فهرس الكتاب

الصفحة 564 من 593

* عن سعيد بن يعقوب الطالقاني قال: قال رجل لابن المبارك: هل بقي من ينصح؟ قال: فقال وهل تعرف من يقبل.

* عن هارون بن عبد الله الحمال قال: جاءني أحمد بن حنبل بالليل فدق الباب عليَّ, فقلت: من هذا؟ فقال: أنا أحمد, فبادرت أن خرجت إليه فمساني ومسيته. قلت: حاجة يا أبا عبد الله؟ قال: شغلت اليوم قلبي. قلت: بماذا يا أبا عبد الله؟ قال: جزت عليك اليوم, وأنت قاعد تحدث الناس في الفيء, والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر, لا تفعل مرة أخرى إذا قعدت, فاقعد مع الناس.

* دخل سفيان على المهدي, فقال: السلام عليكم, كيف أنتم أبا عبد الله؟ ثم جلس, فقال: حج عمر بن الخطاب, فأنفق في حجته ستة عشر دينارًا, وأنت حججت, فأنفقت في حجتك بيوت الأموال, فقال: أي شيء تريد أكون مثلك؟ قال: فوق ما أنا فيه, ودون ما أنت فيه.

* عن أبي الحسن الدار قطني أنه حضر أبابكر المستملي في المجلس, أملاه يوم الجمعة, فصحف اسمًا أورده في إسناد حديث، إما كان حبان، فقال حيان، أو حيان فقال حبان: قال أبو الحسن: فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله, وجلالته، وهم, وهبته أن أوقفه على ذلك، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملي, وذكرت له وهمه، وعرفته صواب القول فيه، وانصرفت، ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه, فقال أبو بكر للمستملي: عرف جماعة الحاضرين أنا صحفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب؛ وهو كذا، وعرّف ذلك الشاب، أنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال.

* عن أبي بكر الأعين قال: أتيت آدم العسقلاني فقلت له: عبد الله بن صالح كاتب الليث يقرئك السلام, قال: لا تقريه مني السلام, فقلت له: لِمَ؟ قال: لأنه قال: القرآن مخلوق, قال فأخبرته بعذره, وأنه أظهر الندامة, وأخبر الناس بالرجوع, قال: فأقرئه السلام, فقلت له بعد: إني أريد أن أخرج إلى بغداد فلك حاجة؟ قال: نعم إذا أتيت بغداد فائت أحمد بن حنبل, فأقرئه مني السلام, وقل له: يا هذا اتق الله, وتقرب إلى الله بما أنت فيه, ولا يستفزنك أحد, فإنك إن شاء الله مشرف على الجنة, وقل له: حدثنا الليث بن سعد عن محمد بن عجلان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من أرادكم على معصية الله فلا تطيعوه» فأتيت أحمد بن حنبل في السجن, فدخلت عليه, فسلمت عليه, وأقرأته السلام, وقلت له هذا الكلام, والحديث, فأطرق أحمد إطراقة, ثم رفع رأسه, فقال: حيًا وميتًا, فلقد أحسن النصيحة.

* عن عبد الرزاق بن سليمان بن علي بن الجعد عن أبيه قال: لما أحضر المأمون أصحاب الجوهر، فناظرهم على متاع كان معهم, ثم نهض المأمون لبعض حاجته ثم خرج, فقام كل من كان في المجلس إلا ابن الجعد فإنه لم يقم، قال: فنظر إليه المأمون كهيئة المغضب ثم استخلاه فقال له: يا شيخ ما منعك أن تقوم لي كما قام أصحابك؟ قال أجللت أمير المؤمنين للحديث الذي نأثره عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: وما هو؟ قال علي بن الجعد: سمعت المبارك بن فضالة يقول: سمعت الحسن يقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار» قال: فأطرق المأمون متفكرًا في الحديث, ثم رفع رأسه فقال: لا يشترى إلا من هذا الشيخ، قال: فاشترى منه ذلك اليوم بقيمة ثلاثين ألف دينار.

* عن المدائني قال: مر المنصور بفرج بن فضالة فلم يقم له، فقيل له في ذلك، فقال: خشيت أن يسألني لِمَ قمت؟ ويسأله لِمَ رضيت؟.

* وفي رواية أنه: أقبل المنصور يومًا راكبًا ـ والفرج بن فضالة جالس عند باب الذهب ـ فقام الناس، فدخل من الباب ولم يقم له الفرج, واستشاط غضبًا ودعا به، فقال له: ما منعك من القيام حين رأيتني؟ قال: خفت أن يسألني الله عنه لِمَ فعلت؟ ويسألك لِمَ رضيت؟ وقد كرهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, قال: فبكى المنصور وقربه وقضى حوائجه.

* عن مبارك بن فضالة قال: وفدا بن سوار في وفد من أهل البصرة إلى أبي جعفر، فإنا لعنده ذات يوم, إذ أتي برجل فأمر بقتله, فقلت في نفسي: يقتل رجل من المسلمين وأنا حاضر، فقلت: يا أمير المؤمنين ألا أحدثك حديثا سمعته من الحسن؟ قال: وما هو؟ قلت: حدثنا الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة جمع الناس في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، فيقوم مناد من عند الله فيقول: ليقومن من له على الله يد فلا يقومن إلا من عفا» فأقبل عليَّ فقال: آلله لسمعته من الحسن؟ قال قلت: آلله لسمعته من الحسن، قال: خليا عنه.

* عن ابن عباس قال: قال لي عمر: ما حبسك عن الصلاة؟ قلت: لما أن سمعت الأذان توضأت ثم أقبلت, قال عمر: الوضوء أيضًا! ما بهذا أمرنا. قال: فما تركت الغسل يوم الجمعة بعد.

* عن صالح المري قال: دخلت على المهدي هاهنا بالرصافة، فلما مثلت بين يديه قلت: يا أمير المؤمنين أحمل لله ما أكلمك به اليوم، فإن أولى الناس بالله، أحملهم لغلظة النصيحة فيه. وجدير بمن له قرابة برسول الله أن يرث أخلاقه، ويأتم بهديه، وقد ورثك الله من فهم العلم، وإنارة الحجة، ميراثًا قطع به عذرك، فمهما ادعيت من حجة؛ أو ركبت من شبهة، لم يصح لك بها برهان من الله؛ حل بك من سخط الله بقدر ما تجاهلته من العلم، أو أقدمت عليه من شبهة الباطل، واعلم أن رسول الله خصم من خالفه في أمته يبتزها أحكامها. ومن كان محمد خصمه كان الله خصمه، فأعد لمخاصمة الله ومخاصمة رسول الله حججًا تضمن لك النجاة، أو استسلم للهلكة، واعلم أن أبطأ الصرعى نهضة صريع هوى يدعيه إلى الله قربه، وإن أثبت الناس قدمًا يوم القيامة، آخذهم بكتاب الله وسنة نبيه. فمثلك لا يكابر بتجريد المعصية، ولكن تمثل له الإساءة إحسانًا، ويشهد له عليها خونة العلماء، وبهذه الحبالة تصيدت الدنيا نظراءك، فأحسن الحمل فقد أحسنت إليك الأداء، قال: فبكى المهدي.

* عن العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب قال: اعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء، ففرغه للمهم، وإن مالك لا يغني الناس كلهم فخص به أهل الحق، وأن كرامتك لا تطيق العامة فتوخ بها أهل الفضل، وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجتك وأن دأبت فيهما، فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك من ذلك. فإن ما شغلك من رأيك في غير المهم إزراء بالمهم، وما صرفت من مالك في الباطل فقدته حين تريده للحق، وما عمدت من كرامتك إلى أهل النقص، أضر بك في الحاجة.

* عن عروة بن الزبير قال: أن المسور بن مخرمة أخبره أنه قدم وافدًا على معاوية بن أبى سفيان فقضى حاجته، ثم دعاه فأخلاه فقال: يا مسور مافعل طعنك على الأئمة؟ فقال: المسور دعنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له. قال: معاوية لا والله لتكلمن ّ بذات نفسك، والذي تعيب عليّ, قال المسور: فلم أترك شيئًا أعيبه عليه إلا بينته له, قال معاوية: لا بريء من الذنب، فهل تعد يا مسور مالي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها؟ أم تعد الذنوب, وتترك الحسنات, قال المسور: لا والله ما نذكر إلا ما ترى من هذه الذنوب. قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه, فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم يغفرها الله؟ قال مسور: نعم! قال معاوية: فما يجعلك أحق أن ترجو المغفرة مني؟ فوالله لما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي, ولكن والله لا أخير بين أمرين، بين الله وبين غيره إلا اخترت الله تعالى على ما سواه، وأنا على دين يقبل الله فيه العمل، ويجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب، إلا أن يعفو عمن يشاء، فأنا احتسب كل حسنة عملتها بأضعافها، وأوازي أمورًا عظامًا لا أحصيها ولا تحصيها، من عمل الله في إقامة صلوات المسلمين، والجهاد في سبيل الله عز وجل، والحكم بما أنزل الله تعالى، والأمور التي لست تحصيها وإن عددتها لك، فتفكر في ذلك. قال المسور: فعرفت أن معاوية قد خصمني حين ذكر لي ما ذكر, قال عروة: فلم يسمع المسور بعد ذلك يذكر معاوية إلا استغفر له.

* كنا مع محمد بن الحسن، إذا أقبل الرشيد فقام إليه الناس كلهم إلا محمد بن الحسن فإنه لم يقم، وكان الحسن بن زياد ثقيل القلب [ممتليء البطن] علي محمد بن الحسن، فقام: محمد بن الحسن. فجزع أصحابه له فأدخل فأمهل ثم خرج طيب النفس مسرورًا فقال: قال لي: مالك لم تقم مع الناس؟ قلت كرهت أن أخرج عن الطبقة التي جعلتني فيها، إنك أهلتني للعلم فكرهت أن أخرج منه إلى طبقة الخدمة التي هي خارجة منه، وان ابن عمك - صلى الله عليه وسلم. قال: «من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار» وإنه إنما أراد بذلك العلماء، فمن قام بحق الخدمة وإعزاز الملك فهو هيبة للعدو، ومن قعد اتبع السنة التي عنكم أخذت فهو زين لكم. قال: صدقت يا محمد. ثم قال: إن عمر بن الخطاب صالح بنى تغلب على أن لا ينصروا أبنائهم، وقد نصروا أبنائهم وحلت بذلك دماؤهم فما ترى؟ قال قلت: إن عمر أمرهم بذلك وقد نصروا أبنائهم بعد عمر، واحتمل ذلك عثمان وابن عمك وكان من العلم ما لا خفاء به عليك، وجرت بذلك السنن، فهذا صلح من الخلفاء بعده ولا شيء يلحقك في ذلك، وقد كشفت لك العلم ورأيك أعلا. قال: لكنا نجريه على ما أجروه إن شاء الله، إن الله أمر نبيه بالمشورة فكان يشاور في أمره، ثم يأتيه جبريل عليه السلام بتوفيق الله، ولكن عليك بالدعاء لمن ولاه الله أمرك ومر أصحابك بذلك، وقد أمرت لك بشيء تفرقه على أصحابك، فخرج له مال كثير ففرقه.

* قال يحيى بن معين: ما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته وأحببت أن أزين أمره، وما استقبلت رجلًا في وجهه بأمر يكرهه ولكن أبين له خطأه فيما بيني وبينه، فإن قبل ذلك وإلا تركته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت