فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 593

الصوفية:

* وعنه قال ـ أي الجنيد ـ: علمنا هذا ـ يعني علم التصوف ـ مشبك بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

* سئل أبو علي الروذباري فقيل له: من الصوفي؟ فقال: من لبس الصوف على الصفا، وسلك طريق المصطفى، وأطعم الهوى ذوق الجفا، وكانت الدنيا منه على القفا.

* قال أبو علي الروذباري: قال لي أبو العباس أحمد المؤدب: يا أبا علي من أين أخذ صوفية عصرنا هذا الأنس بالأحداث؟ فقلت له: يا سيدي أنت بهم أعرف، وقد تصحبهم السلامة في كثير من الأمور، فقال: هيهات يا أبا علي قد رأينا من كان أقوى إيمانًا منهم، إذا رأى الحدث قد أقبل يفر كفراره من الزحف، وإنما ذلك على حسب الأوقات التي تغلب الأحوال على أهلها، فيأخذها عن تصرف الطباع ما أكبر الخطر، ما أكثر الغلط.

* قال إسماعيل بن إسحاق السراج: قال لي أحمد بن حنبل يومًا يبلغني أن الحارث هذا ـ يعني المحاسبي ـ يكثر الكون عندك، فلو أحضرته منزلك وأجلستني من حيث لا يراني فاسمع كلامه؟ فقلت: السمع والطاعة لك يا أبا عبد الله وسرني هذا الابتداء من أبي عبد الله، فقصدت الحارث وسألته أن يحضرنا تلك الليلة، فقلت وتسل أصحابك أن يحضروا معك، فقال: يا إسماعيل فيهم كثرة فلا تزدهم على الكُسْب والتمر، وأكثر منهما ما استطعت، ففعلت ما أمرني به، وانصرفت إلى أبي عبد الله فأخبرته، فحضر بعد المغرب وسعد غرفة في الدار، فاجتهد في ورده إلى أن فرغ، وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا، ثم قاموا لصلاة العتمة ولم يصلوا بعدها، وقعدوا بين يدي الحارث، وهو سكوت لا ينطق واحد منهم إلى قريب من نصف الليل، فابتدأ واحد منهم وسأل الحارث عن مسألة، فأخذ في الكلام وأصحابه يستمعون، وكأن على رؤوسهم الطير، فمنهم من يبكي، ومنهم من يزعق، وهو في كلامه. فصعدت الغرفة لأتعرَّف حال أبي عبد الله، فوجدته قد بكى حتى غشي عليه، فانصرفت إليهم ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا فقاموا وتفرقوا، فصعدت إلى أبي عبد الله وهو متغير الحال، فقلت: كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله؟ فقال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل، وعلى ما وصفت من أحوالهم فإني لا أرى لك صحبتهم ثم قام وخرج.

* عن أبي عد الله محمد بن عبد الله الحافظ قال: كان أحمد بن محمد الخلال يتصوف, ويرمى بالحديث مدة ثم يرجع فيكتب.

* عن محمد بن إبراهيم قال: سمعت أبا العباس بن عطاء وقد سئل عن التصوف ما هو؟ فقال: اتفقت والجنيد على أن التصوف نزاهة طبع كامنة في الإنسان, وحسن خلق مشتمل على ظاهره.

* عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن أبي الورد قال: المريد يعمل بعمله, ويرى زيادة عمله, ونقصانه, والمراد يعمل بعلم الله فيه, ولا يشاهد شيئًا من أفعاله بل يشاهد جريان الحق عليه.

* عن أبي بكر الزقاق قال: بني أمرنا هذا ـ يعني التصوف ـ على أربع: لا نأكل إلا عن فاقة, ولا ننام إلا عن غلبة, ولا نسكت إلا عن خيفة, ولا نتكلم إلا عن وجد.

* عن الزقاق قال: كل أحد ينتسب إلى نسب إلا الفقراء فإنهم ينتسبون إلي, وكل حسب ونسب ينقطع إلى حسبهم ونسبهم, فإن نسبهم الصدق, وحسبهم الصبر.

* عن جعفر الخلدي قال: لو تركني الصوفية لجئتكم بإسناد الدنيا, مضيت إلى عباس الدوري, وأنا حدث, فكتبت عنه مجلسًا واحدًا, وخرجت من عنده فلقيني بعض من كنت أصحبه من الصوفية, فقال: أيش هذا معك؟ فأريته إياه, فقال: ويحك تدع علم الخرق, وتأخذ علم الورق. قال: ثم خرق الأوراق, فدخل كلامه في قلبي, فلم أعد إلى عباس.

* عن الجنيد قال: ما أخذنا التصوف عن القال والقيل لكن عن الجوع, وترك الدنيا, وقطع المألوفات, والمستحسنات؛ لأن التصوف هو صفاء المعاملة مع الله, وأصله التعزف عن الدنيا كما قال حارثة: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي, وأظمأت نهاري.

* عن أبي محمد الياقوتي يقول: رأيت الحلاج عند الجسر, وهو على بقرة ووجهه على عجزها, فسمعته يقول: ما أنا بالحلاج ألقي علي شبهه، وغاب فلما أدنى إلى الخشبة ليصلب عليها سمعته يقول: يا معين الفنا علي أعني على الفنا.

* عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد القلانسي الرازي قال: لما صلب الحسين بن منصور وقفت عليه, وهو مصلوب فقال: إلهي إلهي أصبحت في دار الرغائب أنظر إلى العجائب, إلهي إنك تتودد إلى من يؤذيك, فكيف لا تتودد إلى من يؤذى فيك؟!

* عن أبي عمر بن حيويه قال: لما أخرج حسين الحلاج ليقتل مضيت في جملة الناس, ولم أزل أزاحم حتى رأيته, فقال لأصحابه: لا يهولنكم هذا فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يومًا ثم قتل.

* قال أبو الحديد ـ يعني المصري ـ لما كان الليلة التي قتل في صبيحتها الحسين بن منصور قام من الليل فصلى ما شاء الله، فلما كان آخر الليل قام قائمًا فتغطى بكسائه، ومد يديه نحو القبلة فتكلم بكلام جائز الحفظ، وكان مما حفظت أن قال: نحن شواهدك فلو دلتنا عزتك، لتبدّى ما شئت من شانك ومشيئتك، وأنت الذي في السماء إله واحد وفي الأرض إله، تتجلى لما تشاء مثل تجليك في مشيئتك كأحسن الصورة، والصورة فيها الروح الناطقة بالعلم والبيان والقدرة ثم أوعزتَ إلى شاهدك، لأني في ذاتك الهوى، كيف أنت إذا مثلت بذاتي عند عقيب كراتي، ودعوت إلى ذاتي بذاتي، وأبديت حقائق علومي ومعجزاتي، صاعدا في معارجي إلى عروش أزلياتي، عند القول من برياتي، إني احتضرت وقتلت وصلبت وأحرقت، واحتملت سافياتي الذاريات، ونجحت في الجاريات، وأن ذرة من ينجوج مكان هاكول متحلياتي لأعظم من الراسيات ثم أنشأ يقول:

أنعى إليك نفوسًا طاح شاهدها…فيما ورا الحَيْثُ أو في شاهد القدم

أنعى إليك قلوبا طالما هطلت…سحائب الوحي فيها أبحر الحكم

أنعى إليك لسان الحق منك ومن…أودي وتذكاره في الوهم كالعدم

أنعى إليك بيانا يستكين له…أقوال كل فصيح مقول فهم

أنعى إليك إشارات العقول معا…لم يبق منهن إلا دارس العدم

أنعى ـ وحبك ـ أخلاقا لطائفةٍ…كانت مطاياهم من مكمد الكظم

مضى الجميع فلا عين ولا أثر…مضى عادٍ وفقدان الألى إرم

وخلفوا معشرًا يحذون لبستهم…أعمى من البهم بل أعمى من النعم

* لما وافى ذو النون إلى بغداد اجتمع إليه جماعة من الصوفية, ومعهم من يقول, فاستأذنونه أن يقول شيئًا من عنده, فقال: نعم, فابتدأ القول:

صغير هواك عذبني…فكيف به إذا احتنكا

وأنت جمعت من قلبي…هوى قد كان مشتركا

أما ترثي لمكتئب…إذا ضحك الخلي بكى

فقام ذو النون قائمًا, ثم سقط على وجهه نرى الدم يجري منه, ولا يسقط إلى الأرض منه شيء, ثم قام بعده رجل ممن كان حاضرًا في المجلس يتواجد, فقال له ذو النون: الذي يراك حين تقوم, فجلس الرجل.

* عن عبد الله بن محمد بن ميمون قال: سألت ذا النون عن الصوفي. فقال: من إذا نطق أبان نطقه عن الحقائق, وإن سكت نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق.

* عن الكتاني قال: النقباء ثلاثمائة، والنجباء سبعون، والبدلاء أربعون، والأخيار سبعة، والعمد أربعة، والغوث واحد، فمسكن النقباء المغرب، ومسكن النجباء مصر، ومسكن الأبدال الشام، والأخيار سياحون في الأرض, والعمد زوايا الأرض، ومسكن الغوث مكة، فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل الغوث, فلا يتم مسألته حتى تجاب دعوته.

* عن الجنيد قال: الإنسان لا يعاب بما في طبعه إنما يعاب إذا فعل بما في طبعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت