إن هذا الاتجاه في الابتعاد عن قضية التصدي لقضية إقامة الحكم عمليًا، ظهر أيضًا في العمل الفكري الصرف لإقامة الإسلام في صورة مؤلفات فقهية وشرعية وفكرية - تفتقر للاتجاه العملي في إقامة نظام الإسلام ولقد نبه الشهيد سيد قطب رحمه الله لهذا، فهو يقول: (إن العمل في الحقل الفكري للفقه الإسلامي عمل مريح لأنه لا خطر فيه ولكنه ليس عملًا للإسلام، ولا هو من منهج هذا الدين ولامن طبيعته وخير للذين ينشدون الراحة والسلامة أن يشتغلوا بالأدب وباللغة أو بالتجارة .. أما الاشتغال بالفقه الآن على ذلك النحو بوصفه عملًا للإسلام في هذه الفترة، فأحسب والله أعلم أنه مضيعة للعمر وللأجر أيضًا، إن دين الله يأبى أن يكون مجرد مطية ذلول، وخادم مطيع لتلبية مطالب هذا المجتمع الجاهلي الآبق منه، المتنكر له الشارد عنه، الذي يسخر منه الحين بعد الحين باستفتائه في مشكلاته وحاجاته، وهو غير خاضع لشريعته وسلطانه. إن فقه هذا الدين وأحكامه لا تنشأ فراغ ولا تعمل في فراغ، وإن المجتمع المسلم الخاضع لسلطان الله ابتداء هو الذي صنع هذا الفقه، وليس الفقه هو الذي صنع ذلك المجتمع، ولن تنعكس الآية أبدًا. إن خطوات النشأة الإسلامية ومراحلها هي دائمًا واحدة، والانتقال من الجاهلية إلى الإسلام لن يكون يومًا ما سهلًا ولا يسيرًا، ولن يبدأ من صياغة الأحكام الفقهية في الفراغ، لتكون معدة جاهزة يوم يقوم المجتمع الإسلامي والنظام الإسلامي، ولن يكون وجود هذه الأحكام المفصلة على الجاهز والناشئة في الفراغ هي نقظة البدء في التحول من الجاهلية إلى الإسلام، وليس الذي ينقص هذه المجتمعات الجاهلية لكي تتحول إلى الإسلام هو الأحكام الجاهزة، وليست الصعوبة في ذلك التحول قاصرة عن قصور أحكام الفقه الإسلامي الحاضرة عن ملاحقة حاجات المجتمع المتطورة .. إلى آخر ما يخادع به بعضهم ويندفع به بعضهم الآخر. [1]
صحيح أن بعض هذه الجهود الاصلاحية في المجال الاجتماعي، وهذه الجهود الفكرية والفقهية قد أثرت في إنماء الصحوة الإسلامية وأسهمت فيها، إلا أنه يبقى توجيه هذه الجهود لكي يقوم النظام الإسلامي على أنقاض هذه الأنظمة عبر عمل مبرمج وفاعل وشامل وإلا فمكاننا سنراوح، يقول عبد الله النفيسي في كتابه السياسة الشرعية: (هذا الاندفاع العام نحو الإسلام إذا لم يتم توظيفه سياسيًا لصالح قضية الإسلام الأممي المستقبلي، فلن يحصد منه المسلمون إلا العرق والدم، هذا التزاحم في المساجد هذا الإقبال على الكتاب الإسلامي وهذا القلق المبارك على الدعوة وهذا الدعم الجماهيري المادي والمعنوي لحركة الإسلام .. كل هذا إذا لم تضبطه أهداف عامة، واضحة وصريحة ومعلنة ومؤصلة، وإذا لم يتمحور حول قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية تعيشها الجماهير، قضايا تكتوي بها الجماهير تكون مدخلًا مناسبًا إليها حوله وبالقرب منه يتم الطرح الإسلامي.
أقول إذا لم يحدث هذا فإننا نضيع فرصة تاريخية قد لا تتكرر هيأها الله لدعوته ولحزبه.
-الموقف من الحكومات: اختلف مواقف الحركات الإسلامية من الحكومات الجاهلية المرتدة في الشكل واشتركت كلها في أنها لم تقف الموقف الذي تمليه شعاراتها وأهدافها التي رفعتها وربت عليها قواعدها وجماهيرها ولقد ظهرت هذه المواقف في عدة أشكال أهمها:
(1) فقه الدعوة في ظلال القرآن.