* عن أبي سعيد الخراز قال: من ظن أنه ببذل الجهد يصل فمتمن, ومن ظن أنه بغير بذل الجهد يصل فمتعن.
* عن أبي محمد بن الجريري قال: من توهم أن عملًا من أعماله يوصله إلى مأموله الأعلى والأدنى فقد ضل عن طريقته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لن ينجي أحد منكم عمله» , فما لا ينجي من المخوف كيف يبلغ إلى المأمول؟! ومن صح اعتماده على فضل الله فذاك الذي يرجى له الوصول.
* عن خالد الكاتب قال: وقف عليَّ رجل بعد العشاء متلفع برداء عدني أسود ومعه غلام معه صرة فقال لي: أنت خالد؟ قلت: نعم. قال: أنت الذي تقول:
قد بكى العاذل لي من رحمتي…فبكائي لبكاء العاذل
قلت: نعم. قال: يا غلام ادفع إليه الذي معك. قلت: وما هذا؟ قال: ثلاثمائة دينار. قلت: والله لا أقبلها أو أعرفك. قال: أنا إبراهيم بن المهدي.
* قال حاتم: وقع الثلج ببلخ, فمكثنا في بيت ثلاثة أيام, ومعي أصحابنا فقلت لهم: يخبرني كل رجل منكم بهمته. قال: فأخبروني فإذا ليس فيهم أحد لا يريد أن يتوب من تلك الهمة. قال: قالوا لي: ما همتك أنت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: قلت: ما همتي الساعة إلا شفقة على إنسان يريد أن يحمل رزقي في هذا الطين قال: فإذا رجل قد جاء ومعه جراب خبز, وقد زلق فامتلأت ثيابه طينًا. فقال: يا أبا عبد الرحمن خذ هذا الخبز.
* عن هلال بن العلاء قال: رأيت خالد الكاتب الشاعر بمدينة السلام والناس يصيحون به: يا بارد .. يا بارد, ويرمونه بالحجارة, فتساند إلى حائط, وقال: ويلكم كيف أكون باردًا؟ وأنا الذي أقول:
ولامسه قلبي فآلم كفه…فمن لمس قلبي في أنامله عقر
ومر بفكري خاطرا فجرحته…ولم أر خلقا قط يجرحه الفكر
* عن مريم امرأة أبي عثمان قالت: صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها, فقلت: يا أبا عثمان أي عملك أرجى عندك؟ فقال: يا مريم لما ترعرعت, وأنا بالري, وكانوا يريدونني على التزويج, فأمتنع جاءتني امرأة, فقالت: يا أبا عثمان قد أحببتك حبًا ذهب بنومي وقراري, وأنا أسألك بمقلب القلوب, وأتوسل به إليك أن تتزوج بي. قلت: ألك والد؟ قالت: نعم فلان الخياط في موضع كذا وكذا, فراسلت أباها أن يزوجها مني ففرح بذلك, وأحضرت الشهود, فتزوجت بها, فلما دخلت بها, وجدتها عوراء عرجاء مشوهة الخلق, فقلت: اللهم لك الحمد على ما قدرته لي, وكان أهل بيتي يلومونني على ذلك, فأزيدها برًا وإكرامًا، إلى أن صارت بحيث لا تدعني أخرج من عندها, فتركت حضور المجالس إيثارًا لرضاها, وحفظًا لقلبها, ثم بقيت معها على هذه الحال خمس عشرة سنة, وكأني في بعض أوقاتي على الجمر, وأنا لا أبدي لها شيئًا من ذلك إلى أن ماتت, فما شيء أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي.
* عن سريا قال: هذا الذي أنا فيه من بركات معروف انصرفت من صلاة العيد, فرأيت مع معروف صبيًا شعثًا, فقلت: من هذا؟ فقال: رأيت الصبيان يلعبون, وهذا واقف منكسر, فسألته: لِمَ لا تلعب؟ فقال: أنا يتيم. قال سرى: فقلت له: ما ترى أنك تعمل به؟ فقال: لعلي أخلوا فأجمع له نوى يشترى به جوزًا يفرح به. فقلت له: أعطنيه أغير من حاله. فقال لي: أو تفعل؟ فقلت: نعم. قال لي: خذه أغنى الله قلبك, فسويت الدنيا عندي أقل من كذا.
* عن النضر بن شميل قال: ما رأيت أرحم بمسكين من شعبة, وكان إذا رأى المسكين لا يزال ينظر إليه حتى يغيب عن وجهه.
* بينا أبو السائب في داره إذ سمع رجل يتغنى بهذه الأبيات:
أبكى الذين أذاقوني مودتهم…حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا
حسبي بأن تعلمي أن قد يحبكم…قلبي وأن تجدي بعض الذي أجد
ألقيت بيني وبين الحب معرفة…فليس تنفد حتى ينفد الأبد
وليس لي مسعد فامنن على به…فقد بليت وقد أضناني الكمد
قال: فخرج أبو السائب من داره يسعى خلفه, فقال: قف يا حبيبي دعوتك أنا مسعدك إلى أين تريد؟ قال: إلى خيام الشغف من وادي العرج فأصابتهما سماء شديدة, فجعل أبو السائب يقرأ:) فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( [آل عمران: من الآية146] قال: فرجع إلى منزله, وقد كادت نفسه أن تتلف, فدخل عليه أصحابه, وإخوانه فقالوا: يا أبا السائب ما الذي تصنع بنفسك؟ قال: إليكم عني فإني مشيت في مكرمة, وأحييت مسلمًا, والمحسن معان.
* عن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد الله الشاهد قال: كنت أمشي يومًا مع أبي طاهر بن أبي هاشم المقرئ, وكان أستاذي فاجتزنا بمقابر الخيزران فوقف عليها ساعة ثم التفت إليَّ فقال لي: يا أبا القاسم ترى لو وقف هؤلاء هذه المدة الطويلة على باب ملك الروم ما رحمهم فكيف تظن بمن هو أرحم الراحمين وبكى.
* عن عقبة بن الحارث قال: رأيت أبا بكر يحمل الحسن بن علي على عاتقه, وهو يقول:
بأبي شبيه بالنبي…ليس شبيهًا بعليّ
وعليّ معه يتبسم.
* عن حاتم الأصم قال: لقينا الترك وكان بيننا جولة, فرماني تركي بوهق, فأقلبني عن فرسي, ونزل عن دابته, فقعد على صدري, وأخذ بلحيتي هذه الوافرة, وأخرج من خفه سكينًا ليذبحني به فوحق سيدي ما كان قلبي عنده, ولا عند سكينة إنما كان قلبي عند سيدي أنظر ماذا ينزل به القضاء منه, فقلت: سيدي قضيت على أن يذبحني هذا فعلى الرأس والعين إنما أنا لك وملكك فبينا أنا أخاطب سيدي, وهو قاعد على صدري أخذ بلحيتي ليذبحني إذ رماه بعض المسلمين بسهم فما أخطأ حلقه فسقط عني, فقمت أنا إليه فأخذت السكين من يده فذبحته, فما هو إلا أن تكون قلوبكم عند السيد حتى تروا من عجائب لطفه ما لم تروا من الآباء والأمهات.