فعلوا كل ذلك لعرض من الدنيا قليل، منصب تافه، أو راتب مغري، أو وجاهة في الدنيا على حساب الآخرة، ولو كانوا آمنوا بها وحسبوا حسابها لما وقفوا موقفهم ولا فعلوا فعلتهم الشنعاء، والأنكى من ذلك أنهم لما قام عباد الله الصالحون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، انحازوا لصف الطاغوت، فاستنكروا فعل أولئك المؤمنين بل فسقوهم وكفروهم، فعلى طلائع الفداء الإسلامية أن تميزهم وتعرفهم وتصفهم في مصف أعداء الله لينالوا ما يستحقون، عليهم لعنة الله.
ثالثًا: علماء جهلة بدين الله: قد تبدو هذه التسمية غريبة، إذ كيف يوصف عالم بالجهل .. ولكنها تسمية على سبيل المجاز، فهم مصنفون بين العلماء لأنهم يرتدون الجبّة والعِمامة، ويطلقون لحاهم ان تفضلوا على الإسلام بذلك، ويزينون كلامهم بالآيات والأحاديث، وقد أتاهم الله بعض العلم الذي يتصدون به المجالس ويفتون الناس في أمر دينهم، وهم يتقنون غيبًا أحكام الطهارة والنجاسة والحيض والنفاس .. ولا يعرفون من دين الله إلا الشعائر، وأحكامها وبعض أمور المعاملات ونظامها .. تجمّع الناس حولهم وعقدوا لهم الحلقات فأفرغوا الدين من روحه وحيويته فما تعرضوا لمعروف ولا منكر إلا أمورًا لا ينكر إنكارها حاكم ولا تسوء الإشارة إليها ظالم، وحتى تلك الأبواب لم يتقنوا علمها وكثيرًا ما يتفتون الناس بما يجهلون، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لايقبض العلم انتزاعًا ينزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسًا جهّالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) متفق عليه عن عبد بن عمرو بن العص. وأكثر ما يميزهم، حبهم للبهرجة وترأس الحلقات وكثير منهم واقع في البدع، ولا مانع لديه من المسير في مواكب السلاطين الفجرة. وهو كثير بين من يدعون العلم.
رابعًا: علماء ثقات معتزلون: وهم صنف من العلماء العارفين بدين الله آتاهم الله العلم وجمعوا إليه السلوك الحسن والتقى والسمعة الطيبة بين المسلمين، فهم محبوبون مسموعوا الكلمة، ولهم جماهير عريضة بين المسلمين، تفرغوا للعلم وطلبه وتدريسه وللتأليف والتصنيف والافتاء في أمور الدين -إلا ما كان له علاقة بالسياسة والحكم- وقد يخطب الحكام ودَّهم لاستمالتهم ولكنهم صامدون معرضون عن الإغراء والحمد لله، ولكنهم بالمقابل أعرضوا عن التكلم في مفاسد حكامهم إلا تعريضًا، ولم يتكلموا في أمر الشريعة ولم يتعرضوا للجانب السياسي الحركي منها لا قولًا ولا عملًا، وقد رضي الحكام منهم بهذا الموقف، وهم صنفان: