* قيل لأبي الحسين بن سمعون: أيها الشيخ أنت تدعو الناس إلى الزهد في الدنيا والترك لها، وتلبس أحسن الثياب، وتأكل أطيب الطعام فكيف هذا؟ فقال: كل ما يصلحك لله فافعله إذا صلح حالك مع الله بلبس لين الثياب، وأكل الطعام، فلا يضرك.
* عن يحيى قال: الدنيا بحر التلف، والنجاة منها الزهد فيها.
* كان أحمد بن سلمان النجاد يصوم الدهر, ويفطر كل ليلة على رغيف, ويترك منه لقمة, فإذا كان ليلة الجمعة تصدق بذلك الرغيف, وأكل تلك اللقم التي استفضلها.
* كان القاضي أبي العباس الأبيوردي يصوم الدهر, وأن غالب إفطاره كان على الخبز والملح, وكان فقيرًا يظهر المروءة. قال: ومكث شتوة كاملة لا يملك جبة يلبسها, وكان يقول لأصحابه بي علة تمنعني من لبس المحشو, فكانوا يظنونه يعني المرض, وإنما كان يعني بذلك الفقر, ولا يظهره تصونًا ومروءة.
* عن أبي عبد الله الجلاء قال: كنت بمكة مجاورًا مع ذي النون فجعنا أيامًا كثيرة لم يفتح لنا بشيء, فلما كان أن ذات يوم قام ذو النون قبل صلاة الظهر ليصعد إلى الجبل يتوضأ للصلاة, وأنا خلفه فرأيت قشور الموز مطرحًا في الوادي, وهو طري. فقلت في نفسي: آخذ منه كفًا أو كفين أتركه في كمي, ولا يراني الشيخ حتى إذا صرنا في الجبل, ومضى الشيخ يتمسح أكلته. قال: فأخذته, وتركته في كمي, وعيني إلى الشيخ لئلا يراني فلما صرنا في الجبل, وانقطعنا عن الناس التفت إليَّ وقال: اطرح ما في كمك يا شره, فطرحته, وأنا خجل, وتمسحنا للصلاة ورجعنا إلى المسجد, وصلينا الظهر والعصر والمغرب وعشاء الآخرة, فلما كان بعد ساعة إذا إنسان قد جاء, ومعه طعام عليه مكبة فوقف ينظر إلى ذي النون, فقال له ذو النون: مر فدعه قدام ذاك, وأومأ إليّ بيده, فتركه بين يدي, فانتظرت الشيخ ليأكل, فلم أره يقوم من مكانه, ثم نظر إليَّ, وقال: كل. فقلت: آكل وحدي! فقال: نعم. أنت طلبت نحن ما طلبنا شيئًا يأكل الطعام من طلبه. فأقبلت آكل, وأنا خجل مما جرى.
* عن محمد بن منصور قال: كان بالكوفة رجل متعبد يأكل في كل يوم نصف رغيف, وكان قاعدًا لا ينضجع, ويضع جبهته على ركتبه من صلاة إلى صلاة لا يتطوع بشيء غير الفرائض, ولا يتكلم البتة. فقلت له: لو تطوعت. فقال: افهم ما ألقيه إليك إني لست أعصيه.
* عن أبي علي الخياط قال: كنت يومًا جالسًا مع إبراهيم على باب داره, فلما أن أصبحنا قال لي: يا أبا علي قم إلى شغلك فإن عندي فجلة قد أكلت البارحة خضرها أقوم أتغذى بجزرتها.
* عن سليمان بن عبد الملك أنه قدم المدينة, فأرسل إلى أبي حازم فأتاه فقال له سليمان: يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟! قال: وأي جفاء رأيت مني؟ قال: أتاني أهل المدينة, ولم تأتني. قال: يا أمير المؤمنين وكيف يكون إتيان من غير معرفة متقدمة؟! والله ما عرفتني قبل هذا اليوم, ولا أنا رأيتك, فاعذر. قال: فالتفت سليمان إلى الزهري, فقال: أصاب الشيخ, وصدق. قال سليمان: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم أخربتم آخرتكم, وعمرتم دنياكم, فكرهتم أن تنقلوا من العمران إلى الخراب. قال سليمان: صدقت يا أبا حازم، كيف القدوم على الله تعالى؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله مسرورًا, وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه محزونًا.
* عن عاصم بن بهدلة قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز, وعليه ثياب غسيلة, فقومتها ثمانين درهمًا مع عمامة كانت عليه, وعنده رجل رافع صوته فقال له عمر: اخفض من صوتك, فإنما يكفي الرجل من الكلام قدر ما يسمع.
* عن إسماعيل الديلمي قال: كنت في البيت عند أحمد بن حنبل فإذا نحن بداق يدق الباب. قال: فخرجت إليه فإذا أنا بفتى عليه أطمار شعر قال: فقلت: ما حاجتك؟ قال: أريد أحمد بن حنبل. قال: فدخلت إليه, فقلت: يا أبا عبد الله بالباب شاب عليه أطمار شعر يطلبك. قال: فخرج إليه وسلم عليه, فقال له الفتى: يا أبا عبد الله أخبرني ما الزهد في الدنيا؟ فقال له أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري: (إن الزهد في الدنيا قصر الأمل) فقال له: يا أبا عبد الله صفه لي. قال: وكان الفتى قائمًا في الشمس, والفيء بين يديه, فقال: هو أن لا تبلغ من الشمس إلى الفيء. قال: ثم ذهب ليولي. قال: فقال له أحمد: قف. قال: فدخل فأخرج له صرة, فدفعها إليه, فقال: يا أبا عبد الله من لا يبلغ من الشمس إلى الفيء أيش يعمل بهذه؟ قال: ثم تركه وولى.
* جاء رجل إلى حاتم الأصم فقال: يا أبا عبد الرحمن أي شيء رأس الزهد, ووسط الزهد, وآخر الزهد؟ فقال: رأس الزهد الثقة بالله, ووسطه الصبر, وآخره الإخلاص.
* عن بشر بن الحارث قال: دخلت على حماد بن زيد, فرأيت في بيته بساطًا ما أعجبني, ما هكذا يكون العلماء!.
* عن عطاء قال: كان لداود الطائي ثلاثمائة درهم, فعاش بها عشرين سنة ينفقها على نفسه. قال: وكنا ندخل على داود الطائي, فلم يكن في بيته إلا بارية ولبنة يضع عليها رأسه, و إحانة فيها خبز, ومطهرة يتوضأ منها, ومنها يشرب.
* ورث داود الطائي من أمه دارًا فكان ينتقل في بيوت الدار كلما تخرب بيت من الدار انتقل منه إلى آخر, ولم يعمره حتى أتى على عامة بيوت الدار. قال: وورث من أبيه دنانير, فكان يتقوتها حتى كفن بآخرها.
* عن سليمان بن حرب قال: لو نظرت إلى ثياب شعبة لم تكن تسوى عشرة دراهم إزاره, ورداءه, وقمصيه, وكان شيخًا كثير الصدقة.
* عن قراد أبو نوح قال: رأى عليَّ شعبة قميصًا فقال: بكم أخذت هذا؟ قلت: بثمانية دراهم. قال لي: ويحك أما تتقي الله تلبس قميصًا بثمانية دراهم ألا اشتريت قميصًا بأربعة دراهم, وتصدقت بأربعة.
* كان عبد الله بن إدريس من عباد الله الصالحين من الزهاد, وكنيته أبو محمد. قال: وكان ابنه أعبد منه. قال: واشتريت جبة, وعليه جبة, فقال: بكم أخذت جبتك؟ قلت: بكذا. فقال: أخذت جبتي بسبعة ونصف. قال: ولم أر بالكوفة أحدًا أفضل من ابن إدريس, وعبدة.
* عن محمد بن إسحاق قال: رأيت سالم بن عبد الله بن عمر يلبس الصوف، وكان علج الخلق يعالج بيديه ويعمل.
* عن أبي الحسن العروضي قال: اجتمعت أنا وهو - أي أبو بكر الأنباري - عند الراضي على الطعام - وكان قد عرف الطباخ ما يأكل أبوبكر, فكان يسوي له قلية يابسة, قال: فأكلنا نحن من ألوان الطعام, وأطايبه, وهو يعالج تلك القلية، ثم فرغنا, وأتينا بحلواء, فلم يأكل منها, وقام وقمنا إلى الخيشين، فنام بين الخيشين، ونمنا نحن في خيش ينافس فيه، ولم يشرب ماء إلى العصر، فلما كان مع العصر قال لغلام: الوظيفة, فجاءه بماء من الحب, وترك الماء المزمل بالثلج، فغاظني أمره فصحت بصيحة، فأمر أمير المؤمنين بإحضاري, وقال: ما قصتك؟ فأخبرته, وقلت: هذا يا أمير المؤمنين يحتاج إلى أن يحال بينه وبين تدبير نفسه، لأنه يقتلها، ولا يحسن عشرتها, قال: فضحك وقال له: في هذا لذة وقد جرت به العادة، وصار إلفًا فلن يضره, ثم قلت: يا أبا بكر! لم تفعل هذا بنفسك؟ قال: أُبقي على حفظي، قلت له: قد أكثر الناس في حفظك! فكم تحفظ؟ قال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقًا. قال محمد بن جعفر: وهذا ما لا يحفظ لأحد قبله ولا بعده، وكان يحفظ عشرين ومائة تفسير من تفاسير القرآن بأسانيدها!
(3/ 183 ـ 184)
* تخرق إزار بشر - بن الحارث - فقالت له أخته: يا أخي قد تخرق إزارك, وهذا البرد, فلو جئت بقطن حتى أغزل. قال: فكان يجيء بالإستارين والثلاثة. قال: فقالت له: إن الغزل قد اجتمع أفلا تسلم إزارك إن أردت السرعة؟ قال لها: هاتيه. قال: فأخرجته فوزنه, وأخرج ألواحه, وأخذ يحسب الأساتير, فلما رآها قد زادت فيه. قال كما أفسدتيه فخذيه.
* عن أبي حفص ابن أخت بشر بن الحارث قال: اشتهى بشر سفرجلة في علته, فقالت لي أمي: يا بني أطلب لي سفرجلة. قال: فجئت بها. قال: فأخذها, فجعل يشمها. قال: ثم وضعها بين يديه. قال: فقالت أمي: يا أبا نصر كلها. قال: ما أطيب ريحها, فما زال يشمها حتى مات, وما ذاقها.
* عن عمر ابن أخت بشر بن الحارث قال: دخل علينا بشر بن الحارث يوم أضحى. قال: فقالت لي أمي: أحسب أن الكلاب قد شبعت من اللحم في هذا اليوم. قال: فخرج, فلما كان العصر جاءنا, ومعه خرقة فيها رطل لحم, فقال لها: اطبخي هذا. قال: قالت: إيش أطبخه؟ قال: اطبخيه بماء وملح. قال: فطبخت نصفه بماء, وملح, واشترت بحبة سلقًا, وطبخت النصف الآخر به. قال: فلما كان المغرب جاء, ومعه رغيف, وما رأيناه قط أكل عندنا شيئًا. قال: فقال لها: اثردي هذا الرغيف في الماء والملح, وهاتيه. قال: ففعلت, وقدمته إليه. قال: فجعل يأكل الثريد, ويدع اللحم. قال: فشالته فلما كان من الغد جاءنا, ومعه رغيف. قال: فقال لها: إن كان قد بقي من ذلك الماء والملح شيء فأثردي هذا الرغيف فيه, وهاتيه. قالت: ما بقي من الماء والملح شيء, ولكن كنت قد اشتريت بحبة سلقًا, وعملت باقي اللحم, وقد بقي منه شيء. فقال: ولا هذا أيضًا لي فيه حاجة. قالت له: ولِمَ؟ قال: لأن الماء والملح قلت لك بقي شيء منه, فقلت: لا, وكذبت فيه, وهذا أفسدتيه بسلق, لا أدري من أين هو؟!!
* عن بدر المغازلي أن امرأته باعت دارًا لها بثلاثين دينارًا فقال لها بدر: نفرق هذه الدنانير في إخواننا, ونأكل رزق يوم بيوم, فأجابته إلى ذلك, وقالت: تزهد أنت, ونرغب نحن هذا ما لا يكون!
* عن نوف البكالي قال: بايت عليًا فأكثر الدخول, والخروج, والنظر في السماء, ثم قال لي: أنائم أنت يا نوف؟ قلت: رامق أرمقك بعيني منذ الليلة يا أمير المؤمنين. قال: فقال لي: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا, الراغبين في الآخرة, أولئك اتخذوا أرض الله بساطًا, وترابها فراشًا، وماءها طيبًا, والكتاب شعارًا, والدعاء دثارًا, ثم قرضوا الدنيا قرضًا قرضًا على منهاج المسيح بن مريم. يا نوف إن الله أوحى إلى عبده المسيح أن قل لبني إسرائيل لا تدخلوا بيتًا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة, وأبصار خاشعة, وأكف نقية, وذكر باقي الحديث.
* سئل ابن المبارك من الناس؟ قال: العلماء. قال: فمن الملوك؟ قال: الزهاد. قال: فمن السفلة؟ قال: الذي يأكل بدينه.
* دخل الحسين بن منصور إلى مكة, وكان أول دخلته, فجلس في صحن المسجد سنة لا يبرح من موضعه إلا للطهارة, أو للطواف, ولا يبالي بالشمس, ولا بالمطر, وكان يحمل إليه كل عشية كوز ماء للشرب, وقرص من أقراص مكة, فيأخذ القرص, ويعض أربع عضات من جوانبه, ويشرب شربتين من الماء: شربة قبل الطعام, وشربة بعده, ثم يضع باقي القرص على رأس الكوز, فيحمل من عنده.
* عن أبي عبد الله بن خفيف قال: دخل أبو طالب خزرج بن علي شيراز, فاعتل علة, فكنت أخدمه, وأقدم إليه الطست في الليل مرارًا, وكنت في ذلك الوقت في حال الرياضة, فكنت لا أفطر إلا على الباقلاء اليابسة, فسمع أبو طالب ليلة كسري للباقلاء بأسناني, فقال لي: ما هذا؟ فعرفته حالي, فبكى, وقال: الزم هذا يا أبا عبد الله فإني كنت كذلك حتى حضرت ليلة مع أصحابنا في دعوة ببغداد, فقدم إلينا حمل مشوي, فأمسكت يدي, فقال لي بعض أصحابنا: كل بلا أنت, فأكلت لقمة, وأنا منذ أربعين سنة إلى خلف.
* عن أبي الربيع الأعرج قال: دخلت على داود الطائي ببيته بعد المغرب, فقرب إلي كسيرات يابسة, فعطشت, فقمت إلى دن فيه ماء حار فقلت: رحمك الله لو اتخذت إناء غير هذا يكون فيه الماء, فقال لي: إذا كنت لا أشرب إلا باردًا, ولا آكل إلا طيبًا, ولا ألبس إلا لينًا, فما أبقيت لآخرتي؟! قال: قلت: أوصني. قال: صم الدنيا, واجعل إفطارك فيها الموت, وفر من الناس فرارك من السبع, وصاحب أهل التقوى إن صحبت, فإنهم أقل مؤنة, وأحسن معونة, ولا تدع الجماعة. حسبك هذا إن عملت به.
* باع داود الطائي جارية له. قال: فقال له بعض إخوانه: لو دفعت إليَّ ثمنها, فضاربت لك بها, فعشت في فضلها, وكانت هي على حالها, فلما ولى دعاه, فقال: هاتها عسى أن لا أفنيها حتى أموت و قال: فوالله ما أفناها حتى مات. قال: وبقي منها شيء, فاشترينا له كفنًا.
* عن أبي عبد الله بن المحاملي قال: صليت صلاة العيد يوم فطر في جامع المدينة, فلما انصرفت قلت في نفسي: أدخل على داود بن علي أهنيه, وكان ينزل قطيعة الربيع. قال: فجئته, وقرعت عليه الباب, فأذن لي, فدخلت عليه, وإذا بين يديه طبق فيه أوراق هندبا, وغصارة فيها نخلة, وهو يأكل فهنيته, وتعجبت من حاله, ورأيت أن جميع ما نحن فيه من الدنيا ليس بشيء, فخرجت من عنده, ودخلت على رجل من مجندي القطيعة يعرف بالجرجاني, فلما علم بمجيئي إليه خرج إليَّ حاسر الرأس حافي القدمين, وقال لي: ما عنى القاضي أيده الله؟ فقلت: مهم. قال: وما هو؟ قلت: في جوارك داود بن علي, ومكانه من العلم, وأنت فكثير البر والرغبة في الخير تغفل عنه, وحدثته بما رأيت, فقال لي: داود شرس الخلق أعلم القاضي أني وجهت إليه البارحة ألف درهم مع غلامي ليستعين بها في بعض أموره, فردها مع الغلام, وقال للغلام: قل له بأي عين رأيتني؟ وما الذي بلغك من حاجتي, وخلتي حتى وجهت إلي بهذا؟ قال: فتعجبت من ذلك, فقلت له: هات الدراهم فإني أحملها إليه أنا, فدعا بها, ودفعها إليَّ, ثم قال: يا غلام ناولني الكيس الآخر, فجاءه بكيس فوزن ألفًا أخرى, فقال: تيك لنا, وهذه لموضع القاضي, وعنايته. قال: فأخذت الألفين, وجئت إليه فقرعت بابه, وكلمني من وراء الباب أو قال: ما رد القاضي؟ قلت: حاجة أكلمك فيها فدخلت, وجلست ساعة, ثم أخرجت الدراهم, وجعلتها بين يديه, فقال: هذا جزاء من ائتمنك على سره إنما بأمانة العلم أدخلتك إليَّ. ارجع فلا حاجة لي فيما معك. قال المحاملي: فرجعت, وقد صغرت الدنيا في عيني, ودخلت على الجرجاني, فأخبرته بما كان, فقال: أما أنا فقد أخرجت هذه الدراهم لله تعالى لا ترجع في مالي هذا فليتول القاضي إخراجها في أهل الستر, والعفاف من المتجملين بالستر, والصيانة على ما يراه, فقد أخرجتها عن قلبي.
* عن أبي عمرو الزجاجي قال: نهاني الجنيد أن أدخل على رويم, فدخلت عليه يومًا, وكان قد دخل في شيء من أمور السلطان, فدخل عليه الجنيد, فرآني عنده, فلما أن خرجنا قال الجنيد: كيف رأيته يا خراساني؟ قلت: لا أدري. قال: إن الناس يتوهمون أن هذا نقصان في حاله ووقته, وما كان رويم أعمر وقتًا منه في هذه الأيام, ولقد كنت أصحبه بالشونيزية في حال الإرادة, وكنت معه في خرقتين, وهو الساعة أشد فقرًا منه في تلك الحالة, وفي تلك الأيام.
* عن سري بن المغلس قال: أشتهي منذ ثلاثين سنة جزرة أغمسها في الدبس, وآكلها فما تصح لي.
* عن سري بن المغلس السقطي قال: أتاني حسين الجرجاني إلى عبدان, فدق علي باب الغرفة التي كنت فيها, فخرجت إليه, فقال لي: سري؟ فقلت: سري, فقال لي: ملحك مدقوقة؟ قلت: نعم. قال: لا تفلح, ثم قال لي: سري لولا أن الله عقم الآذان عن فهم القرآن ما زرع الزارع, ولا تجر التاجر, ولا تلاقى الناس في الطرقات, ثم مضى, فأتعبني, وأبكاني.
* قال البرقاني: ودفع إليَّ الأبندوني يومًا قدحًا فيه كسر يابسة, وأمرني أن أحمله إلى الباقلاني ليطرح عليه ماء الباقلاء, ففعلت ذلك فلما ألقى الباقلاني عليه الماء, وقع في القدح من الباقلاء اثنتين, أو ثلاث, فبادر الباقلاني إلى رفعها, فقلت له: ويحك ما مقدار هذا حتى ترفعه من القدح؟! فقال: هذا الشيخ يعطيني في كل شهر دانقًا حتى إبل له الكسر اليابسة فكيف أدفع إليه الباقلاء مع الماء؟ وجعل البرقاني يصف أشياء من تقلله وزهده.
* رأت جارية المنصور قميصه مرقوعًا فقالت: أخليفة وقميصه مرقوعًا؟ فقال: ويحك أما سمعت ما قال ابن هرمة:
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه خلق وجيب قميصه مرقوع
* عن علي بن أبي جميلة عن أبيه قال: رأيت على معاوية, وهو على المنبر قباء مرقع.
* عن علي بن الفضيل قال: سمعت أبي وهو يقول لابن المبارك: أنت تأمرنا بالزهد, والتقلل, والبلغة, ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام كيف ذا؟! فقال ابن المبارك: يا أبا علي إنما أفعل ذا لأصون به وجهي, وأكرم به عرضي, وأستعين به على طاعة ربي، لا أرى لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به. فقال له الفضيل: يا ابن المبارك: ما أحسن ذا إن تم ذا.
* قال ابن عمار: رأيت عمر بن أيوب أخرج صوفًا من قفته فدفعه إلى ابنه, فذهب به فباعه, فجاء بخبز, فوضعه بين أيدينا, فأبينا أن نأكل. قال: وبات ليلته, ولم يكن عنده شيء حتى أخرج الصوف إما قال: من فراش, أو من قفة حتى بيع, واشترى خبزًا. قال: وما رأيته يذكر الدنيا بواحدة, وكان من أشد الناس حياء, ويضع الناس منه كأنه على الكبر.
* جاء رجل إلى عبد الصمد بمائة دينار ليدفعها إليه فقال: أنا غني عنها, ولست بمحتاج إليها. قال: ففرقها على أصحابك هؤلاء. فقال: ضعها على الأرض, ففعل, ثم قال عبد الصمد للجماعة: من احتاج منكم إلى شيء, فليأخذ على قدر حاجته, فتوزعتها الجماعة على صفات مختلفة في القلة والكثرة, ولم يمسها هو بيده, ثم جاء ابنه بعد ساعة, فطلب منه شيئًا فقال له: اذهب إلى البقال, فخذ علي منه ربع رطل تمر.
* كان لأبي عمرو بن العلاء كل يوم فلسين: فلس يشتري به ريحانًا يشمه, وفلس يشتري به كوزًا يشرب فيه ماء.
* عن عيسى بن على بن عيسى الوزير قال: حضر أبو الحسين عمر بن أبي عمر القاضي, فرأى أبي عليه ثوبًا, فاستحسنه فأدخل يده فيه يستشفه, وقال: بكم اشترى القاضي هذا الثوب؟ فقال: بسبعين دينارًا, فقال أبي, لكني لم ألبس ثوبًا قط يزيد ثمنه على ما بين ستة دنانير إلى سبعة. فقال أبو الحسين: ذاك لأن الوزير يجمل الثياب, ونحن نتجمل بلبس الثياب.
* عن جنيد وقد قال له أبو القاسم النهاوندي: عمرو المكي يوافي وينزل عند فلان. قال: لا أحب أن أسلم عليه, وذلك أني معزم على أن لا أكلم أحدًا ممن كان يظهر الزهد, ويقول به, ثم تبدو منه المذمومات من الإيثار في طلب الدنيا, والاتساع في طلبها إلا أن يتوب.
* كان عطية زاهدًا, وكان لا يضع جنبه على الأرض, وإنما ينام محتبيًا.
* عن جعفر بن حمدويه قال: كنا على باب قبيصة بن عقبة بالكوفة, ومعنا دلف بن أبي دلف أبو عبد العزيز, ومعه الخدم يكتب الحديث, فصار إلى باب قبيصة, فدق عليه الباب, فأبطأ قبيصة بالخروج, فعاوده الخدم, وقيل ابن ملك الجبل على الباب, وأنت لا تخرج إليه. قال: فخرج, وفي طرف إزاره كسر من الخبز, فقال: رجل قد رضي من الدنيا بهذا, ما يصنع بابن ملك الجبل؟ والله لا حدثته فلم يحدثه.
* عن ابن سيرين قال: كان عمر بن الخطاب إذا بعث أميرًا كتب إليهم: (إني قد بعثت إليكم فلانًا وأمرته بكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوه) فقالوا: هذا الرجل له شأن, فركبوا ليتلقوه، فلقوه على بغل تحته أكاف, وهو معترض عليه رجلاه من جانب واحد، فلم يعرفوه, فأجازوه فلقيهم الناس فقالوا لهم: أين الأمير؟ قالوا: هو الذي لقيتم. قالوا: فركضوا في أثره, فأدركوه, وفي يده رغيف, وفي الأخرى عرق, وهو يأكل، فسلموا عليه, فنظر إلى عظيم منهم, فناوله العرق والرغيف. قال: فلما غفل ألقاه, أو قال أعطاه خادمه.
* عن بشر بن الحارث قال: من أراد أن يكون عزيزًا في الدنيا، سليمًا في الآخرة، فلا يحدّث، ولا يشهد، ولا يؤم قومًا، ولا يأكل لأحد طعامًا.
* عن أبي بكر أحمد بن محمد الحجاج المروذي قال: دخلت على أبي بكر بن مسلم - صاحب قنطرة بردان - يوم العيد، فوجدت عليه قميص مرقوع نظيف مطبق، وقدامه قليل خرنوب يقرضه، فقلت: يا أبا بكر اليوم عيد الفطر وتأكل خرنوبًا؟ فقال لي: لا تنظر إلى هذا، ولكن انظر، إن سألني من أين هو إيش أقول؟!
* عن أبي العباس هاشم بن القاسم قال: كنت بحضرة المهتدي عشية من العشايا، فلما كادت الشمس تغرب، وثبت لأنصرف - وذلك في شهر رمضان - فقال لي: اجلس. فجلست ثم أن الشمس غابت وأذن المؤذن لصلاة المغرب وأقام، فتقدم المهتدي فصلى بنا، ثم ركع وركعنا, ودعا بالطعام, فأحضر طبق خلاف, وعليه رغف من الخبز النقي, وفيه آنية في بعضها ملح، وفي بعضها خل، وفي بعضها زيت. فدعاني إلى الأكل فابتدأت آكل معذرًا ظانًا أنه سيؤتى بطعام له نيقة، وفيه سعة, فنظر إليّ وقال لي: ألم تك صائمًا؟ قلت: بلى. قال: أفلست عازمًا على صوم غد؟ فقلت: كيف لا, وهو شهر رمضان؟! فقال: فكل واستوف غداءك, فليس هاهنا من الطعام غير ما ترى. فعجبت من قوله، ثم قلت: والله لأخاطبنه في هذا المعنى, فقلت: ولِمَ يا أمير المؤمنين وقد أسبغ الله نعمه، وبسط رزقه، وكثر الخير من فضله؟ فقال: إن الأمر لعلى ما وصفت فالحمد لله، ولكنني فكرت في أنه كان في بنى أمية عمر بن عبد العزيز وكان من التقلل والتقشف على ما بلغك، فغرت على بني هاشم أن لا يكون في خلفائهم مثله، فأخذت نفسي بما رأيت, وذكر أنه وجد له سفط فيه جبة صوف وكساء, وبرنس كان يلبسه بالليل ويصلي فيه، وكان يقول: أما يستحي بنو العباس أن لا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز؟! وكان قد اضطرح الملاهي، وحرّم الغناء، والشراب، وحسم أصحاب السلطان عن الظلم، وضرب جماعة من الرؤساء، وكان مع حسن مذهبه, وإيثار العدل الأشراف على أمر الدواوين والخراج، يجلس بنفسه في الحسبانات, ولا يخل بالجلوس يوم الاثنين والخميس, والكتاب بين يديه.
* عن حكيم بن جعفر قال: كنا نأتي أبا عبد الله بن أبي جعفر الزاهد وكان يسكن براثًا, و كانت له امرأة متعبدة يقال لها جوهر, وكان أبو عبد الله يجلس على جلة خوص بحرانية, وجوهر جالسة حذاءه على جلة أخرى مستقبل القبلة في بيت واحد. قال: فأتيناه يومًا وهو جالس على الأرض ليس الجلة تحته, فقلنا: يا أبا عبد الله ما فعلت الجلة التي كنت تقعد عليها؟ قال: إن جوهرًا أيقظتني البارحة, فقالت: أليس يقال في الحديث (إن الأرض تقول لابن آدم: تجعل بيني وبينك سترًا, وأنت غدًا في بطني) قال: قلت: نعم. قالت: فأخرج هذه الجلال لا حاجة لنا فيها, فقمت والله فأخرجتها.
* مكث أبو جعفر الحداد عشرين سنة يكسب كل يوم دينارًا يتصدق به. أو قال: ينفقه على الفقراء, وهو أشد الناس اجتهادًا, ويخرج بين العشاءين, فيتصدق من الأبواب, ولا يفطر إلا في وقت أحل الله عليه الميتة, وكان من رؤساء المتصوفة.
* قال أبو محمد الجريري: دخلت يومًا على سرى السقطي وهو يبكي فقلت له: ما يبكيك؟ قال: جاءتني البارحة الصبية فقالت لي: يا أبت هذا الليلة حارة، وهذا الكوز فيه ماء هو ذا أعلقه هاهنا، فإذا برد فاشربه. قال: فعلقته وقمت إلى أمر كنت أقوم إليه فغلبتني عيناي فنمت فرأيت كأن جارية من أحسن الخلق نزلت من السماء وإذا الدنيا قد أشرقت لحسنها وعليها قميص فضة يتخشخش كأني أقول لها: لمن أنت يا جارية؟ قالت: أنا لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان. قال: وتناولت الكوز فضربت به الأرض فكسرته، ثم قالت: سرى، تدعى المحبة وتشرب الماء البارد في الكيزان؟ هذا محال. قال: فرأت الخزف المكسور في غرفته، لم يشله ولم يمسه حتى عفى عليه التراب.