: قوموا بنا حتى نعوده, فقام أهل المجلس جميعًا يعودونه حتى جاؤوا إلى منزل بشير, فدخلوا إلى هشيم, فجاء رجل إلى بشير ويده في الصحناة, فقال: الحق ابنك قد جاء القاضي إليه يعوده, فجاء بشير, والقاضي في داره, فلما خرج قال لابنه: يا بنى قد كنت أمنعك من طلب الحديث, فأما اليوم فلا, صار القاضي يجيء إلى بابي, متى أملت أنا هذا؟!

* قال ابن جريج: أتيت عطاء, وأنا أريد هذا الشأن, وعنده عبد الله بن عبيد بن عمير, فقال لي عبد الله بن عبيد: قرأت القرآن؟ قلت: لا. قال: فاذهب فاقرأ القرآن, ثم اطلب العلم. قال: فذهبت, فعبرت زمانًا حتى قرأت القرآن, ثم جئت إلى عطاء, وعنده عبد الله بن عبيد, فقال: تعلمت القرآن, أو قرأت كل القرآن؟ قلت: نعم. قال: تعلمت الفريضة؟ قلت: لا. قال: فتعلم الفريضة, ثم اطلب العلم. قال: فطلبت الفريضة, ثم جئت, فقال: تعلمت الفريضة؟ قلت: نعم. قال: الآن فاطلب العلم. قال: فلزمت عطاء سبع عشرة سنة.

* قال إسحاق بن إبراهيم: جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش فقال: يا أبا بكر ألا تحدث الناس؟ قال: قد حدثت الناس خمسين سنة. ثم قال أبو بكر للرجل: اقرأ) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( [الإخلاص:1] فقرأ ثم قال: الثانية, فقرأ حتى بلغ عشرين مرة, فكأن الرجل وجد في نفسه من ذلك, فقال: أنا لا أضجر وقد حدثت الناس خمسين سنة وأنت في ساعة تضجر.

* عن الفضل بن غانم قال: كان أبو يوسف مريضًا شديد المرض فعاده أبو حنيفة مرارًا فصار إليه آخر مرة فرآه مقبلًا فاسترجع, ثم قال: لقد كنت أؤملك بعدي للمسلمين ولئن أصيب الناس بك ليموتن معك علم كثير, ثم رزق العافية وخرج من العلة, فأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة فارتفعت نفسه وانصرفت وجوه الناس إليه, فقعد لنفسه مجلسًا في الفقه وقصر عن لزوم مجلس أبي حنيفة, فسأل عنه, فأخبر أنه قد قعد لنفسه مجلسًا, وأنه قد بلغه كلامك فيه فدعا رجلًا كان له عنده قدر فقال: صر إلى مجلس يعقوب فقل له: ما تقول في رجل دفع إلى قصار ثوبًا ليقصره بدرهم, فصار إليه بعد أيام في طلب الثوب فقال له القصار: مالك عندي شيء, وأنكره ثم إن رب الثوب رجع إليه فدفع إليه الثوب مقصورًا أله أجرة؟ فإن قال: له أجرة فقل: أخطأت, وإن قال لا أجرة له فقل: أخطأت. فصار إليه فسأله فقال أبو يوسف: له الأجرة. فقال: أخطأت. فنظر ساعة ثم قال: لا أجرة له. فقال: أخطأت, فقام أبو يوسف من ساعته, فأتى أبا حنيفة فقال له: ما جاء بك إلا مسألة القصار. قال: أجل. قال: سبحان الله من قعد يفتي الناس وعقد مجلسًا يتكلم في دين الله وهذا قدره لا يحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات! فقال: يا أبا حنيفة علمني. فقال: إن كان قصره بعد ما غصبه فلا أجرة له لأنه قصره لنفسه, وإن كان قصره قبل أن يغصبه فله الأجرة لأنه قصره لصاحبه, ثم قال: من ظن أنه يستغني عن التعلم فليبك على نفسه.

* عن يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف القاضي قال: توفي أبي إبراهيم بن حبيب وخلفني صغيرًا في حجر أمي فأسلمتني إلى قصار أخدمه فكنت ادع القصار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة فاجلس أستمع, فكانت أمي تجيء خلفي إلى الحلقة فتأخذ بيدي وتذهب بي إلى القصار, وكان أبو حنيفة يعني بي لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم, فلما كثر ذلك على أمي وطال عليها هربي قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك هذا صبي يتيم لا شيء له, وإنما أطعمه من مغزلي, وآمل أن يكسب دانقًا يعود به على نفسه. فقال لها أبو حنيفة: مري يا رعناء هذا هوذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق فانصرفت عنه وقالت له: أنت شيخ قد خرفت, وذهب عقلك, ثم لزمته فنفعني الله بالعلم ورفعني حتي تقلدت القضاء, وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته فلما كان في بعض الأيام قدم إلي هارون فالوذجه فقال لي هارون: يا يعقوب كل منه فليس كل يوم يعمل لنا مثله. فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه فالوذجة بدهن الفستق فضحكت. فقال لي: ممَ ضحكت؟ فقلت: خيرًا أبقى الله أمير المؤمنين. قال: لتخبرني وألح عليه فخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها فعجب من ذلك وقال: لعمري إن العلم ليرفع وينفع دينًا ودنيا, وترحم على أبي حنيفة وقال: كان ينظر بعين عقله مالا يراه بعين رأسه.

* عن أبي يوسف قال: كنت أطلب الحديث والفقه, وأنا مقل رث الحال فجاء أبي يومًا وأنا عند أبي حنيفة فانصرفت معه. فقال: يا بني لا تمدن رجلك مع أبي حنيفة فإن أبا حنيفة خبزه مشوي, وأنت تحتاج إلى المعاش فقصرت عن كثير من الطلب آثرت طاعة أبي فتفقدني أبو حنيفة وسأل عني فجعلت أتعاهد مجلسه, فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه. قال لي: ما شغلك عنا؟ قلت: الشغل بالمعاش وطاعة والدي جلست فلما انصرف الناس دفع إلي صرة, وقال: استمتع بهذه فنظرت فإذا فيها مائة درهم. فقال لي: الزم الحلقة وإذا نفذت هذه فأعلمني فلزمت الحلقة فلما مضت مدة يسيرة دفع إلي مائة أخرى, ثم كان يتعاهدني, وما أعلمته نحلة قط ولا أخبرته بنفاذ شيء وكان كأنه يخبر بنفاذها حتى استغنيت, وتمولت. وحكي أن والد أبي يوسف مات وخلف أبا يوسف طفلًا صغيرًا وأن أمه هي التي أنكرت عليه حضوره حلقة أبي حنيفة.

* قال أبو العيناء محمد بن القاسم: أتيت عبد الله بن داود الخريبي فقال: ما جاء بكم؟ قلت: الحديث. قال: اذهب فتحفظ القرآن. قال: قلت: قد حفظت القرآن. قال: اقرأ) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ( [يونس: من الآية71] . قال: فقرأت العشر حتى أنفدته. قال: فقال لي: اذهب الآن فتعلم الفرائض، قال: قلت: قد تعلمت الصلب والجد والكبر. قال: فأيما أقرب إليك؟ ابن أخيك أو ابن عمك؟ قال: قلت: ابن أخي. قال: ولِمَ؟ قال: قلت: لأن أخي من أبي وعمي من جدي. قال: اذهب الآن فتعلم العربية، قال: قلت: علمتها قبل هذين. قال: فلِمَ قال عمر بن الخطاب ـ يعني حين طعن ـ يال الله يال المسلمين، لم فتح تلك وكسر هذه؟ قال قلت: فتح تلك اللام على الدعاء وكسر هذه على الاستغاثة والاستنصار. قال فقال: لو حدثت أحدًا حدثتك.

* عن خلف بن هشام قال: أتيت سليم بن عيسى لأقرأ عليه قال: وكان بين يديه قوم فأظنهم سبقوني, فلما جلست قال لي: من أنت؟ قلت: خلف. فقال لي: بلغني أنك تريد الترفع في القراءة, فلست آخذ عليك شيئًا. قال: فكنت أحضر المجلس, ولا يأخذ علي شيئًا. قال: فبكرت يومًا في الغلس, وخرج, فقال: من هاهنا يتقدم يقرأ, فتقدمت فجلست بين يديه. قال: فاستفتحت سورة يوسف وهي من أشد القرآن إعرابًا, فقال لي: من أنت فما سمعت أقرأ منك؟! فقلت: أنا خلف, فقال لي: فعلتها ما يحل لي أن أمنعك, اقرأ. قال: فكنت أقرأ عليه حتى قرأت يومًا حم المؤمن, فلما بلغت إلى قوله:) وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ( [غافر: من الآية7] بكى بكاء شديدًا, ثم قال لي: يا خلف أما ترى ما أعظم حق المؤمن تراه نائمًا على فراشه, والملائكة يستغفرون له.

* عن أبي زيد الهروي قال: كنا عند شعبة, فجاءه رجل فسأله عن حديث, وكانت في الرجل عجلة, فقال شعبة: يجيء الرجل فيسألني عن الحديث كمثل قوم مروا على دار, فقالوا: ما أحسنها, ودخلها رجل فتخيرها بيتًا بيتًا. لا والله حتى يلزمني كما لزمني هذا, وروح بن عبادة بين يديه, وهو يومئ إليه.

* عن الكسائي قال: أتى الأعمش رجل, فقال أقرأ عليك؟ قال: اقرأ. وكان الأعمش يقرأ عليه عشرون آية, فقرأ عليه عشرين وجاوز, فقال: لعله يريد الثلاثين, فجاوز الثلاثين حتى بلغ المائة, ثم سكت فقال له الأعمش: اقرأ فوالله إنه مجلس لا عدت إليه أبدًا.

* عن سعيد بن تركان بدمشق قال: صحبت أنا, وأخي علي يعقوب بن الوليد بعد صحبته الجنيد, فما عظم في قلوبنا أحد ولا تجاوز حد الجنيد لأنه كان مؤدبنا تأديب شفقة, والآخرون كانوا يؤدبونا تأديب رياضة, وإظهار أستاذية.

* عن أبي عبد الله بن بطة العكبري قال: انحدرت لأقرأ على أبي بكر بن مجاهد, فوافيت إلى مسجده, فجلست فيه بالقرب منه, فلما قرأ الجماعة نظرت, فإذا سبقي بعيد, فدنوت منه, وقلت: يا أستاذ خذ عليَّ, فقال: ليس السبق لك. فقلت له: أنا غريب, وينبغي أن تقدمني. فقال: لعمري, من أي بلد أنت؟ فقال: من بلد يقال له عكبرا. فقال لأصحابه: بلد غريب, ما سمعنا به, ومسافة شاسعة, ثم ضحك, فالتفت إليَّ, فقال لي: لا رد الله غربتك, مع أمك تغديت وجئت إليَّ.

* قال محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي: كنت عند أبي حفص أحمد بن حفص أسمع كتاب الجامع ـ جامع سفيان ـ في كتاب والدي فمر أبو حفص على حرف ولم يكن عندي ما ذكر، فراجعته فقال: الثانية كذلك، فراجعته الثانية, فقال: كذلك، فراجعته الثالثة, فسكت سويعة, ثم قال: من هذا؟ قالوا: هذا ابن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبة. فقال أبو حفص: هو كما قال, واحفظوه فإن هذا يومًا يصير رجلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت