فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 564

نعتقد أنه قد آن الأوان ليقف منصفًا مفكرًا أمام نفسه وتجاربه وتجارب غيره من المسلمين لإنهاء هذا الطلاق النكد بين الفكر النظري والعمل الجهادي، لاستخلاص تصورات عملية تستند إلى قاعدة ثمينة من التراث الفكري والتاريخي الهائل، متحركة بأساليب مجددة تناسب واقعا قائما في منطقة محددة، ولابد من الاعتراف هنا بواقع مرير ناتج عن مرحلة الاستعمار القديم والحديث بكل أبعاده العسكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية والذي فرض ظروفا متباينة إلى حد مرعب بين بقاع العالم الإسلامي، وفرض عليها تلك الحدود المصطنعة التي غدت واقعا قائما لا فائدة من نسيانه وتجاوزه، هذا الاعتراف لابد وأن يقودنا- مادمنا في نطاق العقل والمنطق- إلى اعتراف آخر يفيد بأن طروحات عملية تولد في مكان ما لابد وأن تكون مناسبة لواقعها وابنة شرعية له، ولا يعني هذا بالضرورة أنها ملائمة ومفيدة لواقع بلد آخر، فقلما تتطابق الظروف وبالتالي الحلول وقد تتشابه بنسب مختلفة وقد تختلف إلى حد يجعل نظرية واقعية في مكان ما مستحيلة في مكان آخر ويعتبر تطبيقها فيه ضرب من الإجرام والبحث عن الفشل والخسائر وضياع الجهود. إن هذا لا يعني أن لا يستفيد المسلمون من تجارب بعضهم في مكان أو آخر، وأن لا يتعظوا من تلك الدروس، بل تعني أن لا تستعار تلك التجارب لتلبس جاهزة. فظروف بلاد العالم الإسلامي متشابهة في بعض الجوانب كخضوعها لطواغيت لا يقيمون شرع الله، ويتبعون في العمالة جهة من الجهات العدوة الكافرة، ويتعرض المسلمون ولاسيما الدعاة للحرب والنكال نفسه ... الخ إلا أن الاختلاف يأتي في المرحلية التي تحياها الحركة الإسلامية وفي واقعها الذي يفرض نوعا من الحل الآني يناسب بلدا ما وقد لا يناسب آخر في الجوار لتشابك العوامل والظروف والمؤثرات بشكل غاية في التعقيد، فظروف دعوة عريقة قديمة الجذور كتلك التي في مصر أو بلاد الشام أو الباكستان أو تركيا ليست كظروف دعوة ناشئة يافعة كتلك التي في المغرب أو تونس أو بلد في قلب أفريقيا السوداء، ومعطيات الدعوة هنا وما توجبه المرحلة ليست كمعطياتها هناك ... وظروف دعوة في بلد محتل كأفغانستان وفلسطين أو سوريا ليست كظروفها في بلد آخر لا يعاني هذه المشكلة وإنما يعاني غيرها وما يفرضه الدين هنا قد لا يوجبه هناك ... ولكن هذا لا ينفي التعاون والتشاور والتعاضد بل والدعم بين تلك الحركات بشكل لا مركزي، فلا يمكن لهيئة مرشدين في المغرب أن تتصور الحلول وتفرضها على العاملين في المشرق والدعوة التي قد يزينها أصحابها بالعالمية التي تطبع الدين الإسلامي والدعوة إلى الوحدة والعمل وفق هياكل ذات طبيعة دولية لاشك أنها مقبولة ومفيدة على صعيد التلاقح الفكري والتراث العريق الواحد المشترك إلا أنها مثالية إلى حد بعيد، بل إنها معضلة حقيقية إن كانت ستعني ضربا من التدخل في سير الحركة في منطقة ما من آخرين غرباء عن واقعها، ولقد أعطت هذه التنظيمات الإسلامية ذات الطابع الدولي المثال تلو المثال على أن كلمة الدولية التي تلحق بهذه التنظيمات لا تعني أكثر من فكر مشترك منبثق عن ديننا الواحد- ولاشك في هذا- ولكنها لا تعني شيئا على صعيد التنظيم والعمل السياسي. ولطالما فشل -مثلا- التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في حل مشاكل فرعه في سوريا حتى الداخلية منها، ولطالما كانت تلك الحلول حين طرحها بعيدة عن الواقع وليدة بنات أفكار أناس لا يعيشون ذلك الواقع ولا يفقهون منه شيئا، في حين كان تعاونهم المطلق في محال الدعم والإعلام عظيم الفائدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت