فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 564

إلا أنه على مستوى الهدف المنشود، وهو إقامة الحكم الإسلامي في بلاد المسلمين فإن الفشل هو الذي حصل وتكرر إلى الآن في أكثر من بلد .. وقد ولد هذا الفشل الشاذ اتجاهات شاذة وطروحات منحرفة في الحركة الإسلامية وأفرز انشقاقات كثيرة في الحركات الإسلامية وأنتج ظواهر غريبة ... وأوضاعًا طاغوتية مريرة .. أنه وضع يقتضي من القائمين على العمل الإسلامي وقفة تأمل ومحاسبة وتقييم للمارسات والمناهج والأساليب المتبعة .. عسى أن يقودنا هذا لمراجعة الجهد والسير في منحى جدي ومفيد. إن الذين يريدون إعادة النظام الإسلامي من خلال الإصلاحات الجانبية أو الأجواء الديمقراطية -إن اتيحت- أو الالتصاق بالحكومات وإحداث إصلاحات مرحلية تنتهي بتطبيق الشريعة واهمون والله أعلم.

أولًا: لأنهم يلتمسون الحلول بعيدًا عما يمليه الشرع من واجب في المواقف إزاء مشاكل بهذا الحجم.

ثانيًا: لأنهم يتحركون من خلال فرص يسمح بها النظام القائم .. فهم مفرطون في تصورهم غباء عدوهم مغالون في تصور الذكاء عند أنفسهم لدرجة تشكك بوجود هذا الذكاء أو الإخلاص فعلًا لإقامة الحكم الإسلامي الصرف ... ترى هل هذه سنة الله في الدعوات؟! وهل هذا طريق محمد صلى الله عليه وسلم؟؟ يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: (إن الذين يفكرون في النظام الإسلامي اليوم وتشكيلاته -أو يكتبون- يدخلون في متاهة، ذلك أنهم يحاولون تطبيق قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية المدوّنة، في فراغ ... يحاولون تطبيقها في هذا المجتمع الجاهلي القائم بتركيبته المنحرفة وهذا المجتمع الجاهلي الحاضر يعتبر بالقياس إلى النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية فراغًا لا يمكن أن يقوم فيه هذا النظام ولا أن تطبق فيه هذه الأحكام .. إن تركبيه العضوي مناقض للمجتمع المسلم، فالمجتمع المسلم كما قلنا -يقوم بتركيبه العضوي على أساس ترتيب الشخصيات والفئات كما ترتبها الحركة لإقرار هذا النظام في عالم الواقع ولمجاهدة الجاهلية لإخراج الناس منها إلى الإسلام مع تحمل ضغوط الجاهلية وما توجهه من فتنة وإيذاء وحرب على هذه الحركة والصبر على الابتلاء وحسن البلاء من نقطة البدء إلى نقطة الفصل في نهاية المطاف.

أما المجتمع الحاضر فهو مجتمع راكد قائم على قيم لا علاقة لها بالإسلام، ولا بالقيم الإيمانية .. وهو من ثم، يعتبر بالقياس إلى النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية فراغًا لا يعيش فيه هذا النظام ولا تقوم فيه هذه الأحكام.

هؤلاء الكاتبون الباحثون عن حل لتطبيق قواعد النظام وتشكيلاته وأحكامه الفقهية يحيرهم -أول ما يحيرهم- طريقة اختيار أهل الحل والعقد -أو أهل الشورى- من غير ترشيح من أنفسهم ولا تزكية، كيف يمكن هذا في مثل هذه المجتمعات التي نعيش فيها والناس لا يعرفون بعضهم بعضًا ولا يزنون كذلك بموازين الكفاية والنزاهة والأمانة، كذلك تحيرهم طريقة اختيار الإمام ... أيكون الاختيار من عامة الشعب أم يكون بترشيخ أهل الحل والعقد، وإذا كان الإمام سيختار أهل الحل والعقد -متابعة لعدم تزكية أنفسهم وترشيحها- فكيف يعودون هم فيختارون الإمام ... ألا يؤثر هذا في ميزانهم ....

وأسئلة أخرى كثيرة لا يجدون لها جوابًا في هذه المتاهة .. أنا أعرف نقطة البدء في هذه المتاهة، إنها هي افتراض أن هذا المجتمع الجاهلي الذين نعيش فيه مجتمع مسلم، وأن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية سيجاء بها لتطبق على هذا المجتمع الجاهلي بتركيبه العضوي الحاضر وبقيمه وأخلاقه الحاضرة.

إن هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم ومن ثم لن ينطبق فيه النظام الإسلامي ولن تطبق فيه الأحكام الفقهية الخاصة بهذا النظام ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت