لن تطبق لاستحالة هذا التطبيق الناشئة من أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية لا يمكن أن تتحرك في فراغ لأنها بطبيعتها لم تنشأ في فراغ ولم تتحرك في فراغ كذلك.
إن المجتمع الإسلامي ينشأ بتركيب عضوي آخر غير التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي ينشأ من أشخاص ومجموعات وفئات جاهدت في وجه الجاهلية لانشائه وتحددت أقدارها وتميزت مقاماتها في ثنايات تلك الحركة، إنه مجتمع جديد ... إنه مجتمع وليد ومجتمع متحرك دائمًا في طريقه لتحرير الإنسان ... كل الإنسان في الأرض ... كل الأرض .. من العبودية لغير الله ولرفع هذا الإنسان عن ذل العبودية للطواغيت .. أيًا كانت هذه الطواغيت.
ومثل قضية التزكية وطلب الإمارة واختيار الإمام، واختيار أهل الشورى .. وما إليها .. قضايا كثيرة تثار ويطرقها الباحثون في الإسلام .. في الفراغ .. في هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه .. بتركيبه العضوي المختلف تمامًا عن التركيب العضوي للمجتمع المسلم .. وبقيمه وموازينه واعتباراته وأخلاقه ومشاعره وتصوراته المختلفة تمامًا عن قيم المجتمع المسلم وموازينه واعتباراته وأخلاقه ومشاعره وتصوراته ...
أعمال البنوك .. وأساسها الربوي .. شركات التأمين وقاعدتها الربوية .. تحديد النسل .. وماأدري ماذا .. إلى آخر المشكلات التي يشغل الباحثون بها أنفسهم أو يجيبون بها على استفتاءات توجه إليهم .. أنهم جميعًا مع الأسف يبدأون من نقطة البدء في المتاهة.
يبدأون من افتراض أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه سيجاء بها لتطبق على هذه المجتمعات الجاهلية الحاضرة بتركيبها العضوي الحاضر .. فتنتقل هذه المجتمعات إذن -متى طبقت عليها أحكام الإسلام- إلى الإسلام وهي تصورات مضحكة لولا أنها محزنة.
إن المحنة الحقيقية لهؤلاء الباحثين أنهم يتصورون أن هذا الواقع الجاهلي هو الأصل الذي يجب على دين الله أن يطابق نفسه عليه ولكن الأمر غير ذلك تمامًا .. إن دين الله هو الأصل الذي يجب على البشرية أن تطابق نفسها عليه وأن تحور من واقعها الجاهلي وتغير حتى تتم هذه المطابقة .. ولكن هذا التحور وهذا التغيير لا يتمان عادة إلا عادة عن طريق واحد .. وهو التحرك في وجه الجاهلية لتحقيق ألوهية الله في الأرض وربوبيته وحده للعباد، وتحرير الناس من العبودية للطاغوت بتحكيم شريعة الله وحدها في حياتهم ... وهذه الحركة يجب أن تواجه الفتنة والأذى والابتلاء فيفتن من يفتن ويرتد من يرتد ... ويصدق الله من يصدقه فيقضي نحبه ويستشهد ويصبر من يصبر ويمضي في حركته حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق، وحتى يمكن الله له في الأرض وعندئذ فقط يقوم النظام الإسلامي، وقد انطبع المتحركون لتحقيقه بطابعه وتميزوا بقيمه وعندئذ تكون لحياتهم مطالب وحاجات تختلف في طبيعتها وفي طرق تلبيتها عن حاجات المجتمعات الجاهلية ومطالبها وطرق تلبيتها، وعلى ضوء واقع المجتمع المسلم يومذاك تستنبط الأحكام وينشأ فقه إسلامي حي متحرك -لا في فراغ- ولكن في وسط واقعي محدد المطالب والحاجات والمشكلات ...
(ونحسب أنه قد آن للإسلام أن يستعلي في نفوس دعاته فلا يجعلوه مجرد خادم للأوضاع الجاهلية، والمجتمعات الجاهلية والحاجات الجاهلية، وأن يقولوا للناس -وللذين يستفتونهم بشكل خاص- تعالوا أنتم أولًا إلى الإسلام وأعلنوا خضوعكم سلفًا لأحكامه .. أو بعبارة أخرى .. تعالوا أنتم أولًا فادخلوا في دين الله وأعلنوا عبوديتكم لله وحده واشهدوا ألا إله إلا الله بمدلولها الذي لا يقوم الإيمان والإسلام إلا به .. وذات يوم ...