تصدت جماعات أخرى ودعاة كبار وحركات قائمة بأجهزتها وقواعدها للقضية بشمول أكبر من الناحية النظرية على الأقل .. فطرحت الأهداف الجدية في إعادة الإسلام لدوره الطبيعي والأساسي فعرفت الإسلام على أنه مصحف وسيف .. دين ونظام للدنيا والآخرة .. واتسمت بطابع الدعوة الشاملة والطرح السياسي فقدمت للأمة جديدًا .. ولم يمض وقت حتى اكتسحت الوسط الإسلامي ونظمت جهود الكثير من المخلصين .. ولكن هل كانت هذه الحركات في السلوك العملي والتطبيق على مستوى الأهداف المرفوعة أو لنقل على مستوى الأزمة ووجوب ما تقدم من مواقف؟
إن الدارس والملاحظ لتطور الحركة الإسلامية المعاصرة يجدها قد تصدت لقضية الحكم عن طرق ثلاثة:
أ- طريق الدعوة وتحمل الأذى: وقد بدأ هذا الطريق في زمن يناسبه ويتناسب مع ضيق القاعدة الإسلامية الواعية المعتقدة والمؤمنة بشمول الإسلام للجوانب السياسية كشموله للجوانب الأخرى .. ولكن بدل أن يتطور هذا الأسلوب تناسبًا مع حجم القاعدة الإسلامية المتوسع، وبروز المشاكل والقضايا المعاصرة، والمواقف الحكومية التي تستوجب موقفًا إسلاميًا صارمًا، انتقلت الدعوة لمرحلة برزت فيها نظرية (دعاة لا قضاة) وتطورت وتشعبت وحملها القادة الدعاة أكثر مما حملها صاحبها نفسه رحمه الله، وطغت نظرية التغيير القاعدي عن طريق الانتشار الأفقي في الجماهير وتبيان الإسلام وأحكامه في القضايا المختلفة ... والاقتصار على طريق الدعوة مع تجنب أي شكل من أشكال المواقف العملية المباشرة لقضية الحكم، رغم بلوغ الدعوة في بلاد شتى كمصر وسوريا وغيرها مرحلة تمكن الدعاة من التحول للجانب العملي، وظهرت نظريات متعددة لاستمرار طريق الدعوة متجنبة كلها أي شكل من أشكال التغيير الجذري عن طريق القوة واستبعد الجهاد بشكله العملي واقتصر على مرهفات الألسنة وأسنة الأقلام.
ولم ترض الأنظمة من الدعوة والدعاة حتى هذا الشكل المسالم من الإسلام فعمدت للقمع والضغط والإرهاب والنتكيل وهتك الأعراض وسفك الدماء -بادئة العداء- وكان حريًا بالقائمين على الدعوة أن يستفيدوا من التجارب المتكررة في بلدان شتى وفي البلد الواحد لأكثر من مرة .. ويتخذوا موقفًا ما يدافعون فيه عن كيانهم ووجودهم وعن دمائهم وأعراضهم .. لكن ما زادهم الضغط والتنكيل إلا استكانة وسلمية، ويروي أحدهم في كتاب له أن (الطاغوت الهالك) عبد الناصر أدخل في ليلة واحدة أثناء قمعه للإخوان المسلمين سبعة عشر ألف معتقلًا من أنحاء مصر .. وتكررت المأساة في مصر وفي غيرها ... وما استفاد الدعاة من التجرية الناصرية المرة بل على العكس ... ظهرت تصريحات شاذة .. منها التصريح بأننا لسنا طلاب حكم ولا سلطة! وكأن هذا جريمة محرمة على المسلمين حلال لكل كافر وملحد ومرتد -بل نحن دعاة نبين ما أراد الله ونصبر ونتحمل حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق!.
وظهر من يقول بضرورة العمل عبر التكتلات السياسية مستفيدين من ظروف الديمقراطية وتطور هذا الاتجاه حتى ظهر بشكل انحراف عقيدي وفكري عن طريق التحالفات والدخول في تكتلات غير متجانسة مع مرتدين وكفرة والاشتراك في المعارضة متذرعين بالإصلاح المتدرج وإيصال صوت الإسلاميين رسميًا .. ودخلت الكثير من الحركات الإسلامية دوامة الانتخابات في بلادها حيث سمح لها ... وأدخلت في الحلقة السياسية المفرغة.
فهل آتت هذه الحلول أكلها ... ؟ هل كانت على مستوى الشعارات والأهداف المطروحة ... ؟ هل كانت على مستوى المشكلة في ردة الأنظمة والحكام وجدية التصدي لها؟ هل تجنبت المزالق غير الشرعية في دخولها هذه الحلول ووقوفها موقف المستكينة إن لم نقل المهزومة .. ؟ سؤال نطرحه ليجيب عليه الواقع.