* عن محمد بن سيرين قال: حج بنا أبو الوليد, ونحن سبعة ولد سيرين, فمر بنا على المدينة, فلما دخلنا على زيد بن ثابت قيل له: هؤلاء بنو سيرين. قال: فقال زيد: هذان لأم, وهذان لأم, وهذان لأم, وهذا لأم. قال: فما أخطأ, وكان معبد أخًا لمحمد لأمه.
* عن ابن عرفة قال: بلغني أن المهدي لما فرغ من بناء عيسى باذ ركب في جماعة يسير لينظر, فدخله مفاجأة, وأخرج من كان هناك من الناس, وبقي رجلان خفيا عن أبصار الأعوان, فرأى المهدي أحدهما, وهو دهش ما يعقل, فقال: من أنت؟ قال: أنا. . أنا. . أنا. قال: ويلك, من أنت؟ قال: لا أدري. قال: ألك حاجة؟ قال: لا .. لا. قال: أخرجوه أخرج الله نفسه, فدفع في قفاه, فلما خرج قال لغلام له: اتبعه من حيث لا يعلم, فاسأل عن أمره ومهنته, فإني أخاله حائكًا, فخرج الغلام يقفوه, ثم رأى الآخر فاستنطقه, فأجابه بقلب جريء ولسان منبسط, فقال: من أنت؟ فقال: رجل من أبناء رجال دعوتك. قال: فما جاء بك إلى ها هنا؟ قال: جئت لأنظر إلى هذا البناء الحسن, فأتمتع بالنظر, وأكثر الدعاء لأمير المؤمنين بطول المدة, وتمام النعمة, ونماء العز والسلامة. قال: أفلك حاجة؟ قال: نعم, خطبت ابنة عمي, فردني أبوها, وقال: لا مال لك, والناس يرغبون في الأموال, وأنا بها مشعوف, ولها وامق. قال: قد أمرت لك بخمسين ألف درهم. قال: جعلني الله فداءك يا أمير المؤمنين, قد وصلت فأجزلت الصلة, ومننت فأعظمت المنة, فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه, وآخر أيامك خيرًا من أولها, وأمتعك بما أنعم به, وأمتع رعيتك بك, فأمر أن تعجل له صلته, ووجه ببعض خاصته معه, وقال: سل عن مهنته, فإني أخا له كاتبًا, فرجع الرسولان معًا فقال الأول: وجدت الأول حائكًا, وقال الآخر: وجدت الرجل كاتبًا فقال المهدي: لم تخف عليَّ مخاطبة الكاتب والحائك.
* عن يعقوب بن الكسيت قال: كان أمية بن أبي الصلت يشرب. قال: فجاء غراب فنعب نعبة, فقال له أمية: بفيك التراب ثم نعب نعبة أخرى, فقال: بفيك التراب, ثم أقبل على أصحابه فقال: تدرون ما قال هذا الغراب؟ زعم أني أشرب هذا الكأس, ثم أتكئ فأموت, ثم نعب نعبة أخرى, فقال: وآية ذلك أني أقع على هذه المزبلة, فابتلع عظمًا, ثم أقع فأموت. قال: فوقع الغراب على المزبلة فابتلع عظمًا فمات, فقال أمية: أما هذا فقد صدقني عن نفسه, ولكن لأنظرن أيصدقني عن نفسي. قال: فشرب الكأس, ثم اتكأ فمات.
* عن عبد الله بن سلمة قال: دخلنا على عمر بن الخطاب في وفد مذحج, ومعنا الأشتر, فجعل ينظر إلى الأشتر, ويصرف بصره عنه فقال: ويل لهذه الأمة منك, ومن ولدك, إن للمؤمنين منك يومًا عصيبًا.
* عن صافي الحرمي الخادم مولى المعتضد قال: مشيت يومًا بين يدي المعتضد, وهو يريد دور الحرم, فلما بلغ إلى باب شغب أم المقتدر وقف يسمع ويطلع من خلل في الستر, فإذا هو بالمقتدر وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها, وهو جالس, وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه في السن, وبين يديه طبقة فضة فيه عنقود عنب في وقت فيه العنب عزيزًا جدًا, والصبي يأكل عنبة واحدة, ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة على الدور حتى إذا بلغ الدور إليه أكل واحدة مثل ما أكلوا حتى أفنى العنقود, والمعتضد يتميز غيظًا قال: فرجع ولم يدخل الدار, ورأيته مهمومًا فقلت: يا مولاي ما سبب ما فعلته, وما قد بان عليك؟ فقال: يا صافي, والله لولا النار والعار لقتلت هذا الصبي اليوم, فإن في قتله صلاحًا للأمة, فقلت: يا مولاي حاشاه, أي شيء عمل أعيذك بالله يا مولاي ألعن إبليس, فقال: ويحك أنا أبصر بما أقوله, أنا رجل قد سست الأمور, وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد, ولا بد من موتي, وأعلم أن الناس بعدي لا يختارون غير ولدي, وسيجلسون ابني عليًا يعني المكتفي, وما أظن عمره يطول للعلة التي به, فقال صافي: يعني الخنازير التي كانت في حلقه فيتلف عن قرب, ولا يرى الناس أخرجها عن ولدي, ولا يجدون بعده أكبر من جعفر فيجلسونه, وهو صبي وله من الطبع في السخاء هذا الذي قد رأيت من أنه أطعم الصبيان مثل ما أكل, وساوى بينه وبينهم في شيء عزيز في العالم, والشح على مثله في طباع الصبيان فيحتوي عليه النساء لقرب عهده بهن, فيقسم ما جمعته من الأموال كما قسم العنب, ويبذر ارتفاع الدنيا, ويخربها فتضيع الثغور, وتنتشر الأمور, وتخرج الخوارج, وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلًا, فقلت: يا مولاي بل يبقيك الله حتى ينشأ في حياة منك, ويصير كهلًا في أيامك, ويتأدب بآدابك, ويتخلق بخلقك, ولا يكون هذا الذي ظننت, فقال: احفظ عني ما أقوله, فإنه كما قلت. قال: ومكث يومه مهمومًا وضرب الدهر ضربته, ومات المعتضد, وولي المكتفي, فلم يطل عمره, ومات, وولي المقتدر, فكانت الصورة كما قاله المعتضد بعينها, فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر, وهو يشرب, ورأيته قد دعا بالأموال فأخرجت إليه, وحلت البدر, وجعل يفرقها على الجواري والنساء, ويلعب بها ويمحقها ويهبها, ذكرت مولاي المعتضد, وبكيت.
* دخل عبد الله بن علي بن عبد الله على هشام بن عبد الملك فأدنى مجلسه حتى أقعده معه، وأكرم لقاءه، وأظهر بره، ثم قال: ما أقدمك؟ فذكر له حاجته وما أصابه من خلة الزمان، وخرج بنى لهشام بن عبد الملك صغير معه قوس ونشاب وهو يلعب كما فجعل الصبي يأخذ السهم فيرمى به عبد الله بن علي حتى فعل ذلك مرات، قال وعبد الله بن علي ينظر إليه، ثم قام عبد الله فخرج، وذلك بعين مسلمة بن عبد الملك، فقال مسلمة: يا أمير المؤمنين أما رأيت ما صنع الصبي، والله لا يكون قتله وقتل رجال أهل بيته إلا على يديه، فقال هشام: لا تقل هذا، فإنك لا تزال تأتينا بشيء لا نعرفه، قال: هو والله ذاك وما أقول لك، قال: فوالله ما مضت الأيام والليالي حتى ورد عبد الله واليًا على الشام من قبل أبي العباس، فقتل ثلاثة وثمانين رجلًا من بني أمية، فأتي بالصبي فيمن أتى به. فقال: أنت صاحب القوس، فقدم فضربت عنقه.
* عن المعافي بن زكريا قال: حدثني بعض شيوخنا أن بعضهم حدثه أنه لما كان من خلع المقتدر في المرة الأولى ما كان, وبويع عبد الله بن المعتز بالخلافة دخل على شيخنا أبي جعفر الطبري, فقال: ما الخبر؟ وكيف تركت الناس؟ أو نحو هذا من القول, فقال له: قد بويع عبد الله بن المعتز. قال: فمن رشح للوزارة؟ فقال: محمد بن داود بن الجراح. قال: فمن ذكر للقضاء؟ فقال: الحسن بن المثنى. قال: فأطرق قليلًا, ثم قال: هذا أمر لا يتم ولا ينتظم. قال: فقلت له: وكيف؟ فقال: كل واحد من هؤلاء الذين سميت متقدم في معناه عالي الرتبة في أبناء جنسه, والزمان مدبر, والدنيا مولية, وما أرى هذا إلا اضمحلال, وانتقاص, ولا يكون لمدته طول, فكان الأمر كما قال.
* عن أنس بن مالك قال: لما حضرت وفاة أبي بكر الصديق سمعت علي بن أبي طالب قال: المتفرسون في الناس أربعة: امرأتان ورجلان, فأما المرأة الأولى فصفرا بنت شعيب لما تفرست في موسى قال الله في قصتها) يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ( [القصص: من الآية26] والرجل الأول الملك العزيز على عهد يوسف والقوم فيه من الزاهدين. قال:) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ( [يوسف: من الآية21] وأما المرأة الثانية فخديجة ابنة خويلد لما تفرست في النبي - صلى الله عليه وسلم -, وقالت لعمها: قد تنسمت روحي روح محمد بن عبد الله إنه نبي لهذه الأمة, فزوجني منه, وأما الرجل الآخر فأبو بكر الصديق لما حضرته الوفاة قال لي: إني قد تفرست في أن أجعل الأمر من بعدي في عمر بن الخطاب, فقلت له: إن تجعلها في غيره لن نرضى به, فقال: سررتني والله لأسرنك في نفسك بما سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, فقلت: وما هو؟ قال: سمعت رسول الله يقول: إن على الصراط لعقبة لا يجوزها أحد إلا بجواز من علي بن أبي طالب, فقال علي له: أفلا أسرك في نفسك, وفي عمر بما سمعته من رسول الله, فقال: ما هو؟ فقلت: قال لي: يا علي لا تكتب جواز لمن سب أبا بكر وعمر, فإنهما سيدا كهول أهل الجنة بعد النبيين. قال أنس: فلما أفضت الخلافة إلى عمر, قال لي علي: يا أنس إني طالعت مجاري القلم من في الكون, فلم يكن لي أن أرضى بغير ما جرى في سابق علم الله, وإرادته خوفًا من أن يكون مني اعتراض على الله, وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أنا خاتم الأنبياء, وأنت يا علي خاتم الأولياء» هذا الحديث موضوع من عمل القصاص وضعه عمر بن واصل أو وضع عليه والله أعلم.
* عن مكرم بن بكر, وكان من فضلاء الرجال, وعلمائهم قال: كنت في مجلس أبي خازم القاضي, فتقدم رجل شيخ ومعه غلام حدث, فادعى الشيخ عليه ألف دينار عينًا دينًا, فقال له: ما تقول؟ فأقر, فقال للشيخ: ما تشاء؟ قال: حبسه, فقال للغلام: قد سمعت فهل لك في أن تنقده البعض وتسأله إنظارك, فقال: لا, فقال الشيخ: إن رأى القاضي أن يحبسه. قال: فتفرس أبو خازم فيهما ساعة, ثم قال: تلازما إلى أن أنظر بينكما في مجلس آخر. قال: فقلت لأبي خازم وكانت بيننا أنسة: لِمَ أخر القاضي حبسه؟ فقال: ويحك إني أعرف في أكثر الأحوال في وجه الخصوم وجه المحق من المبطل, وقد صارت لي بذلك دربة لا تكاد تخطئ, وقد وقع لي أن سماحة هذه بالأقرار هي عن بلية, وأمر يبعد عن الحق, وليس في تلازمهما بطلان حق, ولعل ينكشف لي من أمرهما ما أكون معه على وثيقة مما أحكم به بينهما أما رأيت قلة تعاصيهما في المناظرة, وقلة اختلافهما, وسكون طباعهما مع عظم المال, وما جرت عادة الأحداث بفرط التورع حتى يقر مثل هذا طوعًا عجلًا بمثل هذا المال. قال: فنحن كذلك نتحدث إذ استؤذن على أبي خازم لبعض وجوه الكرخ من مياسير التجار, فأذن له فدخل فسلم, وسبب لكلامه فأحسن, ثم قال: قد بليت بابن لي حدث يتقاين, ويتلف كل ما يظفر به من مالي في القيان عند فلان المقين, فإذا منعته ما لي احتال بحيل تضطرني إلى التزام غرم له, وإن عددت ذلك طال, وأقربه أنه قد نصب المقين اليوم ليطالبه بألف دينار عينًا دينًا حالًا, وبلغني أنه تقدم إلى القاضي فيقر له بها, فيحبس وأقع مع أمه فيما ينغص عيشي إلى أن أزن ذلك عنه للمقين, فإذا قبضه المقين حاسبه به من الجذور, ولما سمعت بذلك بادرت إلى القاضي لأشرح له الأمر فيداويه بما يشكره الله له, فجئت فوجدتهما على الباب. قال: فحين سمع أبو خازم ذلك تبسم, وقال لي: كيف رأيت؟ قال: فقلت: لهذا ومثله فضل الله القاضي, وجعلت أدعوا له, فقال: عليَّ بالغلام والشيخ, فدخلا فارهب أبو خازم الشيخ, ووعظ الغلام. قال: فأقر الشيخ بأن الصورة كما بلغ القاضي, وأنه لا شيء له عليه, وأخذ الرجل بيد ابنه, وانصرفوا.
* عن أبي الطفيل قال: سمعت علِّيًا يقول بمسكن: لا أغسل رأسي حتى آتي البصرة فأحرقها، ثم أسوق الناس بعصاي إلى مصر, فأتيت أبا مسعود فأخبرته, فقال: إن عليًا مورد الأمور مواردها، ولا يحسنون أن تصدروها، علي لا يغسل رأسه بغسل, ولا يأتي البصرة, ولا يحرقها, ولا يسوق الناس بعصاه إلى مصر, علي رجل أصلع رأسه مثل الطست، إنما حوله مثل الشعرات, أو قال: زغيبات.
* عن الحسين بن علي الكاتب قال: قال لي البحتري أنشدت أبا تمام يومًا شيئًا من شعري, فأنشد بيت أوس بن حجر:
إذا مقرم من ذرا حد نابه…تخبط فينا ناب آخر مقرم
فقال: نعيت إليَّ نفسي, فقلت: أعيذك بالله من هذا, فقال: إن عمري ليس بطويل, وقد نشأ مثلك لطيء أما علمت أن خالد بن صفوان المنقري رأى شبيب بن شبة, وهو من رهطه يتكلم فقال: يا بني نعي نفسي إلى إحسانك في كلامك لأنا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب إلا مات من قبله. قال: فمات أبو تمام بعد سنة من قوله هذا.
* عن وكيع قال: أتيت الأعمش فقلت: حدثني, فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: وكيع. قال: اسم نبيل, ما أحسب إلا سيكون لك نبأ, أين تنزل من الكوفة؟ قلت: في بني رؤاس. قال: أين من منزل الجراح بن مليح؟ قال: قلت: ذاك أبي, وكان على بيت المال. قال: فقال لي: اذهب فجئني بعطائي, وتعالى حتى أحدثك بخمسة أحاديث. قال: فجئت إلى أبي فأخبرته, فقال: خذ نصف العطاء, فاذهب به فإذا حدثك بالخمسة, فخذ النصف الآخر, فاذهب به حتى يكون عشرة. قال: فأتيته بنصف عطائه, فأخذه فوضعه في كفه, وقال: هكذا, ثم سكت, فقلت: حدثني. قال: اكتب فأملى علي حديثين. قال: قلت: وعدتني خمسة. قال: فأين الدراهم كلها؟ أحسب أن أباك أمرك بهذا, ولم يعلم أن الأعمش مدرب قد شهد الوقائع, اذهب فجئ بتمامها, وتعال أحدثك بخمسة أحاديث. قال: فجئته فحدثني بخمسة. قال: فكان إذا كان كل شهر جئته بعطائه, فحدثني بخمسة أحاديث.
* عن يحيى بن يمان قال: نظر سفيان إلى عيني وكيع فقال: ترون هذا الرؤاسي لا يموت حتى يكون له شأن.
* عن علي بن عمروس القرظي قال: قدم إلى أبي يوسف مسلم قتل ذميًا, فأمر أن يقاد به, ووعدهم ليوم, وأمر بالقاتل فحبس, فلما كان في اليوم الذي وعدهم حضر أولياء الذمي وجيء بالمسلم القاتل, فلما هم أبو يوسف أن يقول: أقيدوه رأى رقعة قد سقطت, فتناولها صاحب الرقاع, وخنسها, فقال له أبو يوسف: ما هذه التي خنستها؟ فدفعها إليه, فإذا فيها أبيات شعر قالها أبو المضرجي شاعر ببغداد:
يا قاتل المسلم بالكافر…جرت وما العادل كالجائر
يا من ببغداد وأطرافها…من فقهاء الناس أو شاعر
جار على الدين أبو يوسف…إذ يقتل المسلم بالكافر
فاسترجعوا وأبكوا على دينكم…واصطبروا فالأجر للصابر
قال: فأمر بالقمطر, فشد وركب إلى الرشيد, فحدثه بالقصة واقرأه الرقعة, فقال له الرشيد: اذهب فاحتل, فلما عاد أبو يوسف إلى داره, وجاءه أولياء الذمي يطالبونه بالقود قال لهم: ائتوني بشاهدين عدلين أن صاحبكم كان يؤدي الجزية.
* عن الربيع بن سليمان المرادي قال: كنا جلوسًا بين يدي الشافعي أنا, والبويطي, والمزني, فنظر إلي البويطي فقال: ترون هذا إنه لن يموت إلا في حديده, ثم نظر إلي المزني فقال: ترون هذا أما أنه سيأتي عليه زمان لا يفسر شيئًا فيخطئه, ثم نظر إليَّ فقال: أما أنهما في القوم أحد أنفع لي منه, ولوددت أني حشوته العلم حشوًا.
* عن أبي معاوية ـ محمد بن خازم ـ قال: حججت مع جدي أبي أمي, وأنا غلام فرآني أعرابي, فقال لجدي: ما يكون هذا الغلام منك؟ قال: ابني قال: ليس بابنك. قال: بن ابنتي. قال: ابن ابنتك, وليكونن له شأن, وليطأن برجليه هاتين بسط الملوك. قال: فلما قدم الرشيد بعث إليَّ, فلما دخلت عليه ذكرت حديث الأعرابي, فأقبلت ألتمس برجلي البساط. قال: يا أبا معاوية لم تلتمس, قلت: يا أمير المؤمنين حججت مع جدي, وحدثته بالحديث, فأعجب به. قال أبو معاوية: وحركني شيء, فقلت: يا أمير المؤمنين أحتاج إلى موضع الخلاء, فقال للأمين والمأمون: خذا بيد عمكما فأرياه الموضع, فأخذا بيدي فأدخلاني إلى الموضع, فشممت منه رائحة طيبة فقالا: يا أبا معاوية هذا الموضع, فشأنك, فقضيت حاجتي.
* لما أتيت خلادًا ـ يعنى بن عيسى المقرئ ـ فسلمت عليه، أخذ بيدي فأقعدني إلى جنبه فقال لي: على من قرأت، فقلت: أنا رجل متعلم، فقال: لست أنت متعلمًا الساعة، إذا قرأت علمت على من قرأت، فلما فرغ الغلام الذي يقرأ عليه. قال لي: هات، قال: فلما ابتدأت فقلت بسم الله الرحمن الرحيم وشددت الراء ضحك ثم قال: أنت من غلمان خلف. فقلت: يا أبا عيسى ساحر أنت؟ فقال: لا، ولكن إذا جاء غلمان خلف عرفتهم، وإذا جاء غلمان رويم عرفتهم، وإذا جاء غلمان إسماعيل عرفتهم.