وكذلك من دعا إلى تحكيم غير الله ورسوله فقد ترك ماجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ورغب عنه وجعل لله شريكًا في الطاعة، وخالف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر الله به في قوله:"وان احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك"وقوله تعالى:"فلا وربك لا يؤمنون [1] حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا"فمن خالف ما أمر به الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله وطلب ذلك اتباعًا لما يهواه ويريده فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه، وإن زعم أنه مؤمن، فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك وكذبهم في زعمهم الإيمان لما في قوله تعالى:"يزعمون"ونفى إيمانهم، فإن"يزعمون"إنما تقال غالبًا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها ويحقق ذلك قوله:"وقد أمروا أن يكفروا به، لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد كما في آية البقرة فإن لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدًا، والتوحيد هو الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه، كما أن ذلك بين في قوله تعالى:"فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى"الآية. وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص 391السنة المحمدية."
ويعلق الشيخ محمد حامد الفقي على المقصود بالطاغوت فيقول: (الذي يستخلص من كلام السلف رضي الله عنهم، أن الطاغوت كل من صرف العبد وصده عن عبادة الله وإخلاص الدين والطاعة له ولرسوله، سواء في ذلك الشيطان من الجن والشيطان من الإنس والأشجار والأحجار وغيرها، ويدخل في ذلك بلا شك الحكم بالقواني الأجنبية عن الإسلام وشرائعه وغيرها من كل ما وضعه الإنسان ليحكم في الدماء والفروج والأموال ولبيطل بها شرائع الله من إقامة الحدود، وتحريم الربا والزنا والخمر وغير ذلك، مما أخذت هذه القوانين تحللها وتحميها وأمثالها في كتاب وضعه العقل البشري ليصرف به عن الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، إما عن قصد أو عن غير قصد من واضعه فهو طاغوت) فتح المجيد ص282 هامش ط السنة المحمدية.
(1) كلمة لا يؤمنون لا تساوي (يكفر) فلا يصح حملها دائمًا على الكفر إلا بقرينة أخرى مثال:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"متفق عليه. مع تسمية قاتل العمد مؤمن"فمن عفا له من أخيه شيء"البقرة،"وإن طائفتان من المؤمين اقتتلوا"الحجرات، ففي الحديث السابق"أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم"مثال: وتقال (لايؤمن) للكافر كأهل الكتاب (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) التوبة وكقوم هود (وما نحن لك بؤمنين) هود، ولذلك لا بد من تحديد المراد بنفي الإيمان هل كله أو بعضه وهذا يحتاج إلى قرينة أخرى. (المحقق) .