فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 564

ولئن كان هذا الواجب متوجبًا في حق المسلمين عمومًا. فهو أوجب في حق العلماء الذين آتاهم الله العلم ليبينونه للناس ولا يكتمونه، أوجب ومن باب أَولى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب فقه الجهاد من الفتاوى الكبرى: (فالمرصودون للعلم عليهم للأمة حفظ الدين وتبليغه، فإذا لم يبلغوهم علم الدين، أو ضيعوا حفظه كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين، ولهذا قال الله تعالى:"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون"البقرة 109، فإن ضرر كتمانهم عدى إلى البهائم وغيرها، فلعنهم اللاعنون حتى البهائم) ويقول: (فترك أهل العلم تبليغ الدين كترك أهل القتال للجهاد وترك أهل القتال للقتال الواجب عليهم، كترك أهل العلم للتبليغ الواجب عليهم، كلاهما ذنب عظيم، وليس هو مثل ترك ما تحتاج الأمة إليه مما هو مفوض إليهم، فإن ترك هذا أعظم من ترك أداء المال الواجب إلى مستحقه، وما يظهرون من البدع والمعاصي التي تمنع قبول قولهم وتدعو النفوس إلى نفوسهم وتمنعهم وغيرهم من إظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أشد ضررًا للأمة وضررًا عليهم من إظهار ذلك) .

فماذا ياترى كان موقف علماء الإسلام اليوم في طول الوطن الإسلامي وعرضه مِن هذا الواجب، وكيف كان موقفهم من المنكر الأكبر وسبب كل المنكرات الأخرى ألا وهو استبعاد الحكم بشرع الله .. وكيف كان موقفهم من المخازي الأخرى من فساد وانحلال سياسي واجتماعي .. وكيف كان موقفهم من استلاب البلاد وملاحقة المسلمين وقتلهم وحرب الدعاة إلى الله .. وحتى لا يكون بحثنا مجملًا، نريد أن نحدد الأمور ونسميها بأسمائها وهذا يقودنا إلى تصنيف العلماء فهم أنواع شتى:

أولًا: علماء عاملون: وهؤلاء نفر أغنياء عن التعريف، فهم عالمون بأمر الله ودينه، قائمون بما أمر، وقفوا في وجه التيار بكل أشكال فساده الاجتماعي والسياسي وتعرضوا للطغاة فأمروهم ونهوهم، فلما لم ينتهوا فضحوا عوارهم، ونددوا بهم ودعوا لإسقاطهم، ونادوا بالعودة إلى تطبيق شرع الله، واستنكروا كل أشكال التسيب والبعد عن الله، فتعرضوا لبطش الطغاة"فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"وهؤلاء قلة نادرة بين العلماء، والأندر منهم من جمع قوله إلى فعله فأمَر ونهى وجاهد قولًا وعملًا وهذا الصنف النادر هو ما يحتاجه المسلمون اليوم وبهم يكون قيام الدين، نسأل العزيز القدير أن يكثر في الأمة من أمثال هؤلاء فهم أمل الإسلام وطليعة عودة مجده.

ثانيًا: علماء منافقون: وهؤلاء نقيض أولئك هم شر الأصناف وأصل البلاء، ادّعوا ولاء الله ورسوله والمؤمنين، وأبطنوا موالاة أعداء الله من الكفرة والمارقين والعملاء المجرمين فدعوا إلى السمع والطاعة لأولي الأمر .. أولي أمر ما هم منّا ولا نحن منهم، وباركوا أعمالهم، ودعوا الله لهم على المنابر ووصفوهم بصفات رفعوهم بها إلى مراتب أولياء الله الصالحين، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء فقال: (أخشى ما أخشاه على أمتي منافق عليم اللسان) ، وهم من وصفهم الله تعالى بقوله: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا أولئك ما يأكلون في بطونهم النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار) البقرة 175 - 176.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت