فهرس الكتاب

الصفحة 557 من 593

مواقف من مزاح السابقين:

* عن أبي محمد عبد الله بن حمدون قال: قال لي المعتضد ليلة وقدم له عشاء لقمني، قال: وكان الذي قدم فراريج ودراريج فلقمته من صدر فروج، فقال: لا؛ لقمني من فخذه، فلقمته لقمًا. ثم قال: هات من الدراريج فلقمته من أفخاذها، فقال: ويلك هو ذا تتنادر علي؟ هات من صدورها، فقلت: يا مولاي ركبت القياس فضحك، فقلت له: إلى كم أضحك ولا تضحكني. قال: شل المطرح وخذ ما تحته، قال: فشلته فإذا دينارًا واحدًا، فقلت: آخذ هذا؟ فقال: نعم. فقلت له: بالله هو ذا تتنادر أنت الساعة علي، خليفة يجيز نديمه بدينار، فقال: ويلك لا أجد لك في بيت المال حقًا أكثر من هذا، ولا تسمح نفسي أن أعطيك من مالي شيئًا، ولكن هو ذا احتال لك بحيلة تأخذ فيها خمسة آلاف دينار، فقبلت يده: فقال: إذا كان غد وجاءني القاسم يعني ـ بن عبيد الله ـ فهو ذا أسارك حين يقع نظري عليه سرارًا طويلًا التفت فيه إليه كالمغضب، وانظر أنت إليه في خلال ذلك كالمخالس لي، نظر المترثي له فإذا انقطع السرار فيخرج ولا يبرح الدهليز أو تخرج فإذا خرجت خاطبك بجميل، وأخذك إلى دعوته وسألك عن حالك فاشك الفقر والخلة وقلة حظك مني، وثقل ظهرك بالدين والعيال وخذ ما يعطيك، واطلب كل ما تقع عينك عليه، فإنه لا يمنعك حتى تستوفي الخمسة آلاف دينار، فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى بينا، فاصدقة وإياك أن تكذبه؛ وعرفه أن ذلك حيلة مني عليه حتى وصل إليك هذا، وحدثه بالحديث كله على شرحه وليكن إخبارك إياه بذلك بعد امتناع شديد وأحلاف منه لك بالطلاق والعتاق أن تصدقه، وبعد أن تخرج من داره تأخذ كل ما يعطيك إياه، وتحصله في بيتك. فلما كان من غد حضر القاسم حين رآه بدا يسارني وجرت القصة على ما واضعته عليه فخرجت، فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني، فقال: يا أبا محمد، ما هذا الجفاء؟ لا تجئني ولا تزورني ولا تسألني حاجة، فاعتذرت إليه باتصال الخدمة علي، فقال: ما يقنعني إلا أن تزورني اليوم ونتفرج، فقلت: أنا خادم الوزير. فأخذني إلى طيارة وجعل يسألني عن حالي وأخباري، وأشكوا إليه الخلة والإضاقة والدين والبنات، وجفاء الخليفة وإمساكه يده، فيتوجع ويقول: يا هذا مالي لك ولن يضيق عليك ما يتسع علي، أو تتجاوزك نعمة تحصلت لي، أو يتخطاك حظ، فإنك في فنائي ولو عرفتني لعاونتك على إزالة هذا كله عنك، فشكرته وبلغنا داره، فصعد ولم ينظر في شيء. وقال: هذا اليوم أحتاج أن أختص فيه بالسرور بأبي محمد، فلا يقطعني أحد عنه وأمر كتباه بالتشاغل بالأعمال وخلا بي في دار الخلوة وجعل يحادثني ويبسطني وقدمت الفاكهة فجعل يلقمني بيده، وجاء الطعام فكانت هذه سبيله وهو يستزيدني، فلما جلس للشرب وقع لي بثلاثة آلاف دينار، وأخذتها للوقت وأحضر ثيابًا وطيبًا ومركوبًا، وأخذت ذلك وكان بين يدي صينية فضة فيها مغسل فضة، وخرداذى بلور، وكوز وقدح بللور، وأمر بحمله إلى طيارتي، وأقبلت كلما رأيت شيئًا حسنًا له قيمة وافرة طلبته، وحمل إلي فرشًا نفيسًا وقال: هذا للبنات، فلما تقوض أهل المجلس، خلا بي وقال: يا أبى محمد، أنت عالم بحقوق أبي عليك ومودتي لك، فقلت: أنا خادم الوزير فقال: أريد أن أسألك عن شيء، وتحلف لي أنك تصدقني عنه، فقلت: السمع والطاعة، فأحلفني بالله وبالطلاق والعتاق على الصدق، ثم قال لي: بأي شيء سارك الخليفة اليوم في أمري؟ فصدقته عن كل ما جرى حرفًا بحرف. فقال: فرجت عني ولكون هذا هكذا مع سلامة نيته لي أسهل علي، فشكرته وودعته وانصرفت إلى بيتي، فلما كان من غد باكرت المعتضد، فقال:، هات حديثك فنسقته عليه، فقال: احفظ الدنانير ولا يقع لك إني أعمل مثلها معك بسرعة.

* عن أبي الحسن علي بن نصر بن الصباح قال: كنا يومًا بين يدي أبي سهل بن زياد، فأخذ بعض أصحاب الحديث سكينًا كانت بين يديه، فجعل ينظر إليها فقال: مالك ولها، أتريد أن تسرقها كما سرقتها أنا؟ هذه سكين البغوي سرقتها منه. أو كما قال.

* عن مالك قال: كان يحيى بن سعيد أعرف شيء بحق ربيعة، قال: وكان ربيعة يقول له: وهو يمازحه في شيء من القضاء يسمع ذلك يحيى، هذا خير لكم مما تحوزون من الدنيا.

* عن أبي العباس قال: لما ماتت حمادة بنت عيسى امرأة المنصور، وقف المنصور والناس معه على حفرتها ينتظرون مجيء الجنازة وأبو دلامة فيهم، فأقبل عليه المنصور فقال: يا أبا دلامة ما أعددت لهذا المصرع، قال: حمادة بنت عيسى يا أمير المؤمنين، قال: فأضحك القوم.

* عن الأصمعي قال: أمر المنصور أبا دلامة بالخروج نحو عبد الله بن علي، فقال له: أبو دلامة نشدتك بالله يا أمير المؤمنين أن تحضرني شيئًا من عساكرك، فإني شهدت تسعة عساكر انهزمت كلها وأخاف أن يكون عسكرك العاشر فضحك منه وأعفاه.

* عن أبي عكرمة عن بعض أصحابه قال: خرج المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد ومعهما أبو دلامة، فرمى المهدي ظبيًا فشكه ورمى علي بن سليمان وهو يريد ظبيًا، فأصاب كلبًا، فشكه فضحك المهدي وقال: يا أبا دلامة قل في هذا فقال:

قد رمى المهدي ظبيًا…وعلي بن سليمان…فهنيئًا لكما….

شك بالسهم فؤاده…رمى كلبًا فصاده…كل امرئ يأكل زاده….

فأمر له بثلاثين ألف درهم.

* عن مصعب بن عبدالله قال: وفد سعيد بن سليمان على أمير المؤمنين الرشيد، وكان انقطاعه إلى العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فنزل عليه فجعل ينقلب إلى المدينة، ويتطرب إلى مال له بناحية ضرية، يقال له: الجفر، واشتكى عند العباس فجعل العباس يمازحه ويدفعه عن الخروج إلى الجفر، فكتب العباس إلى أبي ببيت مازح به سعيد بن سليمان وقال له: زدنا عليه والبيت الذي مازحه به العباس قوله:

وليس إلى نجد وبرد مياهه…إلى الحول إن حم الأياب سبيل

فزاد فيه أبي فقال:

إن مقام الحول في طلب الغنى…بباب أمير المؤمنين قليل

فمات سعيد بن سليمان عند العباس بن محمد قال: وكان من رجال قريش جلدًا وحمالًا وشعرًا.

* عن محمد بن سلام قال: أتى رجل عبيد الله بن الحسن فقال: كنا عند الأمير محمد بن سليمان، فجرى ذكرك فذكرت بكل جميل فما استطاع يقبح أمرك، يذكرك بشيء يعيبك به إلا المزاح، فقال: ويحك والله إني لأمزح وما أقول إلا حقًا، فلو قلت الساعة في داري عيسى بن مريم، أكنت تصدقني؟ قلت: هذا من ذاك، فقال لجصاص في داره: يا جصاص قال: لبيك، قال: ما اسمك؟ قال: عيسى، قال: ما اسم أمك؟ قال: مريم، قال: ويحك، فإذا اتفق لي مثل هذا فما أصنع؟.

* عن أبي نعيم، قال: قال لي سفيان مرة وسألته عن شيء فقال لي: أنت لا تبصر النجوم بالنهار، فقلت له: وأنت لا تبصرها كلها بالليل فضحك.

* عن عمر بن دينار قال: قدم عبد الله بن الحارث حاجًا, فأتى ابن عمر فسلم والقوم جلوس، فلم يره بش به كما كان يفعل. فقال: يا أبا عبد الرحمن أما تعرفني؟ قال: بلى! ألست ببه؟ قال: فشق ذلك عليه وتضاحك القوم, ففطن عبد الله بن عمر. فقال: إن الذي قلت لا بأس به, ليس يعيب الرجل: إنما كان غلامًا خادرًا, وكانت أمه تنزيه أو تنبزه تقول:

لأنكحن ببه…جارية خدبَّه

مكرمة محبه…تحب أهل الكعبة

* عن أبي يوسف عبدالرحمن بن محمد الكاتب قال: كان الجاحظ يتقلد في خلافة إبراهيم بن العباس على ديوان الرسائل، فلما جاء إلى الديوان جاءه أبو العيناء, فلما أراد أن يخرج من عنده تقدم إلى من يحجبه، أن لا يدعه يخرج ولا يدعه يرجع إليه إن أراد الرجوع, فخرج أبو العيناء يريد الانصراف, فمنع من الخروج ومن الرجوع إلى الجاحظ, فنادى أبو العيناء بأعلى صوته: يا أبا عثمان قد أريتنا قدرتك فأرنا عفوك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت