* عن ابن العسكري قال: إن الباب ختم بضعة عشر يومًا، فقال لي أبي: يا بني انظر حتى تحدث إن عشت، أن إنسانًا فعل به هذا ليلي القضاء فامتنع.
* عن عبيد الله بن عمرو الرقي قال: كلم بن هبيرة أبا حنيفة أن يلي له قضاء الكوفة، فأبى عليه فضربه مائة سوط وعشرة أسواط في كل يوم عشرة أسواط، وهو على الامتناع فلما رأى ذلك خلي سبيله.
* عن بشر بن الوليد الكندي قال: أشخص أبو جعفر أمير المؤمنين أبا حنيفة فأراده على أن يوليه القضاء فأبى، فحلف عليه ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فحلف المنصور ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أن لا يفعل، فقال الربيع الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف، فقال أبو حنيفة أمير المؤمنين على كفارة أيمانه، أقدر مني على كفارة أيماني وأبى أن يلي. فأمر به إلى الحبس في الوقت. هذا لفظ أبي العلاء وانتهى حديث الواعظ، وزاد أبو العلاء والعوام يدعون أنه تولى عدد اللبن أيامًا ليكفر بذلك عن يمينه ولم يصح هذا من جهة النقل والصحيح أنه توفي وهو في السجن.
* عن خارجة قال: دعا أبو جعفر أبا حنيفة إلى القضاء فأبى عليه فحبسه، ثم دعا به يومًا فقال: أترغب عما نحن فيه، قال: أصلح الله أمير المؤمنين لا أصلح للقضاء، فقال له كذبت قال، ثم عرض عليه الثانية، فقال أبو حنيفة: قد حكم علي أمير المؤمنين أني لا أصلح للقضاء لأنه ينسبني إلى الكذب، فإن كنت كاذبًا فلا أصلح وإن كنت صادقًا فقد أخبرت أمير المؤمنين أني لا أصلح قال فرده إلى الحبس.
* عن الربيع بن يونس قال: رأيت أمير المؤمنين المنصور ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء، وهو يقول اتق الله ولا ترعى أمانتك إلا من يخاف الله، و الله ما أنا بمأمون الرضى فكيف أكون مأمون الغضب، ولو اتجه الحكم عليك ثم هددتني أن تغرقني في الفرات أو أن تلي الحكم لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك، فلا أصلح لذلك فقال له: كذبت أنت تصلح فقال: قد حكمت لي علي نفسك كيف يحل لك أن تولي قاضيًا على أمانتك وهو كذاب.
* عن عباس الدوري قال: حدثونا عن المنصور أنه لما بنى مدينته ونزلها ونزل المهدي في الجانب الشرقي وبنى مسجد الرصافة أرسل إلى أبي حنيفة، فجيء فعرض عليه قضاء الرصافة، فأبي. فقال له: إن لم تفعل ضربتك بالسياط، قال: أو تفعل قال: نعم. فقعد في القضاء يومين فلم يأته أحد فلما كان في اليوم الثالث أتاه رجل صفار ومعه آخر فقال الصفار: لي علي هذا درهمان وأربعة دوانيق بقية ثمن تور صفر، فقال أبو حنيفة: اتق الله وانظر فيما يقول الصفار، قال ليس له علي شيء، فقال أبو حنيفة للصفار ما تقول؟ قال: استحلفه لي، فقال أبو حنيفة للرجل: قل والله الذي لا إله ألا هو، فجعل يقول فلما رآه أبو حنيفة معزمًا على أن يحلف قطع عليه، وضرب بيده إلى كمه فحل صرة، وأخرج درهمين ثقيلين فقال للصفار: هذان الدرهمان عوض من باقي تورك، فنظر الصفار إليهما وقال نعم فأخذ الدرهمين، فلما كان بعد يومين اشتكى أبو حنيفة فمرض ستة أيام ثم مات.
* عن الزبير بن بكار قال: كان أمير المؤمنين الرشيد قد بعث إلى عبيد الله بن عمر العمري، فقدم عليه بغداد فولاه قضاء المدينة، فاستعفاه فلم يعفه فعرض ليحيى بن خالد فقال: لا والله ما أحسن القضاء فإن كنت صادقًا فما يسعكم أن تولوا من لا يحسن، وإن كنت كاذبًا فلا يحل لكم أن تولوا من يكذب فاعفى من القضاء وكان امرأً صالحًا.
* عن إبراهيم بن سعد قال: أحضر المأمون موسى بن سليمان ومعلي الرازي، فبدأ بأبي سليمان لسنه وشهرته بالورع، فعرض عليه القضاء فقال: يا أمير المؤمنين أحفظ حقوق الله في القضاء ولا تولي على أمانتك مثلي، فإني والله غير مأمون الغضب، ولا أرضى نفسي لله أن أحكم في عباده، قال: صدقت وقد أعفيناك، فدعا له بخير وأقبل على معلي فقال له: مثل ذلك، فقال: لا أصلح قال: و لِمَ؟ قال: لأني رجل أداين فأبيت مطلوبًا و طالبًا قال نأمر بقضاء دينك وتقاضي ديونك، فمن أعطاك قبلناه ومن لم يعطيك عوضناك مالك عليه، قال: ففي شكوك في الحكم وفي ذلك أموال الناس، قال: يحضر مجلسك أهل الدين إخوانك فما شككت فيه سألتهم عنه: وما صح عندك أمضيته، قال: أنا ارتاد رجلًا أوصي إليه من أربعين ما أجد من أوصي إليه، فمن أين أجد من يعينني على قضاء حقوق الله الواجبة عليك، حتى أتمنه على ذلك؟ فأعفاه.
* عن حميد بن الربيع قال: لما جيء بعبد الله بن إدريس وحفص بن غياث ووكيع بن الجراح إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد ليوليهم القضاء دخلوا عليه، فأما ابن إدريس فقال: السلام عليكم، وطرح نفسه كأنه مفلوج، فقال هارون: خذوا بيد الشيخ لا فضل في هذا، وأما وكيع فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أبصرت بها منذ سنة، ووضع أصبعه على عينه وعنى أصبعه فأعفاه، وأما حفص بن غياث فقال: لولا غلبة الدين والعيال ما وليت.
* عن أحمد بن عبد الله العجلي قال: لما مات سوار بن عبد الله طلبوا عبيد الله بن الحسن يستقضونه فهرب، فقال له أبوه: يا بني إن كنت هربت طلبًا لسلامة دينك فقد أحسنت، وإن كنت هربت لتكون أحرص لهم عليك فقد أحسنت أيضًا فاستقضي بعد سوار.
* عن أبي سعيد بن يونس قال: علي بن الحسين بن حرب قاضي مصر ـ يكنى أبا عبيد ـ قدم مصر على القضاء، فأقام بها دهرًا طويلًا، وكان شيئًا عجبًا ما رأينا مثله قبله ولا بعده، وكان يتفقه على مذهب أبي ثور صاحب الشافعي، وعزل عن القضاء سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وكان سبب عزله أنه كتب يستعفي من القضاء، ووجه رسولًا إلى بغداد يسأل في عزله، وكان قد أغلق بابه وامتنع من أن يقضي بين الناس، فكتب بعزله وأعفي. فحدّث حين جاء عزله، وكُتب عنه. فكانت له مجالس أملى فيها على الناس ورجع إلى بغداد فكانت وفاته ببغداد وكان ثقة ثبتًا.
* عن الفضل بن الربيع قال: دعاه أمير المؤمنين المهدي إلى قضاء المدينة, فلم أرى رجلًا قط كان أصح استعفاء منه, قال لأمير المؤمنين: إني كنت وليت ولاية, فخشيت أن لا أكون سلمت منها, وأعطيت الله عهدًا أن لا ألي ولاية أبدًا, وأنا أعيذ أمير المؤمنين بالله ونفسي أن لا يحملني على أن أخيس بعهد الله, قال له المهدي: فوالله لقد أعطيت هذا من نفسك قبل أن أدعوك, قال: والله لقد أعطيت هذا من نفسي قبل أن تدعوني, قال: فقد أعفيتك.
* روي أن المتوكل دعا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وأحمد بن المعدل، وإبراهيم التيمي من البصرة وعرض على كل واحد منهم قضاء البصرة، فاحتج محمد بن عبد الملك بالسن العالية، وغير ذلك، واحتج أحمد بن المعدل بضعف البصر وغير ذلك، وامتنع إبراهيم التيمي. فقال: لم يبق غيرك وجزم عليه، فولي، فنزلت حال إبراهيم عند أهل العلم وعلت حال الآخرين قال أبو العلاء: فيرى الناس أن بركة امتناع محمد بن عبد الملك دخلت على ولده فولي منهم أربعة وعشرون قاضيًا، منهم ثمانية تقلدوا قضاء القضاة، آخرهم أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله، وما رأينا مثله جلالة ونزاهة وصيانة وسروا.
* عن إبراهيم بن محمد بن عرفة قال: وأشخص إبراهيم بن محمد التيمي، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، فلما حضروا دار المتوكل، أمر بإدخال بن أبي الشوارب فلما دخل عليه قال: إني أريدك للقضاء، فقال: يا أمير المؤمنين لا أصلح له، فقال: تأبون يا بنى أمية إلا كبرًا. فقال: والله يا أمير المؤمنين ما بي كبر، ولكني لا أصلح للحكم، فأمر بإخراجه وكان هو وإبراهيم التيمي قد تعاقدا أن لا يتولى واحد منهما القضاء، فدعي بإبراهيم فقال له المتوكل إني أريدك للقضاء، فقال: على شريطة يا أمير المؤمنين، قال: وما هي، قال أن تدعو لي دعوة فإن دعوة الإمام العادل مستجابة، فولاه وخرج علي بن أبي الشوارب في الخلع.
* عن أبي جعفر الضرير الكلبي قال: حدثني شيخ على باب بعض المحدثين قال: سألت وكيعًا عن مقدمه هو وابن إدريس وحفص على هارون الرشيد فقال لي: ما سألني عن هذا أحد قبلك، قدمنا على هارون أنا وعبد الله بن إدريس وحفص بن غياث فأقعدنا بين السريرين، فكان أول ما دعا به أنا فقال لي هارون: يا وكيع قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال إن أهل بلدك طلبوا منى قاضيًا وسموك لي فيمن سموا وقد رأيت أن أشركك في أمانتي، وصالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة، فخذ عهدك وامض، فقلت يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير وإحدى عيني ذاهبة والأخرى ضعيفة، فقال هارون: اللهم غفرًا خذ عهدك أيها الرجل وامض، فقلت يا أمير المؤمنين: والله لئن كنت صادقًا إنه لينبغي أن تقبل مني ولئن كنت كاذبًا فما ينبغي أن تولي القضاء كذابًا، فقال: اخرج فخرجت، ودخل ابن إدريس وكان هارون قد وسم له من ابن إدريس وسم، يعني خشونة جانبه، فدخل فسمعنا صوت ركبتيه على الأرض حين برك وما سمعناه يسلم إلا سلامًا خفيفًا، فقال له هارون: أتدري لِمَ دعوتك؟ قال: لا. قال: إن أهل بلدك طلبوا منى قاضيًا وإنهم سموك لي فيمن سموا وقد رأيت أن أشركك في أمانتي وأدخلك في صالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة، فخذ عهدك وامض. فقال له ابن إدريس: ليس أصلح للقضاء، فنكت هارون بأصبعه وقال له: وددت إني لم أكن رايتك، قال بن إدريس: وأنا وددت إني لم أكن رأيتك، فخرج ثم دخل حفص بن غياث فقال له كما قال لنا، فقبل عهده وخرج. فأتانا خادم معه ثلاثة أكياس في كل كيس خمسة آلاف فقال لي إن أمير المؤمنين يقرئكم السلام ويقول: لكم قد لزمتكم في شخوصكم مؤونة فاستعينوا بهذه في سفركم قال وكيع: فقلت له: اقرئ أمير المؤمنين السلام وقل له: وقعت مني بحيث يحب أمير المؤمنين، وأنا عنها مستغن وفي رعية أمير المؤمنين من هو أحوج إليها مني، فإن رأى أمير المؤمنين أن يصرفها إلى من أحب. وأما ابن إدريس فصاح به مر من هاهنا، وقبلها حفص، وخرجت الرقعة إلى ابن إدريس من بيننا عافانا الله وإياك سألناك أن تدخل في أعمالنا فلم تفعل ووصلناك من أموالنا فلم تقبل فإذا جاءك ابني المأمون فحدثه إن شاء الله، فقال للرسول: إذا جاءنا مع الجماعة حدثناه إن شاء الله، ثم مضينا فلما صرنا إلى الياسرية حضرت الصلاة فنزلنا نتوضأ للصلاة قال: وكيع فنظرت إلى شرطي محموم نائم في الشمس عليه سواده فطرحت كسائي عليه، وقلت يدفأ إلى أن أتوضأ فجاء ابن إدريس فاستلبه ثم قال لي: رحمته لا رحمك الله، في الدنيا أحد يرحم مثل ذا؟ ثم التفت إلى حفص فقال له: يا حفص قد علمت حين دخلت إلى سوق أسد فخضبت لحيتك، ودخلت الحمام إنك ستلي القضاء، لا والله لا كلمتك حتى تموت قال: فما كلمه حتى مات.
* عن أبي عمرو الطائي قال: عرض سوار على عبد الله بن بكر السهمي أن يوليه القضاء بالأبلة فأبى فقال له: سوار ترفع نفسك عن قضاء الأبلة، قال: لا. ولكن أرفع علمي عن قضاء الأبلة.
* عن الخطيب قال: استقضى عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي على سمرقند فأبى فالح عليه السلطان حتى تقلده وقضى قضية واحدة ثم استعفى فأعفي.
* عن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي قال: كنت بسر من رأى، وكان عبد الله بن أيوب المخرمي يقرب إلي فخرج توقيع الخليفة بتقليده القضاء، فانحدرت في الحال من سر من رأى إلى بغداد حتى دفعت على عبد الله بن أيوب بابه فخرج إلى فقلت له البشرى، فقال: بشرك الله بخير، وما هي؟ قال: قلت: خرج توقيع السلطان بتقليدك القضاء لأحد البلدين إما سر من رأى أو بغداد ـ أبو القاسم البجلي يشك فيه ـ قال: فاطبق الباب وقال: بشرك الله بالنار، وجاء أصحاب السلطان إليه فلم يظهر لهم فانصرفوا.
* عن العباس بن مصعب قال: أُكره ـ عبد الرحمن بن علقمة ـ على قضاء سرخس، أخرج مكرهًا، فلما خرج إلى سرخس أقام بها أيامًا ثم هرب منها فلم يظهر إلى أن عزل الذي ولاه أو مات أو أعفي.