* عن أحمد بن مسروق قال: دخلت إلى الري, فقصدت أبا موسى الدولابي, وكان في ذلك الوقت من أشرف من يذكر, فلقيته فسلمت عليه, وأقمت عنده في منزله ثلاثة أيام, وكان له تلامذة يتكلم عليهم, فأردت الخروج, فوقفت عليه لأودعه, فابتدأني وقال: يا غلام الضيافة ثلاثة أيام, وما كان فوق ذلك فهو صدقة منك عليَّ.
* عن الجريري قال: دعانا أبو العباس بن مسروق ليلة إلى بيته, فاستقبلنا صديق لنا فقلنا: ارجع معنا فنحن في ضيافة الشيخ, فقال: إنه لم يدعني. فقلت: نحن نستثني كما استثنى رسول الله بعائشة, فرددناه فلما بلغ باب الشيخ أخبرناه بما قال, وقلنا له, فقال: جعلت موضعي من قبلك أن تجيء إلى منزلي من غير دعوة على كذا وكذا إن مشيت إلى الموضع الذي تقعد فيه إلا على خدي, وألح ووضع خده على الأرض, وحمل الرجل, ووضع قدمه على خده من غير أن يوجعه, وسحب الشيخ وجهه على الأرض إلى أبن بلغ موضع جلوسه. (5/ 101)
* عن السري قال: قلت لمعروف الكرخي: كل من دعاك أجبته؟! قال: إنما أنا ضيف حيث أنزلني نزلت.
* عن فائقة بنت عبد الله قالت: أنا يومًا عند المهدي أمير المؤمنين, وكان قد خرج متنزها إلى الأنبار إذ دخل عليه الربيع, ومعه قطعة من جراب فيه كتابة برماد, وخاتم من طين قد عجن بالرماد, وهو مطبوع بخاتم الخلافة, فقال: يا أمير المؤمنين ما رأيت أعجب من هذه الرقعة جاءني بها رجل أعرابي, وهو ينادي: هذا كتاب أمير المؤمنين المهدي دلوني على هذا الرجل الذي يسمى الربيع, فقد أمرني أن أدفعها إليه, وهذه الرقعة, فأخذها المهدي, وضحك وقال: صدق, هذا خطي, وهذا خاتمي, أفلا أخبركم بالقصة كيف كانت؟ قلنا: أمير المؤمنين أعلى عينًا في ذلك. قال: خرجت أمس إلى الصيد في غب سماء, فلما أصحت هاج علينا ضباب شديد, وفقدت أصحابي حتى ما رأيت منهم أحدًا, وأصابني من البرد, والجوع, والعطش ما الله به أعلم, وتحيرت عند ذلك فذكرت دعاء سمعته من أبي يحكيه عن أبيه عن جده عن ابن عباس رفعه قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: «بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله اعتصمت بالله, وتوكلت على الله, حسبي الله, لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم, وفي, وكفي, وشفي من الحرق, والغرق, والهدم, ومتية السوء» فلما قلتها رفع لي ضوء نار فقصدتها فإذا بها الأعرابي في خيمة له, وإذا هو يوقد نارًا بين يديه, فقلت: أيها الأعرابي هل من ضيافة؟ قال: انزل. فنزلت فقال لزوجته: هاتي ذاك الشعير, فأتت به فقال: اطحنيه. فابتدأت تطحنه. فقلت له: اسقني ماء فأتاني بسقاء فيه مذقة من لبن أكثرها ماء, فشربت منها شربة ما شربت شيئًا قط إلا هي أطيب منه. قال: وأعطاني حلسًا, فوضعت رأسي عليه, فنمت نومة ما نمت نومة أطيب منها وألذ, ثم انتبهت, فإذا هو قد وثب إلى شويهة فذبحها وإذا امرأته تقول: ويحك قتلت نفسك, وصبيتك إنما كان معاشكم من هذه الشاة, فذبحتها فبأي شيء نعيش؟ قال: فقلت: لا عليك هذه الشاة فشققت جوفها, واستخرجت كبدها بسكين كانت في خفي, فشرحتها, ثم طرحتها على النار, فأكلتها, ثم قلت: هل عندك شيء أكتب لك فيه؟ فجاءني بهذه القطعة الجراب, فأخذت عودًا من الزناد الذي كان بين يديه, فكتبت له هذا الكتاب, وختمته بهذا الخاتم, وأمرته أن يجيء, ويسأله على الربيع فيدفعها إليه, فإذا في الرقعة خمسمائة ألف درهم, فقال: والله ما أردت إلا خمسين ألف درهم, ولكن جرت بخمسمائة ألف درهم، لا أنقص والله منها درهمًا واحدًا, ولو لم يكن في بيت المال غيرها. احملوها معه فما كان إلا قليلًا حتى كثرت إبله, وشاؤه, وصار منزلًا من المنازل ينزله الناس ممن أراد الحج من الأنبار إلى مكة, وسمي منزل مضيف أمير المؤمنين المهدي.
* عن حمزة بن جابر قال: قدمت البصرة, فأتاني شعبة بن الحجاج, فسألني, فحدثته بحديث قيس بن طلق في مس الذكر, فقال: أسألك بالله لا تحدث بهذا الحديث ما كنت بالبصرة. قال أبو يعقوب إسحاق بن أبي إسرائيل: لما انصرفت من اليمامة من عند هذا الشيخ - يعني محمد بن جابر - دخلت البصرة ليلًا, فسألت عن منزل أبي عوانة, فقيل لي: أمس دفناه, فغمني ذلك, وجزعت عليه, ثم أتيت حماد بن زيد, فلما رآني, وأنا قشف الهيئة على أثر السفر قال لي: أحسبك غريبًا. قلت: نعم. قال: من أين قدمت؟ قلت: من اليمامة. قال: وما صنعت باليمامة؟ قلت: سمعت من شيخ بها يقال له محمد بن جابر. قال: قد سمعت منه حديث قيس في مس الذكر؟ ثم قال لي: حدثني عنه بما سمعت, فاستحييت, وهبت الشيخ, فلم أذكر شيئًا, ولم يجر على لساني. فقال لي: يا بني إن المستقفين عندنا كثير فاتق لا تؤخذ ثيابك, وكنت أنام في المسجد فقال: يا جلوة خذي ثياب الرجل إليك فأودعته ثيابي, ثم دعاني بعد ذلك حماد بن زيد, وجماعة من الغرباء, فغداني عنده, وهو قائم على رجليه يتعاهدنا يقول: يا جلوة جيئيهم برطب, يا جلوة هاتي موزًا, هاتي ماءًا باردًا, فلم يزل قائمًا علينا حتى فرغنا. شكر الله ذلك لأبي إسماعيل ورضي عنه.
* عن يحيى بن أكثم قال: بت ليلة عند المأمون فعطشت في جوف الليل فقمت لأشرب ماء فرآني المأمون, فقال: ما لك ليس تنام يا يحيى؟ قلت: يا أمير المؤمنين أنا والله عطشان. قال: ارجع إلى موضعك, فقام والله إلى البرادة, فجاءني بكوز ماء, وقام على رأسي, فقال: اشرب يا يحيى. فقلت: يا أمير المؤمنين, فهلا وصيف, أو وصيفة. فقال: إنهم نيام. قلت: فأنا كنت أقوم للشرب. فقال لي: لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه, ثم قال: يا يحيى. فقلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: ألا أحدثك؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين. قال: حدثني الرشيد قال: حدثني المهدى قال: حدثني المنصور عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال: حدثني جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «سيد القوم خادمهم» .
* عن يحيى بن أكثم قال: ما رأيت أكرم من المأمون بت عنده ليلة فعطش, وقد نمنا فكره أن يصيح بالغلمان, فأنتبه, وكنت منتبهًا فرأيته قد قام يمشي قليلًا قليلًا إلى البرادة, وبينه وبينها بعيد حتى شرب, ورجع. قال يحيى: ثم بت عنده, ونحن بالشام, وما معي أحد فلم يحملني النوم, فأخذ المأمون سعال, فرأيته يسد فاه بكم قميصه كي لا أنتبه, ثم حملني آخر الليل النوم, وكان له وقت يقوم فيه يستاك, فكره أن ينبهني فلما ضاق الوقت عليه تحركت, فقال: الله أكبر, يا غلمان نعل أبي محمد.
* عن الحسن قال: أقام عندي أبو حفص سنة مع ثمانية أنفس, فكنت في كل يوم أقدم لهم طعامًا جديدًا, وطيبًا جديدًا, وذكر أشياء من الثياب وغيره, فلما أراد أن يمر كسوته, وكسوت جميع أصحابه, فلما أراد أن يفارقني قال: لو جئت إلى نيسابور علمناك الفتوة, والسخاء. قال: ثم قال: هذا الذي عملت كان فيه تكلف إذا جاءك الفقراء فكن معهم بلا تكلف حتى إن جعت جاعوا, وإن شبعت شبعوا حتى يكون مقامهم, وخروجهم من عندك شيئًا واحدًا.
* عن أبي حمزة السكري قال: ما شبعت منذ ثلاثين سنة إلا أن يكون لي ضيف.