فهرس الكتاب

الصفحة 464 من 564

يحلو لبعض دعاة الإسلام والكثير من جهلتهم من المهزومين نفسيًا، أن يصوروا الإسلام على أنه دين المحبة والسماحة والصبر على الأذى، والدعوة بالتي هي أحسن، وأن (لا إكراه في الدين) من عقائده، ويُغفِلُون ما هو منه كدين القوة والعدة والإعداد والحرب وضرب الرقاب، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بُعِثَ والسيف .. فيبرزون الإسلام في ثوب رهباني فضفاض، وإذا عيَّرهم أحدٌ بالجهاد على أنه دين إرهاب ودموية وقسر وإكراه، راحوا يَفرّون من هذا زاعمين أن هذا كان في الماضي، وأنه من تاريخ كل الأمم، أما الآن فإنه دعوة وتربية وإقناع وإفحام .. الخ .. فإن كان ولا بد، فللدفاع عن النفس، ويتناسون حقيقة الأمر وهي أن الإسلام جاء شاملًا كاملًا .. نظام حياة بكل ما فيها من سلم وحرب، ودعوة وقتال، وأسرة ومجتمع، وعلاقات دولية .. الخ كما أنه دين عبادات وآخرة، ورابطة بين العبد وربه .. ومن هذا المنطلق، فقد وجد حلًا لكل معضلة وإشكال .. فإن لم يكن للدين أن يكون كله لله إلا بالجهاد وجب، وفوق هذا فقد كلف الله المسلمين بعد أن تم دينهم واكتمل، أن يقاتلوا المشركين كافة ولم يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم من العرب إلا الإسلام أو السيف .. وأمر بقتال أهل الكتاب حتى يُسلموا أو يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون .. وجاء بتحطيم كل النظم السياسية وإخضاعها، حتى تتمكن الدعوة من الوصول إلى قلوب الناس دونما حاجز وإكراه، وحتى يكون الدين كله لله، (راجع تعريف ما هو الجهاد وقول المودودي رحمه الله ص ... ) .

فإذا عدنا إلى كتاب الله، وجدناه مليئًا بهذا .. وإن عدنا لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وجدنا عشرات الأحاديث الدالة على هذا .. وما ينكر هذا إلا جاهل أو متحامل أو منافق، أو رجل غلبت السياسة والأهواء عقيدته وأبلتها، وظن المصلحة الإسلامية في المداهنة والخداع، وظن أن أعداءنا لا يعرفون هذا حق المعرفة أكثر منه ..

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن وهو في مطلع مرحلته المكية لقريش قائلًا: (واستمعوا يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح) فأخذ القوم كلمته حتى ما فيهم رجل إلا كأنما على رأسه طير واقع ..

فلما أذن بالقتال، اشترك رسول الله بنفسه، وقاد سبعًا وعشرين غزوة ... وأرسل السرايا الكثيرة تغزو في سبيل الله، وتتعقب المجرمين ورؤوس الكفر ومن حادَّ الله ورسوله، فنكَّل بهم وقتلهم بأساليب مختلفة، وقصة ابن الأشرف الذي أرسل إليه من اغتاله، لأن كان يسب الرسول والمسلمين، ويشبب بنسائهم معروفة .. وكذلك غيره من رؤوس الكفر كأبي بن أبي الحقيق .. وعصماء بنت مروان .. وغيرهم، فأسلوب الاغتيال في حال خاصة تقتضيه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وهكذا كان .. صحيح أن مواقف كثيرة ومواطن عدة، أمر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكف والإعراض والصبر على الأذى، إلا أنه لما نزلت براءة وهي آخر ما نزل من القرآن، ونزلت فيها:"فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد"وهي ما اصطلح على تسميتها آية السيف، نُسِخَ كل ذلك بها .. قال الحسن بن فضل فيها: هي آية السيف، نسخت هذه كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء .. فعجبًا لمن يستدل بالآيات المنسوخة على ترك القتال والجهاد، وقال الإمام أبو عبد الله بن حزم المتوفى سنة 56هـ في الناسخ والمنسوخ في باب الإعراض عن المشركين: (في مئة وأربع وعشرين آية في ثمان وأربعين سورة نسخ الكل بقوله عز وجل:"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم .." [1] وهذا ما اجتمعت عليه آراء جمهور العلماء من المسلمين(راجع فقرات مراحل وسمات) .

(1) التوبة /5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت