* عن القاضي محمد بن أحمد بن المحرم قال: جرى بين إبراهيم السري الزجاج النحوي, وبين المعروف بمسينة, وكان من أهل العلم شر, فاتصل, ونسجه إبليس وأحكمه حتى خرج إبراهيم بن السري الزجاج إلى حد الشتم, فكتب إليه مسينة:
أبى الزجاج إلا شتم عرضي…لينفعه فآثمه وضره
وأقسم صادقًا ما كان حر…ليطلق لفظه في شتم حره
ولو أني كررت لفر مني…ولكن للمنون علي كره
فأصبح قد وقاه الله شري…ليوم لا وقاه الله شره
فلما اتصل هذا بالزجاج قصده راجلًا حتى اعتذر إليه, وسأله الصفح.
قال إبراهيم بن أبي محمد: كنت يومًا عند المأمون وليس معنا إلا المعتصم, فأخذت الكأس من المعتصم فعربد علي فلم أحتمل ذلك وأجبته, فأخفي ذلك المأمون, ولم يظهر ذلك الإظهار, فلما صرت من الغد إلى المأمون كما كنت أصير قال لي الحاجب: أمرت أن لا آذن لك, فدعوت بدواة وقرطاس وكتبت:
أنا المذنب الخطاء والعفو واسع ** ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
سكرت فأبدت مني الكأس بعض ما كرهت ** وما أن يستوي السكر والصحو
ولا سيما إذا كنت عند خليفة ** وفي مجلس ما أن يليق به اللغو
ولولا حميا الكأس كان احتمال ما ** بدهت به لا شك فيه هو السرو
تنصلت من ذنبي تنصل ضارع ** إلى من إليه يغفر العمد والسهو
فإن يعف عين ألف خطوي واسعًا ** وإلا يكن عفو فقد قصر الخطو
قال: فأدخلها الحاجب, ثم خرج إلي فأدخلني, فمد المأمون باعيه فأكببت على يديه, فقبلتهما فضمني إليه, وأجلسني, قال المرزباني: وحدثني العباس بن أحمد النحوي أن المأمون وقع على ظهر هذه الأبيات:
إنما مجلس الندامى بساط…للمودات بينهم وضعوه
فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا…من حديث ولذة رفعوه
* عن الوضاح بن حبيب بن بديل التميمي قال: كنت يومًا عند أبي جعفر المنصور, وعبد الله بن عياش الهمداني المنتوف, وعبد الله بن الربيع الحارثي, وإسماعيل بن خالد بن عبد الله القسري, وكان أبو جعفر ولي سلم بن قتيبة البصرة, وولى مولى له كور البصرة والابلة, فورد الكتاب من مولى أبي جعفر يخبر أن سلمًا ضربه بالسياط, فاستشاط أبو جعفر وضرب إحدى يديه على الأخرى, وقال: أعلي يجترئ سلم! والله لأجعلنه نكالًا وعظة, وجعل يقرأ كتبًا بين يديه. قال: فرفع ابن عياش رأسه, وكان أجرأنا عليه, فقال: يا أمير المؤمنين لم يضرب سلم مولاك بقوته, ولا قوة ابنه, ولكنك قلدته سيفك, وأصعدته منبرك, فأراد مولاك أن يطأطئ من سلم ما رفعت, ويفسد ما صنعت, فلم يحتمل له ذلك، يا أمير المؤمنين إن غضب العربي في رأسه, فإذا غضب لم يهدأ حتى يخرجه بلسانه, أو يده, وإن غضب النبطي في استه فإذا خري ذهب غضبه, فضحك أبو جعفر, وقال: قبحك الله يا منتوف, وكف عن سلم.