فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 564

كثير من الشعارات طرحت من قبل منظرينا الأوائل، ولقد جربوها فنجحت حينا وفشلت في آخر، ولقد لاقوا وجه ربهم بما عملوه وحسب نياتهم وجاء دورنا وعلينا أن نوجد نظرياتنا وأساليبنا ونهج عملنا بأنفسنا وبجهودنا كما فعلوه، معتمدين على الله مستنيرين بالتجربة ولاشك أن بعضا من أساليبهم وطروحاتهم لا تناسبنا ولا تناسب ظروفنا ومشاكلنا، فعلينا أن نشكر سعيهم ونوجد حلا لمشاكلنا، ونظريات عمل تخصنا لتحقيق برامجنا وأهدافنا. لنتعظ بتجربتهم وهم لنا خير السلف، ولكن لا يجب أن نحولهم إلى أصنام نظل عليها وعلى طروحاتها عاكفين. فالزمن يمر والظرف يتجدد ويتعقد ويفرض علينا إيجاد حلول لمشاكلنا بأنفسنا انطلاقا من ذلك التراث لقد آن الآوان لأن يوجد السالكون لدرب الدعوة العازمون على إقامة الحكم الإسلامي نظريتهم الفكرية والعملية المنبثقة من الواقع القائم مستنيرين بذلك التراث الثر من التجارب.

ما هي الطروحات العملية المنبثقة من التجربة؟ كيف تولد؟ وما تكاليفها؟ وما ميزاتها؟ وما صفات القائمين عليها وكيف تنهج في العمل؟ ..

أسئلة جديرة بأن يتفهمها العاملون للإسلام وأن يجيبوا عليها كل حسب ظرفه إجابة عملية، ليوجد كل منهم طروحاته العملية لإقامة الحكم في دياره بنفسه. وإزالة القهر والظلم وإقامة العدل الإلهي بين الناس قضية جديرة بمن يتصدون لهذا الهدف وهي موجهة إليهم. ولا نعني أولئك الذين اكتفوا بهدف جزئي نبيل من العمل الإسلامي كبيان الدين والدعوة للتمسك به وأعمال البر بأشكالها وألوانها ... وجزاهم الله كل خير.

إن الطروحات والأفكار العملية المستخلصة من التجربة تولد من خلال العمل بعد أن تثبت فاعليتها وجدواها، ويحس بها القائمون بها ويستنيرون بأثرها ويتخذونها سبيلا وإن كثيرا من تلك النظريات تولد متأخرة ولكن لا بأس، وتكلف التضحيات وضرائب الفشل ولكن لا ضير في ذلك، وفإنها على الأقل وليدة دروس كلفت أصحابها أنفسهم عناء التجربة ولم تنزل عليهم من أعلى الهرم التنظيمي من آخرين لا يعنيهم الفشل ولا يكلفهم شيئا من التضحية. تجربة تعلم أصحابها منها وتكيفوا مع ظروف شبيهة قائمة. إننا يجب أن نعمل حتى لا تذهب كل تلك التجارب الكثير من الدماء والعناء والجهد هباء دون مقابل، يجب أن نستخلص منها تصوراتنا العملية الجديدة في الثبات والمتابعة، إن كل الانطلاقات تبدأ متعثرة لأنها تنطلق من واقع مرير يشدنا إليه بكل تبعاته وما ورثناه من أمراض ظروف وطروح ماضية ما تفتأ تشدنا إليها باستمرار لنكرر أخطاء مرت بفعل معتقدات وتصورات ساذجة أحيانا لها هيبة القدسية.

إن الفشل هو الذي يكلف الضحايا وغالبا ما تكلف الهزائم أكثر بكثير من الانتصارات. ولكن الفشل درس ذو مردود مزدوج فهو يزود العامل بغناء التجربة ويجمعها إليه لجنب نفسه وأقرانه تكاليف هزائم قد تقع وتكون أكثر كلفة وهو بهذا أكثر إغناء من النصر ذاته لأن الظروف المؤدية للانتصارات قليلا ما تكرر، ولكن تلك التي تؤدي للفشل هي التي تتكرر أكثر. إن الطروح العميلة المستخلصة من تجربة، تولد من خلال العمل والتوجه مباشرة نحو الهدف وبجدية وتكلف الكثير من الجهد والدماء والعناء حتى تستخلص كنهج ناجح يثبت نفسه ونجاحه، وتقتضي أن يوجدها أصحابها العاملون بأنفسهم ... وتتميز بالجدية والفاعلية والثبات وتحقيق النتيجة إن شاء الله ولكنها تقتضي من القائمين عليها أن يتحلوا بالاستعداد للتضحية والثبات والإخلاص والعزم على الاستمرار، فيفيد اللاحق من السابق، وهكذا تبقى النظرية مستندة إلى أصول فكرية راسخة على صعيد التصور والهدف، وإلى أساليب متطورة باستمرار على صعيد التجربة والعمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت