فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 564

هل يكفينا العذر بأننا عملنا وسعينا وفشلنا ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها؟ هل يكفينا العذر أم أنه يا ترى عذر لتبرير هذا التراجع عن المبدأ للعودة لدنيا طالما تركناها لله، ثم عدنا إليها اضطرارا فأعجبتنا وأنستنا ما كان من قضية وجهاد. فرحنا نركض وراءها كل يسابق خليله ويغبط أو يحسد من يسبقه في نيل هذا الفتات.

ترى هل اشترطنا على الله عندما بدأنا الجهاد -وأخص أولئك الذين شاركوا فيه يوما ما بشكل أو بآخر بدءا من التأييد المعنوي وحتى حمل السلاح -هل اشترطنا أن تسير الراية الجهادية من نصر لنصر ومن حسن لأحسن حتى نستمر فيها؟؟ فإذا تعثرت وواجهت الصعاب فإننا سنتخلى عنها؟ إن كان هذا شعورنا الداخلي فما فهمنا الجهاد إذًا، ولا عرفنا سنة الله في ابتلاء وتمحيص أوليائه، وعشرات الآيات والأحاديث والشواهد من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة صحبه ومن تبعهم بإحسان تؤكد لنا أن هذا الطريق طريق محن ومصاعب وقتل وتشريد وفقر وجوع ونقص في الأموال والأنفس والثمرات ... وبشر الصابرين.

طريق قلما يجد السالكون فيه أجرهم في الدنيا. فالأصل في الأجر أنه عند كريم عزيز في جنة عرضها السماوات والأرض. أجر جزيل على القيام بفرض قد افترضه الله علينا كما افترض الصلاة والصيام والزكاة وغيرها. أما أن ينصر الله جنده فهذا وعده المقطوع عليه وهو الصادق الحكيم العالم بتوقيته وكيفيته والمؤهلين له لينزله عليهم.

فهو أجر مضمون من رب كريم إما النصر أو الشهادة. أما العناء فهو سمة الدرب، حتى أن الله تعالى يبين لنا أن هذا النصر لا يأتي إلا بعد ضراوة المحنة وإلا فكيف نفهم قوله تعالى:

{حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا} سورة يوسف:110.

وقوله تعالى: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون} سورة التوبة 16.

ويقول تعال: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} العنكبوت 202.

ويقول تعالى: {ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين} البقرة 155.

هذه آيات الله وغيرها كثير وكلنا يعلم هذا وكلنا يقرأ السيرة ويرى أن رسل الله قاطبة عليه السلام وفيهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خضعوا لهذا الامتحان الرباني فقد جاهد صلى الله عليه وسلم في مكة صابرا محتسبا يبين الحق ويجهر به ويتحمل البلاء هو وصحبه ثلاثة عشر سنة، ثم انتقل للمدينة وعانى أكثر مما نعاني من بلاء المشركين وكثرتهم وشوكتهم، ومن فساد المنافقين وإرجافهم، ومن تآمر اليهود ومخططاتهم ومن تهديد الدول العظمى في جواره وبأسها وهكذا ... فما وهن وصحبه وما استكانوا.

وجاء أمر الله ودار الزمان وعانى كل مخلص وكل مصلح من أمر الجهاد والثبات ما عانى، ولولا صبرهم وجهادهم لما وصلنا إسلام ولا نعمنا بنعمة ربنا الوارفة دون فضل منا ولا نصب. وجاء دورنا ... والله تعالى يقول: {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين} العنكبوت 29

ويقول سبحانه: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين، عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا} النساء 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت