والسؤال يا معشر الفقهاء هو: أيعفى من القتال، الفقير الذي لا يملك العدة أم عليه أن يقف إلى جانب المقاتلين، إذا كان القتال فرض عين، يمدهم بالماء وبنقل الجرحى وينتظر حتى يتمكن من الاستيلاء على سلاح يقاتل به أو ينتظر حتى يستشهد أحد إخوانه فيأخذ سلاحه ويقاتل مكانه. وهل يتوجب على الأغنياء أن يسلحوا الفقراء في حالة الإعداد للتقتال؟ وهل يجوز للمسلمين أن يمنعوا سهما في سبيل الله من أموال الزكاة إن وجد من يطالب به لنتجهز للقتال في سبيل الله؟ وهل يغني عن الأغنياء أن يدفعوا زكاة أموالهم دون أن يبذلوا من أموالهم؟ هل ينجيهم ذلك عند الله إذا لم يقاتلوا بأنفسهم وهم من غير أصحاب الأعذار المذكورين وما معنى قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} ألا يوحي هذا بأن العذاب واقع أو سيقع إن لم تجاهدوا وإن النجاة من العذاب بالجهاد وإذا كان السلاح في أيامنا لا يستطيع استعماله في القتال إلا المتدربون، فهل يكون التدريب فرضا، إذا كان القتال فرضا؟ ثم ما المقصود بقوله تعالى: {إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون} ثم أليس من الأفضل لهؤلاء الأغنياء الذين رضوا أن يكونوا مع الخوالف بقعودهم عن القتال ألا يتفلسفوا وألا يتحذلقوا ويتظاهروا بالفهم ويأتوا بالحجج الإبليسية، ليثبطوا همم المجاهدين وهم لا يعلمون.
إنهم لا يعلمون بصريح الآية، فليحذر المؤمنون أن يسمعوا لأقاويلهم ولو كانوا من الكبار.
{وإذا ما أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} ..
من هم الذين {يحلفون بالله لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم} (1) ، أليسوا هم القاعدين عن الجهاد، الراكنين إلى الحياة الدنيا المتخاذلين عن نصرة دين الله، الذين يقول الله فيهم إنهم رجس، إنهم نجس، أنهم كالجيفة النتنة بين الأحياء، ومأواهم جهنم وساءت مصيرا، لأنهم رضوا بالذل والهوان في الدنيا.
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل أن يخرج معه للقتال من كان في سن الخامسة عشرة فبأي سن من العمر كان يعفيهم من القتال؟ علما أن القتال كان بالسلاح الأبيض، وهو من أشق وأصعب أنواع القتال هل كان يعفي من القتال من بلغ الأربعين عاما؟ أم الخمسين أم الستين أم السبعين؟؟ وكم كان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر غزوة غزاها؟ ألم يكن فوق الستين عاما؟ وكم كان عمره صلى الله عليه وسلم وهو يقول في غزوة حنين في معترك القتال وقد تراجع عنه أصحابه:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، وسؤال إليك أيها القائد؛ بأي حجة تعفي نفسك من القتال وترغب عن مواقف وقفها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقارعة الكفر والمشركين والله يقول: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} .
هل معنى أن يتعمم أحدنا ويطلق لحيته ويتعلم ويتفقه في الدين، أن يعفي نفسه من القتال بحجة حفظ العلم وتفقيه الناس في دينهم؟ أم أن من واجبه أن يقود الناس في المعارك ويحرض المؤمنين على القتال أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العلماء والفقهاء والمجاهدين؟