فهرس الكتاب
حِكْمَته ونعمةً من أكبر نِعَمِهِ في خَلْقِ المرأة للرجل، والتزاوج لتكوين أسرة مُسْتَقرة هي اللَّبِنَة الأساسية في بِناء المُجتمع والخَلِيَّة الأولى في جسم الجنس البشري المُؤهل لتحقيق الخِلافة في الأرض ـ تنقلب إلى جحيم يصلاه كلٌّ منهما، ويصلاه النَّسل والمجتمع كُلُّه.
وبهذا التحول في الشعور نحو الطرفين سيكون أول من يُكوى بناره هو المرأة التي بدأت المعركة وحاولت أن تَصْمُدَ فيها على الرغم من شعورها بقسْوَة المُعاناة، وحينئذٍ يَصْدُق عَلَيْهَا المثل القائل:"على نفسها جنت بَراقش"وصدق الله إذ يقول: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدِ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (سورة الطلاق: 1) ويقول: (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِه) (سورة الفتح: 10) ويقول: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (سورة الشورى: 30) .
4 ـ إنَّ خَلْقَ المرأة للرجل وعدم استغناء أحدٍ منهما عن الآخر أمرٌ ضروري للتكاثر وبقاء الجنس البشري، ضمن القانون العام الذي قال الله فيه: (وَمِنْ كُلِّ شَيءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (سورة الذاريات: 49) .
5 ـ إن التناسل البشري ليس كالتناسل الآخر يجتمع فيه أي ذَكَرٍ مَع أية أنثى، وينتج عن ذلك نسلٌ ضائع بينهما، بل إن هناك تنظيمًا للقاء بين الرجل والمرأة، أساسه الزواج الشرعي الذي تُحدد فيه الحقوق والواجبات بالنسبة لكلٍّ منهما، وبالنسبة للنسل الذي ينتج عنهما، ومن هنا أبطل الإسلام، بل أبطلت كُلُّ الأديان السَّمَاوية، أي لِقَاء بَيْنَ الرَّجُل والمرأة لا تلزم فيه الشروط والقواعد التي جاء بها الدِّين.
والشروط الشرعية لصِحة عقد الزواج معروفة. وأي إخلالٍ بها يُفسد العقد أو يعطي الفرصة لفَسْخِه لمُخَالفته لِحِكْمَة الزََّواج، وتكوين الأسرة.
6 ـ بعد هذا أقول: إنَّ أي شرط في عَقد الزواج يتنافى مع حِكْمَته أو مع نص شرعي أو أمر مُجْمَع عليه يكون باطلًا، وذلك لحديث"المُسلمون عند شروطهم إلا شَرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا"رواه الحاكم وصححه بلفظ"المسلمون عند شروطهم ما وافق الحقَّ من ذلك"ولحديث البخاري ومسلم"إنَّ أحقَّ الشروط أن تُوفوا ما استحللتم به الفُرُوج".
وقد اتفق العلماء على عدم الوفاء باشتراط ترْك الوَطء وترْك الإنفاق والخلو من المَهْر، واختلفوا في شرط الإقامة في بلد الزوجة، وألا يتسرى عليها أو لا يتزوج أخرى عليها.
إن اشتراط عدم زواج الزوج بزوجة أخرى ممنوع ولا يصح أن يفرضه الحاكم، ولأنه يؤدي إلى مَفْسَدة بل مفاسد. ذلك أن المُحتاج إلى زوْجة أخرى، وشُرِطَ عليه الامتناع سيلجأ إلى أحد أمور كلِّها صعبة، إما الطلاق وإما الكَبْت والحِرْمَان إنْ كان مُتَدينًا، وإما الانحراف بالزنا إن لم يَعْصِمه دين، وإما إلى الزواج العُرفي الذي لا تُقيم له الجهات الرسمية وزنًا، وإما إلى التحليل لإيجاد مُبررات كاختلاق عيوب في زوجته قد يطول تحقيق هذا الاختلاف، مع ما فيه من كشف للأسرار والسوءات، فالمنع لا يحل المشكلة إن كانت مشكلة بل يزيدها تعقيدًا"ج 6 ص 155 من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام".