فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 593

* عن أبي بكر بن الجعابي قال: كنت يومًا عند أبي بكر بن مجاهد في مسجده, فأتاه بعض غلمانه, فقال له: يا أستاذ إن رأيت أن تجملني بحضورك غدًا دارنا, فقال له أبو بكر: ومن معنا فقال له: أصحابنا المسجدية, ومن يرى الشيخ, فقال أبو بكر: ينبغي أن تدعو أبا بكر يعنيني, فأقبل الفتى علي يسألني, فقلت له: هو ذا تطفل بي لو أرادني الرجل لأفردني بالسؤال, فقال: دع هذا يا بغيض, فقلت له: السمع والطاعة, فقال لي الرجل: إن الأستاذ قد آثرك, فمن تؤثر أنت أن أدعو لك؟ فقلت له: الحسين بن غريب. قال: السمع والطاعة, ونهض الفتى, فلما كان من الغد وافي إلى مسجد أبي بكر, فسألنا النهوض معه إلى منزله, فقال أبو بكر لأصحابه: قوموا وامضوا متقطيعن, وخالفوا الطرق ففعلوا, ثم أقبل على الفتى, فقال له: اسبقنا فإني أنا وأبو بكر نجيئك, فقلت أنا له: إيش علمت في إحضار ابن غريب؟ فقال لي: قد أخذت الوعد عليه من أمس, وأنا أنفذ إليه رسولًا ثانيًا, ومضى, وجلس أبو بكر, ففرغ من شغيلات له, ثم إنا نهضنا جميعًا, وعبرنا الجانب الغربي, وصعدنا درب النخلة, وكانت دار الفتى فيه, فوجدناه مترقبًا لنا, فدخلنا, فدعا بماء, فغسلنا أيدينا, ثم أتى بجونة فوضعها بين أيدينا, فقلت في نفسي: ما أدري مرؤة هذا الفتى أيش في الجونة مما يعمنا؟ ففتحها فإذا فيها بزماورد وأوساط ولفات وسنبوسج, فأكلنا أكلًا عظيمًا مفرطًا, والجونة على حالها وما فيها من هذا الطعام على غاية الكثرة والوفور, وشلنا أيدينا فاستدعى الحلوى, فأتى بفالوذج غرف حار بماء ورد على مائدة كبيرة, فاستكثرنا منه فعجبت من ظرف طعامه ونظافته وطيبه وحسنه, وتمام مروءته من غير إجحاف, ولا إسراف, وغسلنا أيدينا, فقلت له: أين ابن غريب؟ فقال لي: عند بعض الرؤساء, وقد حال بيننا وبينه, فشق عليَّ, وتبين أبو بكر بن مجاهد ذلك مني, فقال لي: هاهنا من ينوب عن ابن غريب فتحدثنا ساعة, فقلت له: لا أرى للنائب عن ابن غريب خبرًا, ولا أثرًا فدافعني, فصبرت ساعة, ثم كررت الخطاب عليه, وألححت, ولست أعلم من هو النائب بالحقيقة عن ابن غريب, فقال للفتى: هات قضيبًا, فأتاه به, فأخذه أبو بكر, ووقع واندفع يغني, فغناني نيفًا وأربعين صوتًا في غاية الحسن والطيبة والإطراب, فأشجاني وحيرني, فقلت له: يا أستاذ متى تعلمت هذا؟ وكيف تعلمته؟ فقال: يا بارد تعلمته لبغيض مثلك لا يحضر الدعوة إلا بمغن, ومضى لنا يوم طيب معه.

* عن عبد الله بن أحمد قال: كنت أدعو ابن الخبازة, وكان أبي ينهانا عن التغبير, فكنت إذا كان عندي أكتمه من أبي لئلا يسمع. قال: فكان ذات ليلة عندي, وكان يقول, فعرضت لأبي عندنا حاجة, وكانوا في زقاق, فجاء فسمعه يقول, فتسمع فوقع في سمعه شيء من قوله, فخرجت لأنظر, فإذا بأبي يترجح ذاهبًا وجائيًا, فرددت الباب ودخلت, فلما أن كان من الغد قال لي: يا بني إذا كان مثل هذا نعم, هذا الكلام أو معناه.

* عن جعفر بن سليمان قال: قدم أشعب أيام أبي جعفر بغداد, فأطاف به فتيان بني هاشم فغناهم, فإذا ألحانه طربة وحلقه على حاله, وقال: أخذت الغناء عن معبد, وكنت آخذ عنه اللحن فإذا سئل عنه قال: عليكم بأشعب, فإنه أحسن تأدية له مني, وقيل إن اسم أبيه جبير.

* عن إبراهيم بن إسحاق الموصلي قال: كنا يومًا عند موسى الهادي, وعنده ابن جامع, ومعاذ بن الطيب, فكان أول من دخل عليه معاذ, وكان حاذقًا بالغناء, عارفًا بقديمه, فقال: من أطربني منكم اليوم, فله حكمه, فغناه ابن جامع غناء, فلم يحركه, وعرفت غرضه في الأغاني, فقال: هات يا إبراهيم فغنيته:

سليمى أزمعت بينا…فأين لقاؤنا أينا

فطرب حتى قام من مجلسه ورفع صوته, وقال: أعد بالله, فأعدت, فقال: هذا غرضي فاحتكم فقلت: يا أمير المؤمنين حائط عبد الملك بن مروان, وعينه الخرارة بالمدينة. قال: فدارت عينه في رأسه حتى صارتا كأنهما جمرتان, ثم قال: يا ابن اللخناء أردت أن تسمع العامة أنك اطربتني, وأني حكمتك فأقطعتك, والله لولا بادرة جهلك التي غلبت على صحيح عقلك لضربت الذي فيه عيناك, ثم أطرق. قال إبراهيم: فرأيت ملك الموت بيني وبينه ينتظر أمره, ثم دعا حاجبه فقال: خذ بيد هذا الجاهل فأدخله بيت المال, فليأخذ منه ما شاء, فقال لي الحاجب: كم تأخذ؟ قلت: مائة بدرة. قال: دعني أؤامره, فقلت: خذ أنت ثلاثين, وأعطني سبعين, فرضي بذلك. قال: فانصرفت بسبعمائة ألف درهم, وانصرف ملك الموت عن وجهي.

* كان الرشيد قد أمر بحبس إبراهيم الموصلي لشيء جرى بينه وبين بن جامع في مجلسه فتاب إبراهيم من الغناء فأمر الرشيد بحبسه حتى يغنى فكتب أبو العتاهية إلى سالم الخاسر

سلم يا سلم ليس دونك سر…حبس الموصلي فالعيش مر

ما استطاب اللذات قد سكن المطبق…رأس اللذات في الأرض حر

حبس اللهو والسرور فما في…الأرض شيء يلهى به ويسر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت