لم أعمل في الحقيقة فحص"DNA"حتى أعرف الأصول، لكنني أدركت أكبر مُعمِّر في قريتنا وكان يُردِّد هذا الكلام بأن أصول عائلتنا"أبو عمر"إما كردية أو إيرانية.
فاستقر في القرية، وهذا"أبو عمر"له تاريخ من الدماء وتاريخ من التغوُّل على القرية والله أعلم بالحال. وقريتنا صغيرة ليست من القرى الكبيرة حول المدن في فلسطين، فهذا هو بالنسبة للأصل.
وفي هذا المكان الذي كان يشغل حياتي من مطعم والدي، نشأت هنا في المدرسة الأولى في منطقة جبل المريخ، وهي منطقة بعيدة، رأيت الحرف على يد أستاذ لنا ما زلت أُكنُّ له الاحترام وأراه ماثلًا أمامي، وأظن أنه قد مات، أو إذا كان حيًّا فهو عجوز ولا أعرفه، لأننا انتقلنا من مدرستنا إلى مدرسة أخرى أقرب، ليست بالكثير لكنها لا شك أقرب من الأولى.
والأستاذ الأول هو الأستاذ عمر، وبه بدأت أتعرف على الحرف وأتذوق جمال الحرف والكلمة، وما زلت أذكر تلك الأيام في بدايتها والأستاذ يُعرِّفنا على الحرف.
الكتاب الأول الذي كنَّا نقرأه في الصف الأول، كان هناك شكل رأس ومكتوب رأس، ثم رؤوس، وهكذا كان شيئًا مشهورًا أن يُعلَّم الطالب في بداية تعلمه هذه الكلمة وهذه الرسمة.
وبدأت هنا، وبدأ شوقي للحرف، ولا بأس أن أذكر -حقيقةً وليس من قبيل الافتخار- أنه منذ اللحظة الأولى في المدرسة الأساتذة كانوا يرون فتًى مميزًا في القراءة والذاكرة الجيِّدة والتعليم الجيِّد، وكانوا يخصُّونني ببعض الاهتمام لهذا الأمر. وأنا من طبيعتي المشاغبة، ولكنها المشاغبة التي كان يراها الأساتذة نوعًا من التَّفتُّح، ولذلك منذ الصف الأول وأنا أحصل على الدرجة الأولى في الصف، وبقيت على هذا حتى تعرَّفت على (جماعة التبليغ) فرجعت القهقرى عن هذا الترتيب ..
يعني أذكر أنني منذ الصف الأول كانت لي رغبة أن أمسك أي ورقة، وكانت الجريدة شيئًا مهمًّا في حياة الناس في ذلك الوقت، للحال السياسي الذي يعيشه الفلسطينيون.
لما دخلت المدرسة لم تكن حرب الـ 67 م قد حدثت، ثم أنا أذكر هذه الحرب وكيف هاجر بعض أقارب أبي واستقرُّوا عندنا في البيت، ثم أُعطوا أرضًا بجانبنا كانت لوالدي ولعمِّي فأُعطيت لهم، وكذلك صاروا جيرانًا لنا، وآخرون من أقارب والدي -غير من أخذوا الأرض-، فأنا أُدرك هذه السنة التي يُسمونها كذبًا (النكسة) .
لكني أذكر أن الجريدة شيءٌ مهم لدى الفلسطيني على مختلف أنواعه، وأنا لا أعرف حقيقة مِن أقربائي مَن هو عامِّيّ؛ فكلهم يقرؤون الجرائد ويسمعون الراديو باهتمام ويعرفون التَّقلبات السياسية الدولية وأسماء