فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
* جاء الزبير إلى عمر, وكان رجلا ً شجاعًا مهيبًا قد كان يخاف منه الذي كان, فقال لعمر: ائذن لي أن أخرج, فأقاتل في سبيل الله. قال: حسبك قد قاتلت مع رسول الله, فانطلق الزبير, وهو يتذمر, فقال عمر: من يعذرني من أصحاب محمد لولا أني أمسك بفم هذا الشغب لأهلك أمة محمد.
* عن عدي بن حاتم: أنه أتى عمر بن الخطاب في أناس من طيء. أو قال: من قومه، فجعل يفرض للرجال من طيء في ألفين ألفين، فاستقبلته فأعرض عني, فقلت: يا أمير المؤمنين أما تعرفني؟ قال: نعم! إني والله لأعرفك أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا, وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووجوه أصحابه صدقة طيء، جئت بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
* عن الأعمش قال: إنما كان بيننا وبين أصحاب محمد ستر. قال أبو عبد الله: صدق هكذا كان قد رأى أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
* عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الحافظ قال: الذين وقع عليهم اسم الخلافة ثلاثة. قال لآدم:) إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ( [البقرة: من الآية30] . قال ابن عباس: فأخرجه الله من الجنة قبل أن يدخله فيها لأنه خلقه للأرض خليفة فيها, وقوله تعالى لداود…) إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ ( [صّ: من الآية26] وأجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر قالوا له: يا خليفة رسول الله, ولم يسم أحد بعده خليفة, وقيل: أنه قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ثلاثين ألف مسلم كل قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله, ورضوا به من بعده, وإلى حيث انتهينا قيل لهم أمير المؤمنين.
* عن ابن عيينة قال: نظرت في أمر الصحابة, وأمر ابن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلًا إلا بصحبتهم النبي - صلى الله عليه وسلم -, وغزوهم معه.
* عن عاصم الأحول قال: سئل أبو عثمان النهدي, وأنا أسمع قال: فقال له: هل أدركت النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: فقال له: نعم, أسلمت على عهد رسول الله, وأديت إليه ثلاث صدقات, ولم ألقه, وغزوت على عهد عمر بن الخطاب شهدت القادسية, وجلولا, وتستر, ونهاوند, والسروند, واليرموك, واذربيجان, ومهران, ورستم, وكنا نأكل السمن, ونترك الودك, فسألته عن الطروف, فقال: لم نكن نسأل عنها، يعني طعام المشركين.
* عن أبي الغريف قال: كنا مقدمة الحسن بن علي اثنى عشر ألفًا بمسكن مستميتين تقطر أسيافنا من الجد على قتال أهل الشام, وعلينا أبو العمرطي, فلما جاءنا صلح الحسن بن علي كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ, فلما قدم الحسن بن علي الكوفة قال له رجل منا…- يقال له أبو عامر سفيان بن ليلى -, وقال ابن الفضل سفيان بن الليل: السلام عليك يا مذل المؤمنين. قال: فقال: لا تقل ذاك يا أبا عامر, لست بمذل المؤمنين, ولكني كرهت أن أقتلهم على الملك.
* عن أنس بن مالك قال: لما حضرت وفاة أبي بكر الصديق سمعت علي بن أبي طالب قال: المتفرسون في الناس أربعة: امرأتان ورجلان, فأما المرأة الأولى فصفرا بنت شعيب لما تفرست في موسى قال الله في قصتها) يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ( [القصص: من الآية26] والرجل الأول الملك العزيز على عهد يوسف والقوم فيه من الزاهدين. قال:) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ( [يوسف: من الآية21] وأما المرأة الثانية فخديجة ابنة خويلد لما تفرست في النبي - صلى الله عليه وسلم -, وقالت لعمها: قد تنسمت روحي روح محمد بن عبد الله إنه نبي لهذه الأمة, فزوجني منه, وأما الرجل الآخر فأبو بكر الصديق لما حضرته الوفاة قال لي: إني قد تفرست في أن أجعل الأمر من بعدي في عمر بن الخطاب, فقلت له: إن تجعلها في غيره لن نرضى به, فقال: سررتني والله لأسرنك في نفسك بما سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, فقلت: وما هو؟ قال: سمعت رسول الله يقول: إن على الصراط لعقبة لا يجوزها أحد إلا بجواز من علي بن أبي طالب, فقال علي له: أفلا أسرك في نفسك, وفي عمر بما سمعته من رسول الله, فقال: ما هو؟ فقلت: قال لي: يا علي لا تكتب جواز لمن سب أبا بكر وعمر, فإنهما سيدا كهول أهل الجنة بعد النبيين. قال أنس: فلما أفضت الخلافة إلى عمر, قال لي علي: يا أنس إني طالعت مجاري القلم من في الكون, فلم يكن لي أن أرضى بغير ما جرى في سابق علم الله, وإرادته خوفًا من أن يكون مني اعتراض على الله, وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «أنا خاتم الأنبياء, وأنت يا علي خاتم الأولياء» هذا الحديث موضوع من عمل القصاص وضعه عمر بن واصل أو وضع عليه والله أعلم.
* عن سلمان الفارسي قال: كنت رجلًا من أهل فارس من أهل أصبهان من قرية يقال لها جيّ، وكان أبي دهقان قريته، وكان يحبني حبًا شديدًا لم يحبه شيئًا من ماله ولا ولده. فما زال به حبه إياي حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها فلا يتركها تحبو ساعة، وكنت كذلك لا أعلم من أمر الناس شيئًا إلا ما أنا فيه، حتى بنى أبي بنيانًا له وكانت له ضيعة فيها بعض العمل, فدعاني فقال: أي بني إنه قد شغلني ما ترى من بنياني [هذا] عن ضيعتي هذه، ولابد لي من إطلاعها, فانطلق إليهم فمرهم بكذا وكذا ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست عني شغلتني عن كل شيء، فخرجت أريد ضيعته, فمررت بكنيسة النصارى فسمعت أصواتهم فيها, فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هؤلاء النصارى يصلون، فدخلت أنظر فأعجبني ما رأيت من حالهم، فوالله مازلت جالسًا عندهم حتى غربت الشمس, وبعث أبي في طلبي في كل وجه حتى جئته حين أمسيت، ولم أذهب إلى ضيعته. فقال أبي: أين كنت؟ ألم أكن قلت لك؟ فقلت: يا أبتاه مررت بناس يقال لهم: النصارى، فأعجبني صلاتهم, ودعاؤهم, فجلست أنظر كيف يفعلون. فقال: أي بني دينك ودين هؤلاء قوم يعبدون الله, ويدعونه ويصلون له، ونحن نعبد نارًا نوقدها بأيدينا إذا تركناها ماتت، فخافني فجعل في رجلي حديدًا, وحبسني في بيت عنده، فبعثت إلي النصارى فقلت لهم: أين أصل هذا الدين الذي أراكم عليه؟ فقالوا: بالشام, فقلت لهم: إذا قدم عليكم من هناك ناس فآذنوني. قالوا: نفعل! فقدم عليهم ناس من تجارهم فبعثوا إليّ أنه قد قدم علينا تجار من تجارنا، فبعثت إليهم إذا قضوا حوائجهم, وأرادوا الخروج, فآذنوني بهم. قالوا: نفعل! فلما قضوا حوائجهم وأرادوا الرحيل بعثوا إلي بذلك، فطرحت الحديد الذي في رجلي ولحقت بهم، فانطلقت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف صاحب الكنيسة, فجئته فقلت له: إني قد أحببت أن أكون معك في كنيستك، وأعبد الله فيها معك، وأتعلم منك الخير - قال: فكن معي. قال: فكنت معه، وكان رجل سوء، كان يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها, فإذا جمعوها إليه اكتنزها, ولم يعط المساكين منها شيئًا، فأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيت من حاله، فلم ينشب أن مات، فلما جاؤا ليدفنوه, فقلت لهم: إن هذا رجل سوء كان يأمركم بالصدقة يرغبكم فيها, حتى إذا جمعتموها إليه اكتنزها إليه ولم يعطها المساكين, فقالوا: وما علامة ذلك؟ فقلت: أنا أخرج إليكم كنزه. فقالوا: فهاته, فأخرجت لهم سبع قلال مملؤة ذهبًا و ورقًا, فلما رأوا ذلك قالوا: والله لا يدفن أبدًا، فصلبوه على خشبة, ورموه بالحجارة, وجاؤوا برجل آخر فجعلوه مكانه, فلا والله يا ابن عباس! ما رأيت رجلًا قط لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه, ولا أشد اجتهادًا, ولا أزهد في الدنيا, ولا أدأب ليلًا ونهارًا منه. ما أعلمني أحببت شيئًا قط قبله حبه، فلم أزل معه حتى حضرته الوفاة, فقلت: يا فلان قد حضرك ما ترى من أمر الله, وإني والله ما أحببت شيئًا قط حبي لك فماذا تأمرني؟ وإلى من توصيني؟ فقال لي: أي بني والله ما أعلمه إلا رجلًا بالموصل فأته فإنك ستجده على مثل حاله من الاجتهاد والزهادة في الدنيا, فقلت له: إن فلانًا أوصاني إليك أن آتيك وأكون معك. قال: فأقم أي بني. فأقمت عنده على مثل أمر صاحبه حتى حضرته الوفاة, فقلت له: إن فلانًا أوصاني إليك وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من؟ فقال: والله ما أعلمه أي بني إلا رجلًا بنصيبين, وهو على مثل ما نحن عليه فالحق به. فلما دفناه لحقت بالآخر, فقلت له: يا فلان إن فلان أوصى بي إلى فلان وفلان بي إليك. قال: فأقم أي بني. قال: فأقمت عندهم على مثل حالهم حتى حضرته الوفاة, فقلت له: يا فلان إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى, وقد كان فلان أوصى بي إلى فلان، وأوصى بي فلان إليك, فإلى من؟ قال: أي بني والله ما أعلم أحدًا على مثل ما كنا عليه, إلا رجلًا بعمورية من أرض الروم فأته ستجده على مثل ما كنا عليه, فلما واريته خرجت حتى قدمت على صاحب عمورية, فوجدته على مثل حالهم, فأقمت عنده واكتسبت حتى كانت لي غنيمة وبقرات، ثم حضرته الوفاة. فقلت: يا فلان إن فلانًا كان أوصا بي إلى فلان وفلان إلى فلان وفلان إليك, وقد حضرك ما ترى من أمر الله عز وجل فإلى من توصيني؟ قال: أي بني والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه, ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث من الحرم, مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل, وإن فيه علامات لا تخفي، بين كتفيه خاتم النبوة, يأكل الهدية, ولا يأكل الصدقة, فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل, فإنه قد أظلك زمانه. فلما واريناه أقمت حتى مر رجال من تجار العرب من كلب, فقلت لهم: تحملوني معكم حتى تقدموا بي إلى أرض العرب، وأعطيكم غنيمتي هذه وبقراتي. قالوا: نعم! فأعطيتهم إياها وحملوني حتى إذا جاؤا بي واد القرى, ظلموني فباعوني عبدًا من رجل من يهود بوادي القرى. فوالله لقد رأيت النخل وطمعت أن تكون البلد الذي نعت لي صاحبي, وما حقت عندي حتى قدم رجل من بني قريظة من يهود وادي القرى, فابتاعني من صاحبي الذي كنت عنده، فخرج بي حتى قدم بي المدينة؟ فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفت نعته. فأقمت في رقي مع صاحبي, وبعث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بمكة لا يذكر لي شيء من أمره مع ما أنا فيه من الرق، حتى قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبا, وأنا أعمل في نخلة له، فوالله إني لفيها إذ جاء ابن عم له, فقال: يا فلان قاتل الله بني قَيْلَة، والله إنهم الآن لفي قبا مجتمعون على رجل جاء من مكة يزعمون أنه نبي، فوالله ما هو إلا أن سمعتها فأخذتني العزوى. - يقول: الرعدة - حتى ظننت لأسقطن على صاحبي, ونزلت أقول: ما هذا الخبر؟ ما هو؟ فرفع مولاي يده فلكمني لكمة شديدة, وقال: مالك وهذا, أقبل على عملك. فقلت: لأي شيء إنما سمعت خبرًا فأحببت أن أعلمه. قال: فلما أمسيت وكان عندي شيء من طعام, فحملته, وأن معك أصحابًا لك غرباء، وقد كان عندي شيء للصدقة, فرأيتكم أحق من بهذه البلاد, فهاهو فكل منه، فأمسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده, وقال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل, فقلت في نفسي: هذه خلة مما وصف لي صاحبي، ثم رجعت وتحول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، فجمعت شيئًا كان عندي ثم جئته به, فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية وكرامة ليست بالصدقة, فأكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكل أصحابه. فقلت: هاتان خلتان. ثم جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وهو يتبع جنازة وعلى شملتان لي وهو في أصحابه فاستدرت به لأنظر إلى خاتم في ظهره، فلما رآني رسول الله استدبرته عرف أني استثبت شيئًا قد وصف لي، فرفع رداءه عن ظهره, فنظرت إلى الخاتم بين كفيه كما وصف لي صاحبي، فأكببت عليه أقبله وأبكى, فقال: تحول يا سلمان هكذا فتحولت فجلست بين يديه, وأحب أن يسمع أصحابه حديثي عنه، فحدثته يا ابن عباس كما حدثتك, فلما فرغت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: كاتب يا سلمان، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها وأربعين أوقية، فأعانني أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنخل ثلاثين ودية، وعشرين ودية, وعشرًا، كل رجل منهم على قدر ما عنده. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فقر لها فإذا فرغت فآذني، حتى أكون أنا الذي أضعها بيدي. ففقرتها وأعانني أصحابي. يقول: - حفرت لها حيث توضع - حتى فرغنا منها؛ فخرج معي حتى جاءها فكنا نحمل إليه الودي فيضعه بيده ويسوي عليها, فوالذي بعثه بالحق ما ماتت منها ودية واحدة, وبقيت عليَّ الدراهم, فأتاه رجل من بعض المعادن بمثل البيضة من الذهب, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أين الفارسي المسلم المكاتب؟ فدعيت له. فقال: خذ هذه يا سلمان فأد بها ما عليك, فقلت: يا رسول الله وأين تقع هذه مما علي؟ قال: فإن الله سيؤدي بها عنك, فوالذي نفس سلمان بيده لوزنت لهم منها أربعين أوقية فأديتها إليهم وعتق سلمان, وكان الرق قد حبسني حتى فاتني مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدر وأحد, ثم عتقت, فشهدت الخندق, ثم لم يفتني معه مشهد.
* عن سلامة العجلي قال: جاء ابن أخت لي من البادية يقال له: قدامة. فقال لي بن اختي: أحب أني ألقى سلمان الفارسي, فأسلم عليه, فخرجنا إليه, فوجدناه بالمدائن, وهو يومئذ على عشرين ألفًا, ووجدناه على سرير يسف خوصًا, فسلمنا عليه. قلت: يا أبا عبد الله هذا ابن أخت لي قدم عليَّ من البادية, فأحب أن أسلم عليك. قال: عليه السلام ورحمة الله قلت: يزعم أنه يحبك. قال: أحبه الله. قال: فتحدثنا, وقلنا له: يا أبا عبد الله ألا تحدثنا عن أصلك, وممن أنت. قال: أما أصلي, وممن أنا فأنا من أهل رامهرمز, كنا قومًا مجوسًا, فأتانا رجل نصراني من أهل الجزيرة كانت أمه منا, فنزل, واتخذ فينا ديرًا, وكنت في كتاب الفارسية, وكان لا يزال غلام معي في الكتاب يجيء مضروبًا يبكى قد ضربه أبواه, فقلت له يومًا: ما يبكيك؟ قال: يضربني أبواي. قلت: ولِمَ يضربانك؟ قال: آتى صاحب هذا الدير, فإذا علما ذاك ضرباني, وأنت لو أتيته سمعت منه حديثًا عجبًا. قلت: فاذهب بي معك, فأتيناه, فحدثنا عن بدء الخلق, وعن بدء خلق السماء والأرض, وعن الجنة والنار. قال: فكنت أختلف إليه معه, ففطن لنا غلمان من الكتاب, فجعلوا يجيئون معنا, فلما رأى ذلك أهل القرية أتوه فقالوا له: يا هناه, إنك قد جاورتنا, فلم تر من جوارنا إلا الحسن, وإنا نرى غلماننا يختلفون إليك, ونحن نخاف أن تفسدهم علينا اخرج عنا. قال: نعم, فقال لذلك الغلام الذي كان يأتيه: اخرج معي. قال: لا أستطيع ذاك؛ قد علمت شدة أبوي علي. قلت: لكني أنا أخرج معك, وكنت يتيمًا لا أب لي, فخرجت معه, فأخذنا جبل رامهرمز, فجعلنا نمشي, ونتوكل, ونأكل من ثمر الشجر حتى قدمنا الجزيرة, فقدمنا نصيبين, فقال لي صاحبي: يا سلمان إن ههنا قومًا هم عباد أهل الأرض, وأنا أحب أن ألقاهم. قال: فجئنا إليهم يوم الأحد, وقد اجتمعوا, فسلم عليهم صاحبي فحيوه, وبشوا به, وقالوا: أين كانت غيبتك؟ قال: كنت في إخوان لي قبل فارس, فتحدثنا ما تحدثنا, ثم قال لي صاحبي: قم يا سلمان انطلق. فقلت: لا دعني مع هؤلاء. قال: إنك لا تطيق ما يطيق هؤلاء يصومون الأحد إلى الأحد, ولا ينامون هذا الليل, وإذا فيهم رجل من أبناء الملوك ترك الملك, ودخل في العبادة, فكنت فيهم حتى أمسينا, فجعلوا يذهبون واحدًا واحدًا إلى غاره الذي يكون فيه, فلما أمسينا قال ذاك الذي من أبناء الملوك: هذا الغلام ما يصنع ليأخذه رجل منكم, فقالوا: خذه أنت, فقال لي: هلم يا سلمان, فذهب بي حتى أتى غاره الذي يكون فيه, فقال لي: يا سلمان هذا خبز, وهذا أدم, فكل إذا غرثت, وصم إذا نشطت, وصل ما بدا لك, ونم إذا كسلت, ثم قام في صلاته, فلم يكلمني إلا ذاك, ولم ينظر إليَّ, فأخذني الغم تلك السبعة الأيام لا يكلمني أحد حتى كان الأحد, فانصرف إليَّ, فذهبنا إلى مكانهم الذي كانوا يجتمعون. قال: وهم يجتمعون كل أحد يفطرون فيه, فيلقى بعضهم بعضًا, ويسلم بعضهم على بعض, ثم لا يلتقون إلى مثله. قال: فرجعنا إلى منزلنا, فقال لي مثل ما قال لي أول مرة: هذا خبز, وأدم فكل منه إذا غرثت, وصم إذا نشطت, وصل ما بدا لك, ونم إذا كسلت, ثم دخل في صلاته, فلم يلتفت إليَّ, ولم يكلمني إلى الأحد الآخر, فأخذني غم, وحدثت نفسي بالفرار, فقلت: أصبر أحدين أو ثلاثة, فلما كان يوم الأحد رجعنا إليهم, وأفطروا, واجتمعوا فقال لهم: إني أريد بيت المقدس, فقالوا له: وما تريد إلى ذلك؟ قال: لا عهد لي به. قالوا: إنا نخاف أن يحدث بك حدث, فيليك غيرنا, وكنا نحب أن نليك. قال: لا عهد لي به فلما سمعته يذكر ذاك فرحت. قلت: نسافر, ونلقى الناس, فيذهب عني الغم الذي كنت أجد, فخرجنا أنا وهو, وكان يصوم من الأحد إلى الأحد, ويصلى الليل كله, ويمشي بالنهار, فإذا نزلنا قام يصلي, فلم يزل ذاك دأبه حتى انتهينا إلى بيت المقدس, وعلى الباب رجل مقعد يسأل الناس, فقال: أعطني, فقال: ما معي شيء, فذهبنا إلى بيت المقدس, فلما رآه أهل بيت المقدس بشوا إليه, واستبشروا به, فقال لهم: غلامي هذا فاستوصوا به, فانطلقوا بي, فأطعموني خبزًا ولحمًا, ودخل في الصلاة, فلم ينصرف إليَّ حتى كان يوم الأحد الآخر, ثم انصرف, فقال لي: يا سلمان إني أريد أن أضع رأسي, فإذا بلغ الظل مكان كذا وكذا, فأيقظني فوضع رأسه, فنام فبلغ الظل الذي قاله, فلم أوقظه ماواة له مما دأب من اجتهاده, ونصبه, فاستيقظ مذعورًا, فقال: يا سلمان ألم أكن قلت لك إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فأيقظني؟! قلت: بلى, ولكني إنما منعني ماواة لك من دأبك. قال: ويحك يا سلمان إني أكره أن يفوتني شيء من الدهر لم أعمل فيه لله خيرًا, ثم قال لي: يا سلمان إن أفضل دين اليوم النصرانية. قلت: ويكون بعد اليوم دين أفضل من النصرانية كلمة ألقيت على لساني؟ قال: نعم يوشك أن يبعث نبي يأكل الهدية, ولا يأكل الصدقة, وبين كتفيه خاتم النبوة, فإذا أدركته, فاتبعه وصدقه. قلت: وإن أمرني أن ادع النصرانية؟ قال: نعم فإنه نبي لا يأمر إلا بحق, ولا يقول إلا حقًا, والله لو أدركته, ثم أمرني أن أقع في النار لوقعتها, ثم خرجنا من بيت المقدس, فمررنا على ذلك المقعد, فقال له: دخلت فلم تعطني, وهذا تخرج فأعطني, فالتفت فلم ير حوله أحدًا. قال: فأعطني يدك, فأخذ بيده, فقال: قم بإذن الله, فقام صحيحًا سويًا فتوجه نحو أهله, فأتبعته بصري تعجبًا مما رأيت, وخرج صاحبي, فأسرع المشي, وتبعته, فتلقاني رفقة من كلب أعراب فسبوني, فحملوني على بعير, وشدوني وثاقًا, فتداولني البياع حتى سقطت إلى المدينة, واشتراني رجل من الأنصار, فجعلني في حائط له من نخل, فكنت فيه. قال: ومن ثم تعلمت عمل الخوص اشتري خوصًا بدرهم, فأعمله فأبيعه بدرهمين, فأرد درهمًا إلى الخوص واستنفق درهمًا أحب أن آكل من عمل يدي, وهو يومئذ على عشرين ألفًا, فبلغنا ونحن بالمدينة أن رجلًا قد خرج بمكة يزعم أن الله أرسله فمكثنا ما شاء الله أن نمكث, فهاجر إلينا, وقدم علينا, فقلت: والله لأجربنه فذهبت إلى السوق, فاشتريت لحم جزور بدرهم, ثم طبخته, فجعلت قصعة من ثريد, فاحتملتها حتى أتيته بها على عاتقي حتى وضعتها بين يديه, فقال: ما هذه أصدقة أم هدية؟ قلت: بل صدقة, فقال لأصحابه: كلوا باسم الله, وأمسك, ولم يأكل, فمكثت أيامًا, ثم اشتريت لحم جزور أيضًا بدرهم, وأصنع مثلها فاحتملتها حتى أتيته بها, فوضعتها بين يديه, فقال: ما هذه هدية أم صدقة؟ قلت: لا بل هدية. قال لأصحابه: كلوا بسم الله وأكل معهم. قلت: هذا والله يأكل الهدية, ولا يأكل الصدقة, فنظرت فرأيت بين كتفيه خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة, فأسلمت, ثم قلت له ذات يوم: يا رسول الله أي قوم النصارى. قال: لا خير فيهم, وكنت أحبهم حبًا شديدًا لما رأيت من اجتهادهم, ثم إني سألته أيضًا بعد أيام يا رسول الله أي قوم النصارى. قال: لا خير فيهم, ولا فيمن يحبهم. قلت في نفسي: وأنا والله أحبهم. قال: وذاك والله حين بعث السرايا, وجرد السيف فسرية تدخل, وسرية تخرج, والسيف يقطر. قلت: يحدث بي الآن أني أحبهم, فيبعث إليَّ, فيضرب عنقي, فقعدت في البيت, فجاءني الرسول ذات يوم فقال: يا سلمان أجب. قلت: من؟ قال: رسول الله. قلت: هذا والله الذي كنت أحذر. قلت: نعم اذهب حتى ألحقك. قال: لا والله حتى تجيء, وأنا أحدث نفسي: أن لو ذهب أن أفر فأنطلق بي, فانتهيت إليه, فلما رآني تبسم, وقال لي: يا سلمان أبشر, فقد فرج الله عنك, ثم تلا على هؤلاء الآيات) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ( [القصص:52،55] قلت: والذي بعثك بالحق لقد سمعته يقول: لو أدركته فأمرني أن أقع في النار لوقعتها إنه نبي لا يقول إلا حقًا, ولا يأمر إلا بالحق.
(9/ 198ـ 202)