إذًا، أساس استشراف مرحلة التوحش قد فرض لاختيارات خارجية عن مراد الفاعلِ الإسلامي .. بل الآخر هو من فرض إيقاعه على نوع معيّن، فكان موقع العالمِ أجمع رغم أنفه إن لم يرد أن يسير في هذا الاتجاه .. وحيث حمل المرء للحلبة فمنَ العار ِأن لا يقاتل!!
هذه طبيعة الوجود وسننيته .. والذين عندهم تصور آخر لهم الحق أن يقولوه، ولكن من الخيرِ أن لا ينظر المرءُ اليومَ استشرافًا للمستقبل لأننا بحق نعيشه بكل تجلياته، فالواقعُ يفرض إيقاع التوحشِ على المستوى المحصورِ للمنطقة وكذلك على العالم أجمع .. وليس من الخيرِ ولا احترامِ العقلِ المسلمِ أن لا يقبل قولي لأني صاحب لحية!! ويصغي باهتمام إن أحضرت له: قال جون وابن عمه أنطوان!! ثم إن نظرة سريعة ترى هذا التقلب العالمي الدال على عدمِ الاستقرار، وهو مؤذن بزلزالٍ وانهيار!!
لا أحد يتمنى التوحش كما تقدم، لأنه نقيض اسم الإنسان القائم على الأنس، ولكن سُنن الحياة لا تصاغُ من خلالِ الكلماتِ الجميلةِ بل من خلال حقائق الحياة .. إذ يلد الإنسان صارخًا، ويعيش في كَبَدٍ، وستقوم الساعة على شرار الخلق والرومُ أكثر الناس.!
بقيت قضيةٌ أرى بعضهم يمارسها بطفولية، وهو العيب على الذين يعيشون على الهوامش اضطرارًا، ويذهبون إلى الأطراف بدونِ اختيار، وهو ما اضطر إليه حاملو مبدأ التغيير الجذريّ، وهؤلاء حالهم كحال المستهزئ بالذاهب إلى المناجم باحثًا عن رزقه وجواهر الأرض التي اختبأت هناك .. وهذا المسكين يذهب إليها اضطرارًا للحفاظ على حياته، ومن أجل التقاط مقوياته ليحضر قويًا إن استكمل قوته، أو حصلت له فرصته ..
كان من أقدار هذا الدين والجهاد أن عاش مضطرًا على الهامش أو في الأطراف، لكنه ليس كذلك الآن، ووجود البعض على هذه الحالة ليس اختيارًا ذاتيًا، بل هو على قاعدة:
إذا لم تكُ إلا الأسنة مركبًا ... فما حيلة المضطر إلا ركوبها؟!
وعلى هذا المستهزئ أن يقرأ تاريخ هؤلاء، فإنهم لما حصلت لهم فرص العمل في المركز أحسنوا أيما إحسان، ووفقوا أيما توفيق، لكن خصومهم يرفضون نجاحاتهم فأتوهم بالسلاح والدم والقتل!! فاضطروهم اضطرار أهل الكهف رضي الله عنهم ..