فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 593

* عن المدائني قال: دخل على المهدي رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن المنصور شتمني, وقذف أبي, فإما أمرتني أن أحلله, وإما عوضتني, فاستغفرت له. قال: ولِمَ شتمك؟ قال: شتمت عدوه بحضرته, فغضب. قال: ومن عدوه الذي غضب لشتمه؟ قال: إبراهيم بن عبد الله بن حسن. قال: إن إبراهيم أمس به رحمًا, وأوجب عليه حقًا, فإن كان شتمك كما زعمت, فعن رحمه ذب, وعن عرضه دفع, وما أساء من انتصر لابن عمه. قال: إنه كان عدوًا له. قال: فلم ينتصر للعداوة, إنما انتصر للرحم, فأسكت الرجل, فلما ذهب ليولي. قال: لعلك أردت أمرًا فلم تجد له ذريعة عندك أبلغ من هذه الدعوى؟ قال: نعم. فتبسم, ثم أمر له بخمسة آلاف درهم.

* عن أبي سليمان - الداراني - قال: ما وجدنا شيئًا أعجل ثوابًا من بر القرابة. كنت ربما نويت أن أخرج إلى أخ لي بالعراق فأجد ثواب ذلك قبل أن أكتري, وقبل أن أتجهز, وأي شيء صلتي له ليس عندي شيء أعطيه, ولكن أرجو إذا رأوني وصلوه.

* أخذ أبو جعفر أمير المؤمنين عبد الله بن حسن بن حسن فقيده, وحبسه في داره, فلما أراد أبو جعفر الخروج إلى الحج جلست له ابنة لعبد الله بن حسن يقال لها فاطمة, فلما أن مر بها أنشأت تقول:

ارحم كبيرًا سنه متهدم…في السجن بين سلاسل وقيود

وارحم صغار بنى يزيد إنهم…يتموا لفقدك لا لفقد يزيد

إن جدت بالرحم القريبة بيننا…ما جدنا من جدكم ببعيد

فقال أبو جعفر: أذكرتنيه, ثم أمر به, فحدر إلى المطبق, وكان آخر العهد به.

* عن سفيان قال: قيل لأبي حازم: ما القرابة؟ قال: المودة. قيل: فما الراحة؟ قال: دخول الجنة, وقال المودة لا تحتاج إلى القرابة, والقرابة تحتاج إلى المودة.

* عن أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد قال: أرسل إليّ أمير المؤمنين المنصور بكرة واستعجلني الرسول، فظننت ذلك لأمر حادث، فركبت إذ سمعت وقع الحافر فقلت للغلام: انظر من هذا؟ قال: أخوك عبد الوهاب، فرفقت في السير فلحقني فسلم عليّ فقال: أتاك رسول هذا؟ فقلت: نعم! فهل أتاك؟ قال: نعم! فقلت: فيمَ ذاك ترى؟ قال تجده اشتهى خلًا وزيتًا [يريد] الغداء فأحب أن نأكل معه, فقلت: ما أرى ذلك وما أظن هذا إلا لأمر. قال: فانتهينا إليه فدخلنا, فإذا الربيع واقف عند الستر, فإذا المهدي ولي العهد هو في الدهليز جالس، وإذا عبد الصمد ابن علي، وداود بن علي، وإسماعيل بن علي، وسليمان بن علي، وجعفر بن محمد ابن علي بن الحسين، وعبد الله بن حسن بن حسن، والعباس بن محمد. فقال الربيع: اجلسوا مع بني عمكم. قال: [فدخلنا] فجلسنا, ثم دخل الربيع, وخرج وقال للمهدي: ادخل أصلحك الله, ثم خرج, فقال: ادخلوا جميعًا، فدخلنا فسلمنا وأخذنا مجالسنا، فقال الربيع: هات دوى وورق يكتبون فيه، فوضع بين يدي كل واحد منا دواة و ورق، ثم التفت إلى عبد الصمد بن علي, فقال: يا عم حدث ولدك, وإخوتك وبني أخيك بحديث البر والصلة, فقال عبد الصمد بن علي: حدثني أبي عن جدي عبد الله بن العباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن البر والصلة ليطيلان الأعمار, ويعمران الديار, ويثريان الأموال, ولو كان القوم فجارًا» . ثم قال: يا عم الحديث الآخر, فقال عبد الصمد بن علي حدثني أبي عن جدي عبد الله بن العباس. قال قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن البر والصلة ليخففان سوء الحساب يوم القيامة, ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم:) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ( [الرعد:21] فقال المنصور: يا عم الحديث عن الآخر, فقال عبد الصمد بن علي حدثني أبي عن جدي. عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «أنه كان في بني إسرائيل ملكان أخوان على مدينتين، وكان أحدهما بارًا برحمه، عادلًا على رعيته وكان الآخر عاقًا برحمه، جائرًا على رعيته، وكان في عصرهما نبي فأوحى الله تعالى إلى ذلك النبي: أنه قد بقي من عمر هذا البار ثلاث سنين، وبقي من عمر هذا العاق ثلاثون سنة قال: فأخبر النبي رعية هذا, ورعية هذا، فأحزن ذلك رعية العادل, وأحزن ذلك رعية الجائر. قال: ففرقوا بين الأطفال والأمهات، وتركوا الطعام والشراب، وخرجوا إلى الصحراء يدعون الله أن يمتعهم بالعادل، وأن يزيل عنهم أمر الجائر, فأقاموا ثلاثًا، فأوحى الله إلى ذلك النبي: أن أخبر عبادي أني قد رحمتهم وأجبت دعاءهم، فجعلت ما بقي من عمر هذا البار لذلك الجائر، وما بقي من عمر الجائر لهذا البار. قال: فرجعوا إلى بيوتهم، ومات العاق لتمام ثلاث سنين، وبقي العادل فيهم ثلاثين سنة, ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم:) وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( [فاطر: من الآية11] ثم التفت المنصور إلى جعفر بن محمد فقال: يا أبا عبد الله حدث بني عمك بحديث أمير المؤمنين علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في البر. فقال جعفر بن محمد حدثني أبي عن جدي عن أبيه عن علي بن أبي طالب. قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما من ملك يصل رحمه وذا قرابته، ويعدل على رعيته، إلا شدّ الله له ملكه, وأجزل له ثوابه، وأكرم مآبه، وخفف حسابه» .

* عن داود بن المبارك قال: توفي محمد بن جعفر بخراسان مع المأمون، فركب المأمون لشهوده، فلقيهم خرجوا به، فلما نظر إلى السرير نزل فترجل ورفع عن تراقيه، ثم دخل بين العمودين, فلم يزل بينهما حتى وضع، وتقدم فصلى عليه، ثم حمله حتى بلغ به القبر, ثم دخل قبره, فلم يزل فيه حتى بنى عليه، ثم خرج فقام على القبر, وهو يدق, فقال له عبد الله بن الحسن: - ودعا له - يا أمير المؤمنين إنك قد تعبت، فلو ركبت فقال له المأمون: إن هذه رحم قطعت من مائتي سنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت