فالجهاد لا يُحاصر اليوم فقط بالجنود المسلّحين بالحديد، بل يُحاصر بكلمات أصحاب اللحى والهوى، ويُحاصر بالجهلة الغلاة، كما أنه مُحاصر بمن لا يسمع إلا صوت السلاح ولا يرى قيمة لشيء خارج هذا الفعل.
كل هؤلاء يحاربون أولًا وثانيًا وثالثًا بالكلمة حتى يقع العذر الذي به يقع البلاغ والحجة التي يحبّها الله تعالى.
تأملوا ما يُبثّ من صور وكلمات، وتأملوا ما للشرّ من قنوات فضائية، وما يُقال من خطب ودروس وحوارات، كم للحق فيها من نصيب!!، إن أدركتم هذا علمتم مصيبة الحق وابتلاءه من هذا الجانب، وأنه لولا نصر الله تعالى له لكان نسيًا منسيًا في الوجود ككل الأديان التي ذهبت في التاريخ، وهذا النقص قد يكون سببه الموانع التي يقيَّد بها الحق اليوم من قِبل خصومه من طواغيت الأرض، ولكن بعض الأسباب يعود إلى ما استقرّ في نفوسنا بسبب عدم علمنا بأهمية البلاغ، وأن القرش والجهد الذي يُبذل خارج السلاح لا يكون جهادًا في سبيل الله تعالى.
ولذلك ترى الصرخات تترا من هنا وهناك بإعراض الكثيرين عن هذا الجانب، وأن بعض الصالحين لا يجد إلا نفوسًا تتفلّت من أداء هذا الجانب ذهابًا إلى جانب القتال، ظانين عِظم الأجر مع السلاح دون عمل الدعوة والكلمة والإعلام، وهذا من فساد الحكم والعقل والدين.
إن القتال الذي لا ترافقه الكلمة مصيره إلى الفساد، والذهاب إلى غير وِجهته التي أرادها الله له، وكم من معركة آلت بعد النصر العسكري إلى خسارة بسبب عدم مرافقتها للكلمة التي تحمي النصر وتسدّده وتهديه، ولذلك ليس عجيبًا أن يسمي الله تعالى معركة الإعلام قتالًا كما في قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} ، وسبب نزول هذه الآية ما أعملته قريش وماكِنتها الإعلامية في تقبيح صورة المسلمين بعد قتلهم لرجل مشرك في الأشهر الحُرم التي يعظّمها العرب، هذا لتعلم أن رد الناس عن دين الله تعالى بالكلمة هو قتال وحرب، وكما قالوا إن العمل السياسي صورة أخرى من صور الحرب والقتال.
فإن عقِلت هذا لم تتعجَّب أن البنتاغون -وهو وزارة الحرب الأمريكية وليس وزارة الثقافة- هو الذي يدير قناة (الحرّة الفضائية) ، وهو -أي البنتاغون- من دعم مجلّة (شعر الحداثية) التي كان يقوم عليها الشاعر العلماني الحداثي أدونيس ويوسف الخال؛ لأنهم يوقنون أن الشعر سلاح، وأن الصورة سلاح، وأن الكلمة سلاح ..