فهرس الكتاب
لا يقبل الأب ولا تقبل الأم - مهما كانت الظروف - سماع نقد مباشر أو توجيه، ناهيك عن التقريع من الأبناء أو البنات، وإذا حدث مثل هذا النقد أو التوجيه يعتبره الأب جرحًا لكرامته وكبريائه، وتأخذه العزة بالإثم، ويكون رد فعله المتوقع هو رفض هذا النقد أو التوجيه جملة وتفصيلًا.. فهل راق لك هذا الرفض؟!
هل هناك شك أو غموض في أن سبيل الحق واضح مثل الشمس في كبد السماء؟!!
ولكن الله سبحانه قال رغم ذلك:"ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن".
والحكمة في حالتك تقتضي الفطنة والأدب والتدرج. انظري إلى فطنة الحسن والحسين حين رأوا أعرابيًّا يتوضأ، ولا يحسن الوضوء، فقالا له: يا عماه.. أنظرنا نتوضأ؛ لتحكم أيُّنا أفضل وضوءًا، فشاهدهما الرجل، وتنبه إلى خلل فعله.
وراجعي مسلك النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في مسلكه مع عمه أبي طالب، وما فتئ يدعوه للإيمان بأدب ولطف حتى آمن"على أصح الأقوال"، وانظري إليه كيف كان يخاطب ذوي المكانة، وكل أب في بيته راعٍ، ويجب أن يعامل كملك متوَّج. وقال السلف: لا يبتسم في وجه الفاسق إلا الثقة.
يبتسم في وجهه لا من باب الإقرار بمعصيته، ولكن لأن"الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه"كما قال الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم.
وحين يحترم الابن أباه الغافل، فإنه في الحقيقة يقيم الاعتبار لمقام الأبوة واجب الاحترام والتقدير، وكأنه يقول للأب: يا أبت أنت في مقام سامق.. هذا هو مكانك فوق رأسي.. فيستحي الأب أن يهبط عن هذا المقام الأسمى الذي يحفظه له أولاده.
ولا يعتبر كتمان ما عُرف عن الفحش إقرارًا له، أو تواطؤًا معه، ولكنه يكون من قبيل التغافل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغافل عما لا يشتهي، فإذا كتم الوالد ذنبًا سترناه عليه؛ لأن ما يترتب على إعلانه بالعتاب، أو تنديده مصارحة أن نضعه بين شقي الرحى: بين الإنكار كذبًا، أو المجاهرة بالفسق، وحين تنكسر بقايا الحياء يتمادى الإنسان في غيِّه، ولعل هذا من بعض معنى الحديث الشريف:"كل أمتي معافى إلا المجاهرون"؛ لأن المجاهرين أسقطوا اعتبارات الحياء والمداراة والإنكار، ويصعب الرجوع من هذه الحالة، والحمد لله أن والدك ليس كذلك.
من الدعاة من يطرب حين يرى إنسانًا قد وقع في فخ المعصية، ويقترب منه وهو يرقص رقصة النصر، ويزهو كما الصياد والفريسة، ويقبل عليه جلدًا وتبكيتًا فيكون عونًا للشيطان عليه من حيث أراد غير ذلك.
ستقولين: أنا أرفق به في مصارحتي له، وأنا أقول لك: إن مجرد المصارحة المكشوفة من ابنة في مثل سنك لوالدها يُعَدُّ جارحًا ومؤلمًا أيما ألم، فهل يمكن أن يستجيب أحد لنصح يرافقه ألم؟ولعلك تريدين الآن توجيهات محددة.. وأقول لك:
1 -استشعري واستحضري ما ينبغي أن يكون في صدرك تجاه الوالد، واخفضي له جناح الذل من الرحمة، ولا تقولي له: أف، وإياك أن تكرري ما سبق منك.
2 -حين تعلمين شيئًا أسر به الوالد اكتميه سترًا له، وإن أردت أن تتحدثي إليه عن جرم فظيع اقترفه - لا سمح الله - قولي له أريد أن آخذ رأيك في شيء يا أبي لأنك أكبر سنًّا، وأكثر تجربة، ثم قولي له: إن والد إحدى