فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 593

* عن عمارة بن عمير قال: لما قتل عبيد الله بن زياد أتي برأسه ورؤس أصحابه, فألقيت في الرحبة, فقام الناس إليها فبينا هم كذلك إذ جاءت حية عظيمة فتفرق الناس من فزعها, فجاءت تخلل الرؤس حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد, ثم خرجت من فيه, ثم دخلت من فيه, وخرجت من أنفه ففعلت ذلك به مرارًا, ثم ذهبت, ثم عادت ففعلت به مثل ذلك مرارًا, فجعل الناس يقولون: قد جاءت, قد جاءت, قد ذهبت, قد ذهبت, لا يدري من أين جاءت؟ ولا أين ذهبت؟

* عن الوركاني قال: أسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرون ألف من اليهود والنصارى والمجوس.

* قال الخطيب: كانت أسنان عبدالصمد ـ العباسي ـ وأضراسه قطعة واحدة ما ثُغر.

* عن الوركاني قال: يوم مات أحمد بن حنبل وقع المأتم والنوح في أربعة أصناف من الناس: المسلمين, واليهود والنصارى, و المجوس.

* عن محمد بن أبي كبشة قال: كنت في سفينة في البحر فسمعت هاتفًا يهتف وهو يقول: لا إله إلا الله كذب المريسي على الله, ثم عاد الصوت فقال: لا إله إلا الله على ثمامة والمريسي لعنة الله. قال: وكان معنا في المركب رجل من أصحاب المريسي فخر ميتًا.

* عن جعفر الخلدي قال: يا جعفر امض إلى موضع كذا وكذا, واحفر فإن لك هناك شيئًا مدفونا. قال: فجئت إلى الموضع وحفرت فوجدت صندوقًا فيه دفاتر, وإذا فيه حزمة فأخرجتها وقرأتها, فإذا فيها أسماء ستة آلاف شيخ من أهلي الحقائق والأصفياء والأولياء من وقت آدم إلى زماننا هذا ونعوتهم وصفتهم, وكلهم كانوا يدعون هذا يعني مذهب الصوفية. قال الحسن بن سليمان: وكان في تلك الكتب عجائب فقرأ, ولم يدفع إلى أحدًا, ثم دفنها, ولم يظهر ذلك لأحد إلى أن مات.

* عن عبد الرحمن بن هارون قال: كنا في البحر سائرين إلى إفريقية, فركدت علينا الريح, فأرسينا إلى موضع يقال له البرطون, وكان معنا صبي صقلبي يقال له أيمن, وكان معه شص يصطاد به السمك. قال: فاصطاد سمكة نحوًا من شبر أو أقل, فكان على صنيفة أذنها اليمنى مكتوب: لا إله إلا الله, وعلى قذالها, وصنيفة أذنها اليسرى مكتوب: محمد رسول الله. قال: وكان أتقن من نقش على حجر, وكانت السمكة بيضاء, والكتابة كتابة سوداء كأنها كتبت بحبر. قال: فقذفناها في البحر, ومنع الناس أن يصيدوا من ذلك الموضع حتى أوغلنا.

* عن حسين بن فهم قال: كانت لحية العوفي تبلغ إلى ركبته.

* عن دينار ـ خادم أنس بن مالك ـ أنه كان إذا قام تنال يده ركبته.

* عن ذي الكفل المصري قال: دخل غلام لذي النون إلى بغداد فسمع قوالًا يقول, فصاح غلام ذي النون صيحة خر ميتًا, فاتصل الخبر بذي النون فدخل إلى بغداد فقال: عليَّ بالقوال, واسترد الأبيات, فصاح ذو النون صيحة, فمات القوال, ثم خرج ذو النون وهو يقول: النفس بالنفس, والجروح قصاص.

* عن جرير بن رياح قال: أنهم أصابوا قبرًا بالمدائن فيه رجل عليه ثياب منسوجة بالذهب, ووجدوا فيه مالًا, فأتوا به عمار بن ياسر, فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب, فكتب أن أعطهم إياه, ولا تنزعه منهم.

* عن عافية بن شبيب قال: كانت في عبد الصمد بن علي عجائب منها: أنه مات بأسنانه التي ولد بها, ومنها أنه قام على منبر قام عليه يزيد بن معاوية, وبينهما مائة سنة, وهما في النسب إلى عبد مناف مثلان, ومنها أنه دخل سردابًا يندف فيه, فطارت ريشتان فلصقتا بعينيه فذهب بصره, ومنها أنه كان يومًا عند الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين هذا مجلس فيه أمير المؤمنين, وعم أمير المؤمنين, وعم عمه, وعم عم عمه, ومنها أن أمه كثيرة التي كان عبيد الله بن قيس الرقيات يشبب بها في شعره ويقول: عاد له من كثرة الطرب.

* عن أحمد بن كامل القاضي قال: كان عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس عظيم الخلق, وكانت أسنانه صمتًا قطعة واحدة من فوق, وقطعة واحدة من أسفل.

* عن أبي عمرو عثمان بن الخطاب بن عبد الله البلوي من مدينة بالمغرب يقال لها رندة, وهو المعمر, ويعرف بأبي الدنيا قال: ولدت في أول خلافة أبي بكر الصديق, فلما كان في زمن علي بن أبي طالب خرجت أنا وأبي نريد لقاءه, فلما صرنا قريبًا من الكوفة, أو من الأرض التي هو فيها لحقنا عطش شديد في طريقنا أشفينا منه على الهلكة, وكان أبي شيخًا كبيرًا فقلت له: اجلس حتى أدور أنا الصحراء والبرية لعلي أقدر على ماء, أو من يدلني على ماء, أو ماء المطر, فجلس, ومضيت أطلب, فلما كنت منه غير بعيد لاح لي ماء, فصرت إليه, فإذا أنا بعين ماء وبين يديها شبيه بالبركة, أو الوادي من مائها, فنزعت ثيابي واغتسلت من ذلك الماء, وشربت حتى رويت, ثم قلت: أمضي فأجيء بأبي فهو غير بعيد, فجئت إليه فقلت له: قم فقد فرج الله, وهذا عين ماء قريب منا, فقام ومضينا نحو العين الماء, فلم نر شيئًا فدرنا نطلب, فلم نقدر على شيء حتى أجهد أبي جهدًا شديدًا, فلم يقدر على النهوض لشدة ما لحقه, فجلست معه, فلم يزل يضطرب حتى مات, فاحتلت حتى واريته, ثم جئت حتى لقيت أمير المؤمنين عليًا, وهو خارج إلى صفين, وقد أسرجت له بغلة, فجئت فمسكت بالركاب ليركب, وانكببت أقبل فخذه فنفحني بالركاب فشجني في وجهي شجة. قال المفيد: ورأيت الشجة في وجهي واضحة. قال: ثم سألني عن خبري, فأخبرته بقصتي, وقصة أبي, وقصة العين, فقال: هذه عين لم يشرب منها أحد إلا عمر عمرًا طويلًا فابشر فإنك معمر, ما كنت لتجدها بعد شربك منها. قال المفيد: ثم سألناه فحدثنا عن علي بن أبي طالب بأحاديث, ثم لم أزل أتتبعه في الأوقات, وألح عليه حتى يملي عليَّ حديثًا بعد حديث, ثم أعود حتى جمعت عنه خمسة عشرة حديثًا لم تجتمع عنه لغيري لتتبعي له, وإلحاحي عليه, وكان معه شيوخ من بلده, فسألتهم عنه فقالوا: هو مشهور عندنا بطول العمر.

* عن حفص ابن غياث قال: ولدت أم محمد بن أبي إسماعيل أربعة بنين في بطن. قال: فرأيتهم كلهم قد نيفوا على الثمانين.

* عن علي بن أبي أمية قال: بلغنا أنهم دخلوا على الرياشي المسجد بأسيافهم, والرياشي قائم يصلي الضحى فضربوه بالأسياف, وقالوا: هات المال, فجعل يقول: أي مال, أي مال حتى مات, فلما خرج الزنج عن البصرة دخلناها, فمررنا ببني مازن الطحانين, وهناك كان منزل الرياشي, فدخلنا مسجده, فإذا به ملقى مستقبل القبلة كأنما وجه إليها, وإذا شملة يحركها الريح وقد تمزقت, وإذا جميع خلقه صحيح سوى لم ينشق له بطن, ولم يتغير له حال إلا أن جلده قد لصق بعظمه, ويبس, وذلك بعد مقتله بسنتين يرحمنا الله وإياه.

* عن أبي محمد الجريري قال: فتح بن شخرف من إعجابي بكل شيء جيد عندي قلم كتبت به أربعين سنة كنت أكتب به بالنهار, واكتب به بالليل, وكانت دارنا واسعة, فكنت اكتب في القمر حتى يرتفع, وأقعد على سلم في دارنا أرتقي عليه مرقاة مرقاة حتى ينتهي السلم, فإذا تشعث رأس القلم قططته, وهو عندي فأخرج لي انبوبة صفر, وأخرج القلم منها فأرانيه.

* عن محمد بن زهير القزاز قال: أنا أعرف رجلًا مكتوب على عضو من أعضائه لله, والله ما كتبها كاتب.

* عن أبي محمد الجريري قال: غسلنا الفتح بن شخرف فرأينا على فخذه مكتوبًا. لا إله إلا الله, فتوهمناه مكتوبًا, فإذا عرق داخل الجلد.

* عن الجنيد قال: وافي أبو حمزة من مكة, وعليه وعثاء السفر، فسلمت عليه وشهيته, فقال: سكباج وعصيدة تخليني بهما، فأخذت مكوك دقيق، وعشرة أرطال لحم، وباذنجان وخل، وأخذت عشرة أرطال دبس، وعملنا له عصيدة وسكباجة, و وضعناها في حيرى لنا، وأدخلته الدار, وأسلبت الستر، فدخل وأكله كله، فلما فرع من أكله قال: يا أبا القاسم لا تعجب, فهذا من مكة الأكلة الثالثة.

* عن ابن عباس قال: وجدت جمجمة في الجاهلية مكتوب عليها:

أذن الحي فاسمعي…اسمعي ثم عي وعي

أنا رهن بمصرعي…فاحذري مثل مصرعي

* عن علي بن يحي المنجم قال: جلس المنتصر في مجلس كان أمر أن يفرش له بفرش ديباج مثقل بالذهب، وكان في بعض البسط دائرة كتابة فيها مثال فرس, وعليه راكب وعلى رأسه تاج، وحول الدائرة كتابة بالفارسية، فلما جلس المنتصر وجلس الندماء وقف على رأسه وجوه الموالي والقواد، فنظر إلى تلك الدائرة, وإلى الكتاب الذي حولها فقال لبغا: ايش هذا الكتاب؟ فقال: لا أعلم يا سيدي, فسأل من حضر من الندماء فلم يحسن أحد أن يقرأه، فالتفت إلى وصيف وقال: أحضر لي من يقرأ هذا الكتاب, فأحضر رجلًا فقرأ الكتاب فقطب، فقال له المنتصر: ما هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين بعض حماقات الفرس، قال: أخبرني ما هو؟ قال: يا أمير المؤمنين ليس له معنى، فألح عليه وغضب. قال: يقول: أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز، قتلت أبي فلم أمتع بالملك إلا ستة أشهر، فتغير وجه المنتصر, وقام عن مجلسه إلى النساء، فلم يملك إلا ستة أشهر.

* عن أبي الفضل جعفر بن المكتفي بالله قال: كانت بنت بدر مولى المعتضد بالله زوج أمير المؤمنين المقتدر بالله، فأقامت عنده سنين وكان لها مكرمًا، وعليها مفضلًا الإفضال العظيم فتأثلت حالها، وانضاف ذلك إلى عظيم نعمتها الموروثة، وقتل المقتدر فأفلتت من النكبة، وسلم لها جميع أموالها وذخائرها حتى لم يذهب لها شيء، وخرجت عن الدار، فكان يدخل إلى مطبخها حدث يحمل فيه على رأسه، يعرف بمحمد بن جعفر ابن أبي عسرون، وكان حركًا فنفق على القهارمة بخدمته، فنقلوه إلى أن صار وكيل المطبخ، وبلغها خبره ورأته, فاستكاسته فردت إليه الوكالة في غير المطبخ، وتراقى أمره حتى صار ينظر في ضياعها وعقارها، وغلب عليها وصارت تكلمه من وراء ستر، وخلف باب أو ستارة، وزاد اختصاصه بها حتى علق بقلبها، فاستدعته إلى تزويجها فلم يجسر على ذلك، فجسرته وبذلت له مالًا حتى تم لها ذلك وقد كانت حاله تأثلت بها، وأعطته لما أرادت ذلك منه أموالًا جعلها لنفسه نعمة ظاهرة لئلا يمنعها أولياؤها منه بالفقر, وأنه ليس بكفء، ثم هادت القضاة بهدايا جليلة حتى زوجوها منه، واعترض الأولياء فغالبتهم بالحكم والدراهم فتم له ذلك ولها، فأقام معها سنين ثم ماتت، فحصل له من مالها نحو ثلاثمائة ألف دينار ظاهرة وباطنة، فهو يتقلب إلى الآن فيها. قال أبي: وقد رأيت أنا هذا الرجل, وهو شيخ عاقل شاهد مقبول، توصل بالمال إلى أن قبله أبو السائب القاضي، حتى أقر في يده وقوف الحرة ووصيتها، لأنها وصت إليه في مالها ووقوفها.

* عن محمد بن الحسن الهمذاني قال: كان عندنا بهمذان برد شديد، وكان على سطحنا مرى في آنية، فانكسرت الآنية وانصب المرى على السطح، فجمد حتى صار مثل الجلد، فقطعت منه خفين ولبستهما, وركبت به إلى دار السلطان!!.

* عن أبي بكر بن الأنباري قال: دخلت البيمارستان بباب المحول, فسمعت صوت رجل في بعض البيوت يقرأ) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ( [العنكبوت: من الآية19] فقال: أنا لا أوقف إلا على قوله) كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ (فأقف على ما عرفه القوم وأقروا به، لأنهم لم يكونوا يقرون بإعادة الخلق، وابتدىء بقوله) ثُمَّ يُعِيدُهُ (فيكون خبرًا، وأما ما قرأة على بن أبي طالب) وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ( [يوسف: من الآية45] فهو وجه حسن، الأمة النسيان. وأما أبوبكر بن مجاهد فهو إمام في القراءة، وأما ما قرأه الأحمق ـ يعني ابن شنبوذ ـ) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الغفور الرحيم ( [المائدة:118] فخطأ، لأن الله تعالى قد قطع لهم بالعذاب في قو له) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ( [النساء: من الآية48] قال: فقلت لصاحب البيمارستان: من هذا الرجل؟ فقال: هذا إبراهيم بن الموسوس محبوس, فقلت: ويحك هذا أبي بن كعب! افتح الباب عنه، ففتح الباب, فإذا أنا برجل منغمس في النجاسة، والادهم في قدميه، فقلت: السلام عليكم, فقال: كلمة معقولة، فقلت: ما منعك من رد السلام عليَّ؟ فقال: السلام أمان وإني أريد أن أمنحك، ألست تذكر اجتماعنا عند أبي العباس ـ يعني ثعلبًا ـ يوم كذا في يوم كذا وعرفني ما ذكرته فعرفته، وإذا به رجل من أفاضل أهل العلم, فقال لي: هذا الذي تراني منغمسًا فيه ما هو؟ فقلت: الخرء يا هذا, فقال: وماجمعه؟ فقلت: خروء, فقال لي صدقت, وأنشد:

كأن خروء الطير فوق رؤسهم

ثم قال لي: والله لو لم تجبني بالصواب لأطعمتك منه، فقلت: الحمد لله الذي أنجاني منك, وتركته وانصرفت.

* عن محمد بن يزيد قال: قال لي المازني: يا أبا العباس بلغني أنك تنصرف من مجلسنا فتصير إلى المخيس، وإلى موضع المجانين والمعالجين فما معناك في ذلك؟ قال: فقلت: إن فيهم طرائف من الأقسام, فقال: خبرني من لقيت من طرفهم فقلت: دخلت يومًا إلى مستقرهم، فرأيت مراتبهم على مقدار بليتهم، وإذا قوم قيام قد شدت أيديهم إلى الحيطان بالسلاسل، ونقبت من البيوت التي هم بها لإلى غيرها مما يجاورها، لأن علاج أمثالهم أن يقوموا الليل والنهار لا يقعدون ولا يضطجعون، ومنهم من يجلب على رأسه ويدهن أوراده، ومنهم من ينهل ويعل بالدواء حسبما يحتاجون إليه، فدخلت مع ابن أبي خميصة, وكان المتقلد للنفقة عليهم، ولتفقد أحوالهم، فنظروا إليه وأنا معه فأمسكوا عما كانوا عليه، فمررت على شيخ منهم تلوح صلعته، وتبرق للدهن جبهته، وهو جالس على حصير نظيف, ووجهه إلى القبلة كأنه يريد الصلاة، فجاوزته إلى غيره فناداني: سبحان الله! أين السلام، من المجنون, ترى أنا أوأنت؟ فاستحييت منه، وقلت: السلام عليكم, فقال: لو كنت ابتدأت لأوجبت علينا حسن الرد عليك، على أنا نصرف سوء أدبك إلى أحسن جهاته من العذر، لأنه كان يقال: إن للداخل على القوم دهشة، اجلس أعزك الله عندنا، وأوما إلى موضع من حصير ينفضه كأنه يوسع لي، فعزمت على الدنو منه فناداني ابن أبي خميصة: إياك إياك، فأحجمت عن ذلك ووقفت ناحية استجلب مخاطبته، وأرصد الفائدة منه, ثم قال وقد رأى معي محبرة: يا هذا أرى آلة رجلين، أرجو أن لا تكون أحدهما, أتجالس أصحاب الحديث الأغثاء، أم الادباء أصحاب النحو والشعر؟ قلت: الأدباء. قال: أتعرف أبا عثمان المازني؟ قلت: نعم! معرفة ثابتة، قال: فتعرف الذي يقول فيه:

وفتى من ماون…ساد أهل البصرة

أمه معرفة…وأبوه نكرة

قلت: لا أعرفه، قال: فتعرف غلامًا له قد نبغ في هذا العصر معه ذهن, وله حفظ، قد برز في النحو، وجلس في مجلس صاحبه, وشاركه فيه يعرف بالمبرد؟ قلت: أنا والله عين الخبير به، قال: فهل أنشدك شيئًا من عبثات شعره؟ قلت: لا أحسبه يحسن قول الشعر، قال: يا سبحان الله! أليس هو الذي يقول:

حبذا ماء العناقيـ…ــد بريق الغانيات

بهما ينبت لحمى…ودمي أي نبات

أيها الطالب أشهى…من لذيذ الشهوات

كل بماء المزن تفا…ح الخدود الناعمات

قلت: قد سمعته ينشد هذا في مجالس الأنس. قال: يا سبحان الله, ويستحي أن ينشد مثل هذا حول الكعبة؟ ما تسمع الناس يقولون في نسبه؟ قلت: يقولون هو من الأزد شنوءة, ثم من ثمالة، قال: قاتله الله ما أبعد غوره، أتعرف قوله:

سألنا عن ثمالة كل حي…فقال القائلون: ومن ثماله

فقلت: محمد بن يزيد منهم…فقالوا: زدتنا بهم جهاله

فقال لي المبرد: خل قومي…فقومي معشر فيهم نذاله

قلت: أعرف هذه الأبيات لعبد الصمد بن المعدل يقولها فيه. قال: كذب والله كل من ادعى هذه غيره، هذا كلام رجل لا نسب له يريد أن يثبت له بهذا الشعر نسبًا! قلت: أنت أعلم. قال لي: يا هذا قد علمت بخفة روحك على قلبي وتمكنت بفصاحتك من استحساني، وقد أخرت ما كان يجب أن أقدمه: الكنية أصلحك الله. قلت: أبو العباس. قال: فالاسم؟ قلت: محمد، قال: فالأب؟ قلت: يزيد. قال: قبحك الله! أحوجتني إلى الاعتذار إليك مما قدمت ذكره، ثم وثب باسطًا إلي يده لمصافحتي، فرأيت القيد في رجله قد شد إلى خشبة في الأرض, فأمنت عند ذلك غائلته, فقال لي: يا أبا العباس! صن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع, فليس يتهيأ لك في كل وقت أن تصادف مثلي في هذه الحال الجميلة أنت المبرد! وجعل يصفق، وانقلبت عيناه، وتغيرت خلقته، فبادرت مسرعًا خوفًا من أن تبدر منه بادرة، وقبلت والله قوله، فلم أعاود الدخول إلى مخيس ولا غيره.

* عن الخطيب قال: بلغني أن المعروف بحامل كفنه توفي وغسل وصلى عليه ودفن, فلما كان في الليل جاء نباش فنبش عنه، فلما حل أكفانه ليأخذها استوى قاعدًا, فخرج النباش هاربًا منه، فقام فحمل كفنه, وخرج من القبر, وجاء إلى منزله وأهله يبكون فدق الباب عليهم، فقالوا: من أنت؟ فقال: أنا فلان, فقالوا له: يا هذا لا يحل لك أن تزيدنا على ما بنا, فقال: يا قوم افتحوا لي فأنا والله فلان فعرفوا صوته، ففتحوا له الباب، وعاد حزنهم!! وسمى من يومئذ حامل كفنه، ومثل هذا سعير بن الخمس الكوفي، فإنه لما دلي في حفرته اضطرب, فحلت عنه الأكفان، فقام فرجع إلى منزله، وولد له بعد ذلك ابنه مالك بن سعير!!.

* عن أحمد بن أبي عوف قال: سمعت أبي وعمي يقولان: كنا في مجلس يزيد بن هارون في بستان أم جعفر, فرأينا فيه رجلًا خلاسيًا طوالًا, وعلى يديه صبي يرضع منه فقال: ذاك الرجل إن أم هذا الصبي ولدته, وتوفيت بأرض مفازة أو أرض فلاة, فألقيته على ثدي أعلله, فأجرى الله له هذا الرزق, فرأيناه والثدي يدر عليه.

* عن أبي أحمد بن محمد أمير البصرة قال: حدثني أبي قال: كنت أحد من مرض الواثق في علته التي مات فيها, فكنت قائمًا بين يدي الواثق أنا وجماعة من الأولياء والموالى والخدم إذ لحقته غشية, فما شككنا أنه قد مات فقال بعضنا لبعض تقدموا فاعرفوا خبره, فما جسر أحد منهم يتقدم, فتقدمت أنا فلما صرت عند رأسه, وأردت أن أضع يدي على انفه اعتبر نفسه لحقته إفاقه ففتح عينيه, فكدت أن أموت فزعًا من أن يراني قد مشيت في مجلسه إلى غير رتبتي, فتراجعت إلى خلف, وتعلقت قبيعة سيفي بعتبة المجلس وعثرت به فاتكأ عليه فاندق سيفي, وكاد أن يدخل في لحمي ويجرحني, فسلمت وخرجت, فاستدعيت سيفًا ومنطقة أخرى فلبستها, وجئت حتى وقفت مرتبي ساعة فتلف الواثق تلفًا لم يشك جماعتنا فيه, فتقدمت فشددت لحييه وغمضته وسجيته ووجهته إلى القبلة, وجاء الفراشون فأخذوا ما تحته في المجلس ليردوه إلى الخزائن لأن جميعه مثبت عليهم, وترك وحده في البيت, وقال لي بن أبي داؤد القاضي: إنا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة, ولا بد أن يكون أحدنا يحفظ الميت إلى أن يدفن فأحب أن تكون أنت ذلك الرجل, وقد كنت من أخصهم به في حياته, وذلك أنه اصطنعني واختصني حتى لقبني الواثقي باسمه, فحزنت عليه حزنًا شديدًا, فقلت: دعوني وامضوا, فرددت باب المجلس, وجلست في الصحن عند الباب احفظه, وكان المجلس في بستان عظيم أجربه, وهو بين بستانين فحسست بعد ساعة في البيت بحركة أفزعتني, فدخلت أنظر ما هي فإذا بجرذون من دواب البستان قد جاء حتى استل عين الواثق فأكلها, فقلت: لا إله إلا الله العين التي فتحها منذ ساعة فاندق سيفي هيبة لها صارت طعمة لدابة ضعيفة. قال: وجاءوا فغسلوه بعد ساعة, فسألني بن أبي داؤد عن سبب عينه فأخبرته. قال: والجرذون دابة أكبر من اليربوع قليلا ً.

* عن عبد الملك بن عمير قال: لما حفر خالد بن عبد الله أساس دار ابنه، استخرجوا شيخًا مدفونًا أبيض الرأس واللحية. فقال: أتحب أن أريك علي بن أبي طالب؟ فكشف لي فإذا بشيخ أبيض الرأس واللحية، كأنما دفن بالأمس طريّ ـ وزاد في الحديث إسماعيل بن بهرام ـ فقال: يا غلام على بحطب ونار. فقال: الهيثم بن العربان، أصلح الله الأمير ليس يريد القوم منك هذا كله. فقال: يا غلام علي بقباطي، فلفه فيها وحنطه وتركه مكانه.

* عن أبي مزاحم موسى بن عبيد الله قال: كان عمي عبد الرحمن بن يحيى كثير الجماع, وكان قد رزق من الولد لصلبه مائة وستة, وكان قد أنحله كثير الجماع.

* عن الأوزاعي قال: أردت بيت المقدس فرافقت يهوديًا فلما صرنا إلى طبرية نزل فاستخرج ضفدعًا فشد في عنقه خيطًا فصار خنزيرًا فقال: حتى أذهب فأبيعه من هؤلاء النصارى فذهب فباعه وجاء بطعام فركبنا فما سرنا غير بعيد حتى جاء القوم في الطلب فقال لي: أحسبه صار في أيديهم ضفدعًا. قال: فحانت مني التفاتة فإذا بدنه ناحية ورأسه ناحية. قال: فوقفت وجاء القوم فلما نظروا إليه فزعوا من السلطان ورجعوا عنه. قال: تقول لي الرأس: رجعوا. قال: قلت: نعم. قال: فالتام الرأس إلى البدن وركبنا وركب. قال: فقلت: لا رافقتك أبدًا اذهب عني.

* عن أبي الحسن على بن إسحاق بن راهويه قال: ولد أبي من بطن أمه مثقوب الأذنين. قال: فمضى جدي راهوية إلى الفضل ابن موسى السيناني فسأله عن ذلك وقال: ولد لي ولد خرج من بطن أمه مثقوب الأذنين, فقال: يكون ابنك رأسًا إما في الخير وإما في الشر.

* عن أبي نعيم الفضل بن دكين قال: دخل علي الوزير بن عيسى فرفعه, وقال له: كم سن القاضي؟ فقال: ما أدري كم سني ولكن كان قد ظهر بالكوفة أعجوبة فركبت مع أبي سنة خمس عشرة ومائتين, وكان بين الركبتين مائة سنة سمعت القاضي أبا عبد الله الحسين بن علي الصيمري يحكي هذه الحكاية إلا أنه ذكر فيها أن بدرًا قال: ركبت مع أبي إلى عامل كان للمأمون وذلك في سنة خمس عشرة ومائتين, ثم ركبت إلى حضرة الوزير يعني علي بن عيسى في سنة خمس عشرة وثلاثمائة, وبين الركبتين مائة سنة. قال علي بن عيسى: لا يمكن أن يكون ركب إلى عامل المأمون مع أبيه, وله أقل من خمس عشرة سنة.

* عن ذرة الصوفي قال: كنت بائتًا بكلواذي على سطح عال, فلما هدأ الليل قمت لأصلي فسمعت صوتًا ضعيفًا يجيء من بعد، فأصغيت إليه وتأملته شديدًا فإذا هو صوت أبي بكر الأدمي، فقدرته منحدرًا في دجلة وأصغيت فلم أجد الصوت يقرب و لا يزيد على ذلك القدر ساعة ثم انقطع، فشككت في الأمر وصليت ونمت، وبكرت فدخلت بغداد على ساعتين من النهار أو أقل، وكنت مجتازًا في السمارية فإذا بأبي بكر الأدمي ينزل إلى الشط من دار أبي عبد الله الموسائي العلوي التي بقرب فرضة جعفر على دجلة، فصعدت إليه وسألته عن خبره فأخبرني بسلامته، وقلت: أين بت البارحة؟ فقال: في هذه الدار. قلت: قرأت؟ قال: نعم. قلت: أي وقت؟ قال: بعد نصف الليل إلى قريب من الثلث الأخير. قال: فنظرت فإذا هو الوقت الذي سمعت فيه صوته بكلواذي، فتعجبت من ذلك عجبًا شديدًا بان له في. فقال: مالك؟ فقلت: إني سمعت صوتك البارحة وأنا على سطح بكلواذي وتشككت، فلولا أنك أخبرتني الساعة بهذا على غير اتفاق ما صدقت. قال: فاحكها للناس عني. فأنا أحكيها دائمًا.

* عن محمد بن عبدوس السراج البغدادي قال: قام أبو مرجوم القاص بالبصرة ليقص على الناس فأبكى, فلما فرغ من قصصه. قال: من يطعمنا أرزة في الله؟ فقام شاب من المجلس فقال: أنا. فقال: اجلس رحمك الله فقد عرفنا موضعك. فقام ثانية فقال أبو مرجوم لأصحابه: قوموا بنا إليه فقاموا معه فأتوا منزله. قال: فأتينا بقدر من باقلاء فأكلناه بلا ملح, ثم قال أبو مرجوم: علي بخوان خماسي وخمس مكاكي أرز، وخمس أمنان سمن, وعشرة أمنان سكر, وخمسة أمنان صنوبر, وخمسة أمنان فستق, فجيء بها كلها. فقال أبو المرجوم لأصحابه: يا إخوان كيف أصبحت الدنيا؟ قالوا: مشرقة لونها, مبيضة شمسها. قال: اجروا فيها أنهارها. قال: فأتى بذلك السمن فأجري فيها, ثم أقبل أبو مرجوم على أصحابه فقال: يا إخوان كيف أصبحت الدنيا؟ قالوا: مشرقة لونها, مبيضة شمسها, مجرية فيها أنهارها, وقد غرس فيها أشجارها, وقد تدلى لنا ثمارها. قال: يا إخوان ارموا الدنيا بحجارتها. قال: فأتى بذلك السكر, فألقى فيها, ثم أقبل أبو مرجوم على أصحابه قال: يا إخوان كيف أصبحت الدنيا؟ قالوا: مشرقة لونها, بيضة شمسها, قد أجرى فيها أنهارها, وقد غرس فيها أشجارها, وقد تدلى ثمارها. فقال: يا إخوان مالنا وللدنيا اضربوا فيها براحتها. قال: فجعل الرجل يضرب فيها براحته ويدفعه بالخمس. قال أبو الفضل أحمد بن سلمة: ذكرت لأبي حاتم الرازي فقال: أمله عليّ. فأمليته عليه فقال: هذا شأن الصوفية.

* عن المأمون أنه قال للواقدي: أريد أن تصلي الجمعة غدًا بالناس. قال: فامتنع. قال: لا بد من ذلك. فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما أحفظ سورة الجمعة. قال: فأنا أحفظك. قال: فافعل. فجعل المأمون يلقنه سورة الجمعة حتى يبلغ النصف منها، فإذا حفظه ابتدأ بالنصف الثاني، فإذا حفظ النصف الثاني نسي الأول، فأتعب المأمون ونعس. فقال لعلي بن صالح: يا علي حفظه أنت. قال علي: ففعلت ونام المأمون، فجعلت أحفظه النصف الأول فيحفظه، فإذا حفظته النصف الثاني نسي الأول، وإذا حفظته النصف الأول نسي الثاني، وإذا حفظته الثاني نسي الأول، فاستيقظ المأمون فقال لي: ما فعلت؟ فأخبرته. فقال: هذا رجل يحفظ التأويل ولا يحفظ التنزيل، اذهب فصل بهم وأقرأ أي سورة شئت.

* عن ابن حيويه قال: كنت أحضر مجلس ابن صاعد في مدينة المنصور، فربما أخذني البول فأنصرف من المجلس وأرجع إلى منزلنا بقطيعة الربيع، حتى أبول وأتوضأ, ثم أعود إلى المجلس, ولا أحل سراويلي في غير منزلنا!.

* عن عبد الصمد بن علي جده قال: استصرخ الناس عام الحرقة على قبور أهليهم بأحد. قال: فخرجت فأتيت قبر عمي حمزة بن عبد المطلب, وقد كاد السيل يكشف عنه فاستخرجته من قبره, فوجدته كهيئته, والنمرة التي كفنه بها رسول الله والأذخر على قدميه, فوضعت رأسه في حجري, فكان كهيئة المرجل. قال القاضي بن كامل: عظمًا فأعمقت القبر, وكفنته أكفانًا على كفنه وأعدته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت