* عن المتوكل قال: يا محمد شعرت أني أودعت فلانًا سرًا, فأفشاه. فقال: يا أمير المؤمنين لا عهد لفاسق, ولا كتمان لمعاقر.
* عن أبي مسلم صاحب الدولة قال: ارتديت الصبر, وآثرت الكتمان, وحالفت الأحزان والأشجان, وسامحت المقادير والأحكام حتى بلغت غاية همتي, وأدركت نهاية بغيتي, ثم أنشأ يقول:
قد نلت بالحزم والكتمان ما عجزت عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
طفقت أسعى عليهم في ديارهم ما زلت اضربهم بالسيف فانتبهوا
من رقدة لم ينمها قبلهم أحد والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا
ومن رعى غنما في أرض مسبعة ونام عنها تولى رعيها الأسدُ
* عن ابن عباس قال: قال لي العباس: يا بني، إني أرى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يدينك، ويقربك، ويختصك، ويشاورك دون ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاحفظ عني ثلاثًا: ألا تفشي له سرًا، ولا يجر بن عليك كذبًا، ولا تغتابن عنده احدًا، قال الشعبي فقلت: يا أبا عباس، كل واحدة من هذه خير من ألف، قال: نعم، ومن عشرة آلاف.
* عن أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري قال: كان بيني وبين القاضي أبي الحسن بن أبي الشوارب بالبصرة أنس كثير, وامتزاج شديد. كان يعدني ولدًا وكنت أعده والدًا, فما علمت له سرًا قط لو ظهر عليه استحى منه. قال ابن حبيب: وكان بالبصرة رجل من وجوهها واسع الحال كثير المال جدًا يعرف بأبي نصر بن عبدويه, فقال لي: وقد دخلت عليه عائدًا له في علة الموت في صدري سر قد بعلت بكتمانه منذ زمن طويل, وأريد اطلاعك عليه، لما ولي القاضي أبو الحسن بن أبي الشوارب القضاء بالبصرة في أيام بها الدولة, وكان بيني وبينه من الود ما شهرته تغني عن ذكره مضيت إليه وخاطبته فقلت: قد علمت أن هذا الأمر الذي تقلدته يحتاج فيه إلى مؤن كثيرة, وأمور لا يقدر عليها, وقد أحضرتك مائتي دينار, وتعلم أني ممن لا يطلب قضاء, ولا شهادة, ولا بيني وبين أحد خصومة أحتاج فيها على الترافع إليك, وإن حدث لي اقتضى الترافع إليك فبالله عليك إلا حكمت عليّ في ذلك بما يجب على يهودي لو كان في موضعي, وأسألك أن تقبض مني هذه الدنانير تستعين بها على أمرك، فإن قبلتها بسبب المودة التي بيننا, فأنت في حل منها في الدنيا والآخرة, وإن كرهت قبولها على هذا الوجه, فهي قرض لي عليك, فقال: أعلم أن الأمر كما ذكرته, ووالله إني لمحتاج إليها, ولكن لا يراني الله, وقد قبلت أعانة على هذا الأمر, وأسألك بالله إن أطلعت أحدًا على هذا السر ما دمت في الدنيا. قال ابن عبدويه: فوالله ما ذكرت لأحد هذا السر قبل هذا الوقت.
* عن علقمة قال: قدمت الشام. فقلت: اللهم وفق لي جليسًا صالحًا. قال: فجلست إلى رجل فإذا هو أبو الدرداء, فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة. فقال: أليس فيكم صاحب الوساد والسواك؟ - يعني ابن مسعود - ثم قال: أليس فيكم صاحب السر الذي لم يكن يعلمه غيره؟ - يعنى حذيفة.
* عن أبي العيناء قال: كان سبب خروجي من البصرة, وانتقالي عنها، أني مررت بسوق النخاسين يومًا، فرأيت غلامًا ينادى عليه وقد بلغ ثلاثين دينارًا - وهو يساوى ثلاثمائة دينار -, فاشتريته وكنت أبني دارًا، فدفعت له عشرين دينارًا على أن ينفقها على الصناع، فجاءني بعد أيام يسيرة فقال: قد نفذت النفقة, فقلت: هات حسابك، فرفع حسابًا بعشرة دنانير. قلت: فأين الباقي؟ قال: اشتريت به ثوبًا مصمتًا, وقطعته، قلت ومن أمرك؟ قال: يا مولاي لا تعجل، فإن أهل المروءات والأقدار لا يعيبون على غلمانهم إذا فعلوا فعلًا يعود بالدين على مواليهم، فقلت في نفسي: أنا اشتريت الأصمعي ولم أعلم. قال: وكانت في نفسي امرأة أردت أن أتزوجها سرًا من ابنة عمي، فقلت له يومًا: أفيك خير؟ قال: إي لعمري. فأطلعته على الخبر فقال: أنا نعم العون لك. فتزوجت المرأة ودفعت إليه دينارًا, فقلت له: اشتر لنا كذا وكذا, ويكون فيما تشتريه سمك هازبي, فمضى ورجع وقد اشترى ما أردت، إلا أنه اشترى سمكًا مارماهي، فغاظني فقلت له: أليس أمرتك أن تشترى هازبي؟ قال: بلى ولكني رأيت بقراط يقول: أن الهازبي يولد السوداء، ويصف المارماهي ويقول: إنه أقل غائلة. فقلت له: يا ابن الفاعلة أنا لم أعلم أني اشتريت جالينوس، وقمت إليه فضربته عشر مقارع، فلما فرغت من ضربه أخذني وأخذ المقرعة فضربني سبع مقارع, وقال: يا مولاي الأدب ثلاث، والسبع فضل, وذلك قصاص، فضربتك سبع المقارع خوفًا عليك من القصاص يوم القيامة. قال: فغاظني جدًا فرميته فشججته، فمضى من وقته إلى ابنة عمي فقال لها: يا مولاتي إن الدين النصيحة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا» وأنا أعلمك يا مولاتي أن مولاي قد تزوج واستكتمني، فلما قلت له: لا بد من تعريف مولاتي الخبر, فضربني بالمقارع وشجني، فمنعتني بنت عمي من دخول الدار، وحالت بيني وبين ما فيها ووقعنا في تخليط، فلم أر الأمر يصلح إلا بأن طلقت المرأة التي تزوجتها، وصلح أمري مع ابنة عمي، وسمت الغلام الناصح، فلم يكن يتهيأ لي أن أكلمه, فقلت: أعتقه وأستريح, فلعله أن يمضي عني إلى النار، فلما أعتقته لزمني وقال: الآن وجب حقك عليّ، ثم إنه أراد الحج فجهزته وزودته وخرج، فغاب عنى عشرين يومًا ورجع, فقلت له: لِمَ رجعت؟ قال: قطع الطريق وفكرت فإذا الله تعالى يقول: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: من الآية97] فكنت غير مستطيع، وفكرت فإذا حقك أوجب فرجعت, ثم أراد الغزو فجهزته أيضًا لذلك وشخص, فلما غاب عني بعت كل ما أملكه بالبصرة من عقار وغيره، وخرجت خوفًا من أن يرجع.