كان من البديهي أن يدرك القائمون على حركات إسلامية ترفع مثل هذه الشعارات والمبادئ، أنها ستلاقي العنت والعداء والقمع وكل محاولات التصفية من قبل إعدائها (الأنظمة المرتدة) وكان عليها أن تحتاط لذلك وتتخذ من تجاربها السالفة الطويلة عبر السنين الطوال العجاف التي قضتها مع الطغاة، عبرة تجد فيها حلًا رادعًا لهؤلاء الذين استباحوا دماء الدعاة وأعراضهم وأموالهم، ونكلوا بهم وشوهوا سمعتهم وأفسدوا عليهم مخططهم الإصلاحي التغييري، والحق أ، هذا لم يكن غائبًا عن فكر الدعاة الأوليين للحركة الاسلامية المعاصرة، فقد أقام الشهيد البنا مثلًا الجهاز الخاص بعد ظهور بوادر المؤامرة في فلسطين، لحماية الجماعة في مصر والدفاع عنها ولقد كان هذا سببًا في اغتياله، ولأن كان الجهاز قد خرج عن دوره المعد له ولعب دورًا سلبيًا .. فهذا لايعني خطأ الفكرة بقدر ما يعني الخطأ في تركيبة الجهاز ووجوب تلافيها، وقد عمد قدماء الاخوان في سوريا كذلك إلى التدريب على السلاح خلسة في أوائل الخمسينات تحسبًا لمثل هذه الاحتمالات. كما دعا إلى ذلك الشيخ مروان حديد رحمه الله في عام 1969 عندما أرسل شبابه للتدريب تمهيدًا لتأسيس الطليعة بعد أن اقتنع بعدم جدية الاخوان في موضوع الجهاد المسلح. وتدربوا على السلاح مع (فتح) في الأردن.
ولكن الأيام التالية، حملت استبعادًا لفكرة الإعداد العسكري والجهادي العملي بحجة أن هذا يعطي المبرر للطغاة لضرب الجماعة الإسلامية، وهذا عجيب، فالطغاة لا ينتظرون مثل هذه الحجة، وهذا ما أثبتته تجارب اخوان مصر في 1954 - 1965 - 1979 ... وتجارب السوريين في 1959 - 1965 - 1973 ... وفي تجارب التونسيين والجزائريين والمغاربة والأتراك وغيرهم علمًا بأنهم جميعًا لم يرفعوا سلاحًا ولم يدعوا إلى حرب، والسبب واضح جلي معروف للدعة .. انها في المبادئ والراية والأهداف، وأمام الدعاة أحد أمرين .. إما التخلي عن مبادئهم وأهدافهم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق الصدع بالحق والدفاع عنه، ولكن الإسلاميين أهملوا الإعداد إلى حد كبير، وسلكوا طريق الصبر والدعوة وتحمل الأذى دون طائل، فما كف هذا الطغاة عن حربهم، بل أفقدهم القدرة على الردع وأغرى بهم العدو وأصبحوا غنمًا تُساق للذبح وفق مشيئة الجزار .. وغيرهم هذا مازال الشعار هو الشعار (الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا) .. ولكنه غدا شعارًا فارغًا وأصبحت الدعوة طريق تربية وإصلاح، لا حركة تغيير جذرية ... وإن كان الشعار يحمل السيف والمصحف.
خامسًا: الوقوف سلبًا في وجه الانتفاضات الجهادية الجادة:
لم تبد هذه الظاهرة بكل أبعادها بعد بشكل واضح كسابقاتها ... إذ ان الذين يقفون وراءها من قادة ومفكري الحركة الإسلامية، ألبسوها ثوبًا مزركشًا من العناوين النظيفة، منها الحفاظ منها على الدعوة، وعدم تعجل قطف الثمار، ومنها مقاومة طيش المغامرين، ومنعهم من العبث بالدعوة ومكتسباتها ودفعها للمذبحة واستطاعوا أن يخفوا عوار موقفهم هذا تحت عباءة التعقل والتريث والتخطيط السليم المتزن والبعيد المدى، وقد تدرج موقفهم هذا من الحركات والانتفاضات الجهادية في المناطق التي بدأت بذورها فيها مثل مصر وسوريا [1] عبر أربعة مراحل، بدت متكاملة في سوريا عبر التجربة الجهادية التي بيننا .. ولم تسر في مصر لنهاية الشوط لحداثة التجربة ومحدوديتها. هذه المراحل هي:
(1) خلال السنوات الأخيرة تبدت هذه المراحل في مقاومة قادة العمل الإسلامي لحركات الجهاد الشابة في العديد من البقاع كاليمن والجزائر والأردن أخيرًا حيث أصدر الإخوان مؤخرًا بيانًا استنكروا فيه مبادرات جهادية تبدأ انطلاقتها في تلك الأرض المباركة.