فإنهم ليس لهم حد مدد فيما يدعونه من الإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته وتحريف كلام الله تعالى ورسوله عن مواضعه، إذ مقصودهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام بكل طريقة مع التظاهر بأن لهذه الأمور حقائق يعرفونها من جنس ما ذكر السائل، ومن جنس قولهم أن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، و (الصيام المفروض) كتمان أسرارهم، و (حج البيت العتيق) زيارة شيخهم، وأن أيدي أبي لهب هما أبو بكر وعمر، وأن (البناء العظيم والإمام المتين) هو علي بن أبي طالب. ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة، فإذا كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين، كما قتلوا إمرة الحجاج وألقوهم في بئر زمزم، وأخذوا مرة الحجر الأسود وبقي عندهم مدة وقتلوا علماء المسلمين ومشايخهم وأمراءهم وجند لا يحصي عدده إلا الله [1] ...
وصنفوا كتبا كثيرة مما ذكره السائل وغيره، وصنف علماء المسلمين كتبا في كشف أسرارهم، وهتك أستارهم، وبينوا ما هم عليه من الكفر والزندقة. والإلحاد الذي هم فيه أكفر من اليهود والنصارى ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام، وما ذكره السائل في وصفهم قليل من الكثير الذي يعرفه العلماء من وصفهم، ومن المعروف عندنا أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى من وجهتهم. وهم دائما مع كل عدو للمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين. ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار، ومن أعظم أعيادهم إذا استولى والعياذ بالله تعالى النصارى على ثغور المسلمين، ومازالت بأيدي المسلمين- حتى جزيرة قبرص يسر الله فتحها عن قريب وفتحها المسلمون في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه فتحها معاوية بن أبي سفيان إلى أثناء السنة الرابعة -فهؤلاء المحادّون لله ورسوله كثروا بالسواحل وغيرها، فاستولى النصارى على الساحل، ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره، فإن أحوالهم كانت من أعظم الأسباب في ذلك، ثم لما أقام الله ملوك المسلمين المجاهدين في سبيل الله تعالى كنور الدين الشهيد، وصلاح الدين، وأتباعهم وفتحوا السواحل مع النصارى ممن كان بها منهم، وفتحوا أيضا أرض مصر فأنهم كانوا مستولين عليها نحو مئتي سنة [2] .
فاتفقوا هم والنصارى فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد، ومن ذلك التاريخ انتشرت دعوة الإسلام في الديار المصرية والشامية، ثم إن التتار ما دخلوا لبلاد الإسلام وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم، فإن مرجع هؤلاء الذي كان وزيرهم وهو (النصير الطوسي) كان وزيرا لهم وهو الذي أمر بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء ...
(1) ويقصد القرامطة أجداد النصيرين وأصولهم عندما هاجموا بيت الله وسرقوا الحجر الأسود.
(2) عندما حكمها الفاطميون وهم فرقة من القرامطة الإسماعيلية حكموا مصر ( ... ) وأشهر ملوكهم المعز لدين الله الفاطمي.