ويقول الشيخ أحمد شاكر معلقًا على الكلام السابق لابن كثير: (أقول: أفيجوز مع هذا في شرع الله أن يحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوروبا الوثنية الملحدة ... بل بتشريع تدخله الآراء والأهواء الباطلة يغيرونه ويبدلونه كما يشاؤون ولا يبالي واضعه أوافق شرع الإسلام أم خالفه ..
إن المسلمين لم يبلوا بهذا قط فيما نعلم من تاريخهم إلا في عهد التتار وكان أسوأ عهود الظلام، ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له، بل غلب الإسلام التتار، ثم مزجهم فأدخلهم في شرعه وزال أثر ما صنعوا بثبات المسلمين على دينهم وشريعته، وبما أن هذا الحكم السيئ الجائر كان مصدره هذا الفريق الحاكم أو ذاك، لم يندمج فيه أحد من أفراد الأمم الإسلامية المحكومة ولم يتعلمه أبناؤهم فما أسرع ما زال أثره.
أرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير في القرن الثامن، لذلك القانون الوضعي الذي يصنعه عدو الإسلام جنكيز خان .. ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا القرن الرابع عشر الهجري، إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفًا، ان ذلك في طبقة خاصة من الحكام أتى عليها الزمان سريعًا فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالًا وأشد ظلمًا وظلامًا منهم، لأن أكثر الأمم الإسلامية تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيء بذلك الياسق الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر.
هذه القوانين التي يصطنعها ناس ينتسبون للإسلام ثم يتعلمها أبناء المسلمين ويفخرون بذلك آباء وأبناء ثم يجعلون مجرد أمرهم الى هذا (الياسق العصري) ويحقرون من يخالفهم في ذلك ويسمون من يدعوهم للاستمساك بدينهم رجعيًا وجامدًا وما إلى ذلك من الألفاظ الفارغة، بل إنهم أدخلوا أيديهم فيما بقي من الحكم والتشريع الإسلامي يريدون تحويله إلى (ياسقهم) الحديث بالهوينا واللين تارة وبالمكر والخديعة تارة وبما ملكت أيديهم من السلطات تارة، ويصرحون ولا يستحون بأنهم يعملون على فصل الدين عن الدولة، أفيجوز اذن -مع هذا- لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد أعني التشريع الجديد .. أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا الدين واعتقاده والعمل به عالمًا كان الأب أو جاهلًا، أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا (الياسق العصري) وأن يعمل به وأن يعرض عن شريعته البينة.
ما أظن رجلًا مسلمًا يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلًا ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتابًا محكمًا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبأن طاعته وطاعة الرسول الذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال. ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول بأن ولاية القضاء في هذه الحالة باطلة بطلانًا أصليًا لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة.
الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس ... هي كفر بواح ... لا خفاء فيه ولا مداراة ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام -كائنًا من كان- في العمل بها أو اقرارها فليحذر امرؤ نفسه وكل امرىء حسيب نفسه) عمدة التفسير ج4ص171 - 172 ط دار المعارف وقد مر بنا كلام الشيخ محمود شاكر - تفسير الطبري - على حكام اليوم وذلك في الحديث عن الصنف الثالث من الحكام فراجعه إن أحببت.